الرئيسية » مقالات » تهريب النفط اهون الشر

تهريب النفط اهون الشر

مر الخبر مرور الكرام، صهاريج النفط الخام تحترق عند معبر باشماخ الحدودي والتابع لقضاء بنجوين في محافظة السليمانية، وهذا ما اعلنه قمائمقام القضاء رضا محمد ونقلته السومرية نيوز يوم22 تموز2012، فقد كان عدد الصهاريج التي احترقت عشرة.
مر الخبر كأن شيئا لم يكن، بلا تعليق من أحد، حتى المتحدثين عن الحكومة الاتحادية ووزارة النفط أهملوه ولم يعلقوا عليه ولو بكلمة واحدة رغم مرور اسبوع على الحادث.
كم حادث من هذا النوع مر من دون الاعلان عنه؟ وهنا نسأل، ماذا تفعل هذه الصهاريج عند المعبر الحدودي البعيد جدا عن مواقع انتاج النفط في الاقليم؟ فهل كانت تنتظر وصول صهاريج اخرى لكي تنطلق برحلة سياحية في بنجوين ومصايف السليمانية الجميلة؟ ثم ألا يعني ذلك أن النفط يهرب أساسا عبر إيران قبل أن يصبح التهريب تركيا؟ فهل التهريب عبر إيران مصرح به في كردستان؟ وهل هذا النفط للمقايضة مع ايران ايضا للحصول على مشتقات كما يدعي الأتراك والاقليم؟
لكن المضحك حقا هو ان خرج علينا متحدث باسم الاقليم أثناء كتابة الموضوع وهو يحمل مجموعة وثائق مدعيا أن التهريب تقوم به الحكومة المركزية عبر كردستان، رغم أن الجميع يعرفون أنه من غير الممكن تمرير قطة عبر كوردستان دون علم حكومة الاقليم وكفيل من اهل المنطقة!
لكن لدينا سؤال أكثر اهمية:
ما قيمة هذا التهريب مع السرقة الكبرى بالتعاون مع اليانكي واعوانه في سهل نينوى على سبيل المثال؟ فكمية هذا النفط المراد تهريبها عبر إيران لا تزيد على اربعة آلاف برميل بأي حال من الأحوال، لكن نفط كوردستان العراق وسهل نينوى وباقي المناطق المتنازع عليها قد يصل إلى اربعين مليار برميل وفق تقديرات الاقليم.
الأجدر بنا التحدث عن الشركات الأمريكية مثل اكسون موبيل وهيس وشيفرون وهنت وشركات أخرى قد يصل عددها إلى أكثر من عشرين شركة من مختلف الجنسيات كانت قد تعاقدت مع الاقليم على رقع جغرافية تقع في المناطق المتنازع عليها، لأن من مجموع48 رقعة استكشافية تم التعاقد عليها، يقع28 منها فقط بداخل الاقليم، أما الباقي فإنها تقع في المناطق المتنازع عليها، رغم ذلك يقولون ان التعاقد وفق الدستور!؟ ولا أدري أي دستور يقصدون؟
ذهب بهم التمادي إلى أبعد حدود، فربما سنقرأ خبرا في الغد القريب أن شركة ما قد تعاقدت مع الإقليم على رقعة استكشافية في النجف، لأن النجف مدينة دينية مقدسة تعود لكل العراقيين، وهذا التبرير كاف لأن تكون مناطقة متنازع عليها بظل التمادي المسرف بالتحدي للمركز والغطرسة عليه بفضل دعم اليانكي والمصالح الاقليمية الضيقة.
لكن خصوم سحب الثقة قد تغير موقفهم اليوم بشكل مفاجئ ومثير للاستغراب، فنجد الملا يذهب للمالكي، والمطلق يعود إلى كرسيه في مجلس الوزراء، عادوا هكذا بدون مقدمات أو مرحلة انتقالية