الرئيسية » شؤون كوردستانية » عشر وصايا لساسة الكرد :الوصية الثانية: حذار من اللاواقعية السياسية!

عشر وصايا لساسة الكرد :الوصية الثانية: حذار من اللاواقعية السياسية!

كتب مارك فِيرو متحدثاً عن الغزو الأوربي لبعض القبائل البدائية: “عندما رأى الأبوريجين للمرة الأولى رجلاً أبيض يمتطي حصاناً، ظنوا أنهما يشكلان معاً كائناً واحداً، ولم يكتشفوا خطأهم إلا عندما ترجّل الرجل مِن على الحصان”. [مارك فِيرو: الاستعمار، ص 84]. تلك هي حال السياسي المنفصل عن الواقع، إذ تختلط عليه الأمور، ويعجز عن تمييز الواقع من الوهم، ولتفصيل البحث في هذا المجال، دعونا نستعرض أسس الواقعية السياسية.
أسس الواقعية السياسية:
لقد قيل: السياسة هي “عِلم حُكم الدول،… ومعرفة كل ما له علاقةٌ بفنّ حُكم الدولة وإدارة علاقاتها مع الدول الأخرى”. [موريس دوفرجيه: علم اجتماع السياسة، ص 19]. وقيل أيضاً: “السياسة هي عِلم العلاقات بين الناس”. [ريجيس دوبريه: نقد العقل السياسي، ص 462]. ويستفاد من هذين التعريفين أن (السياسة) تتكون من ثلاثة أسس متداخلة متفاعلة:
1 – السياسة (علم): أيْ هي معرفة ونظريات وقواعد ومعلومات، وهذا يعني ضمناً أن السياسة ليست ارتجالاً، ولا حقلاً للتجارب الاعتباطية، ولا جرياً خلف الأهواء، ولا وقوعاً تحت سلطة الغرائز، ويعني أيضاً أن كل قول سياسي، أو سلوك سياسي، أو بناء علاقة سياسية، أو عقد تحالف سياسي، أو الدخول في معركة سياسية، لا يتأسس على العلم والمعرفة والقواعد والمعلومات، يندرج- شئنا أم أبينا- في خانة الخرافات والأساطير، ومتى كانت الخرافة تحقق مكاسب قومية ووطنية؟
2 – السياسة (حُكم): أيْ هي ممارسة وخبرة، وفعلٌ وتفاعل، وتعاملٌ مع الإيجابيات والسلبيات، وأخذٌ وعطاء، وربحٌ وخسارة، ونجاحٌ وفشل، إنه تعديلٌ وتغيير في الواقع، وليست غرقاً في التنظير، ولا تخبّطاً في الفراغ، ولا انفصالاً عن الواقع، ولا أحلاماً، إن ما جاء في “جمهورية أفلاطون” المثالية جداً لم تتحول إلى واقع، ولا كذلك ما جاء في “مدينة الله” للقدّيس أوغسطين، وما جاء في “المدينة الفاضلة” للفارابي؛ إنها بقيت مجرد تنظيرات مدفونة في طيّات الكتب.
3 – السياسة (هدف): أيْ أنها ليست فعلاً عبثياً، إنها تهدف إلى الدفاع عن مصالح الأفراد والشعوب، وتنظيم العلاقات على محورين: تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات ضمن شعب /وطن واحد، وتنظيم العلاقات سلماً وحرباً بين شعوب/ دول متنوّعة، وكيف يمكن الدفاع عن المصالح وتنظيم العلاقات داخلياً وخارجياً، في غياب العقل والانفصال عن الواقع؟
وقد قلنا سابقاً: إن تآمر أنظمة الاحتلال على الشعب الكردي قروناً طويلة، وتغييبه عن التفاعل سياسياً وثقافياً وحضارياً، أدّى إلى تعميم الجهل في المجتمع الكردي، لكن عشق الكرد للحرية المتوقّد دائماً كنار أهورامزدا المقدسة، دفعهم إلى الثورة، فخاضوا ميادين الثورات والسياسة وهم مثقلون بتركة الجهل الناجم عن عصور الاحتلالات، واضطروا إلى ارتجال كثير من المواقف السياسة، والعجز عن التعامل بقدر كاف من الواقعية داخلياً وإقليمياً ودولياً، وكان الفشل متكرراً، وكانت الكوارث هائلة.
تلك كانت الحال سابقاً، لكن الآن، وبعد أن تخرّج عدد لا بأس به من شعبنا في الجامعات، وأجاد كثيرون اللغات الأجنبية، وأصبح العلم متاحاً لمن يرغب فيه، بفضل تكنولوجيا المعلومات الحديثة، فما المبرر لأن يظل السياسي الكردي في دائرة الارتجال؟ ما الذي يمنعه من الاستعانة بأهل العلم والخبرة؟ وما الذي يمنعه من تطوير معلوماته ومعرفته السياسة؟ وما الذي يمنعه من التحرر من الفكر الريفي القبلي الرعوي، وإحلال الفكر العلمي محلّه؟ أليس الفكر العلمي هو مفتاح الواقعية السياسية؟
سمات الواقعية السياسية:
إضافة إلى ما سبق، ثمة ستّ سمات مهمة وثيقة الصلة بالواقعية السياسية، وهي التالية:
1 ـ تمييز الممكن من المستحيل: لقد قيل: “السياسة فنّ الممكن” [نورتون فريش، ريتشارد ستيفنز: الفكر السياسي الأمريكي، ص 8]، وهذا يعني أن السياسي الواقعي ذكّي بما فيه الكفاية، فلا يخلط بين الممكن والمستحيل، ولا يقع في فخّ الديماغوجية، ولا يلهث خلف الخطابات الحماسية وإطلاق الوعود الخلابة، ليستجدي تصفيق الجماهير، وليقودهم بعد مدة قصيرة أو طويلة إلى الكوارث.
2 – التدقيق في التفاصيل: قال كونفوشيوس ذات مرة: “إذا لم يكن من عادة الشخص أن يقول: ماذا أرى في هذا؟ فإني لا أستطيع أن أفعل له شيئاً”. [ول ديورانت: قصة الحضارة، 4/41]، والسياسي الذي لا يضع نفسه معظم الأحيان في مواجهة السؤال (ما هذا؟)، ماذا تعني هذه الكلمة وهذه الجملة؟ ماذا يعني هذا السلوك وهذا الموقف؟ ويترك الأمور تمر تحت سمعه وبصره وعقله دون تدقيق، سيحقق أرقاماً قياسية في ارتكاب الأخطاء السياسية، وسيجرّ شعبه ووطنه إلى دفع المهالك.
3 – حساب الربح والخسارة: قيل: السياسة هي “إزالة أكبر قدر ممكن من الشر بإحداث أقلّ قدر ممكن من العداء”. [نورتون فريش، ريتشارد ستيفنز: الفكر السياسي الأمريكي، ص 8]، وهذا يعني أن السياسي الواقعي لا يكون هاوي حروب، ولا باحثاً عن البطولات الشخصية والأمجاد الجوفاء على حساب شعبه ووطنه، إن حسّه الواقعي يجعله على بصيرة تامة بقيمة كل كلمة أو سلوك أو موقف سياسي يتخذه، ويسأل نفسه: كم يربح شعبي وكم يخسر إذا قلت كذا أو فعلت كذا؟
4 – تحديد العدوّ: قال السياسي الألماني كارل شميث: “السياسة هي قبل كل شيء تحديد العدوّ”. [إريك لوران: حرب آل بوش، ص 19]، وتحديد العدوّ بحاجة إلى قدر كبير من الواقعية، فالساسة الجهلة والأغبياء والحمقى هم الذين يسرعون إلى الخلط بين الصديق والعدوّ، وبين العدوّ المؤقّت الأقل ضرراً والعدوّ الاستراتيجي الأكثر ضرراً، وبين العدوّ الذي يمكن تحويله إلى حليف والعدوّ الذي لا يتزحزح عن عدائه، ولا شك في أن أكثر الساسة جهلاً وغباء وحماقة هم الذي يحوّلون الأصدقاء إلى أعداء.
5 – تحديد المشكلات: قال مَكْنَمارا، وهو وزير دفاع أمريكي سابق: ” حدِّد المشكلة تحصلْ على الحل” [إريك لوران: حرب آل بوش، ص 115]، وهذه واحدة من أهم لوازم الواقعية السياسية، فالسياسي في الأصل هو رجل درْء المشكلات من جانب، وحلّ المشكلات من جانب، فكيف يكون موفَّقاً في هذا وذاك إذا كان غير قادر على تحديد المشكلة ومصدرها وحجمها وخطورتها؟
6 – ترتيب الأولويات: من الطبيعي أن يجد السياسي أمامه مجموعة أهداف مطلوب منه تحقيقُها، فعليه أن يتفحّصها، ويميّز الممكن منها من المستحيل، ثم يعيد ترتيبها من حيث أولوية التنفيذ، آخذاً الظروفَ الذاتية والموضوعية بالحسبان، لا بل عليه أن يهيّئ الظروف والشروط المساعدة على تحقيق الهدف، إن سياسياً لا يجيد ترتيب الأولويات، ويضع العربة أمام الحصان، هو بلاء على شعبه.
كان بودّنا أن نقدّم أمثلة توضيحية لكل محور من المحاور السابقة، لكنا تجنّبنا ذلك خوفَ الإطالة، ولثقتنا بقدرة القارئ الكردي عامة، والسياسي الكردي خاصة، على استحضار أكثر من مثال لكل محور، سواء من تاريخنا القديم أم من تاريخنا الحديث، بل ومن وضعنا السياسي الراهن أيضاً.
وإلى اللقاء في الوصية الثالثة.

20 – 7 – 2012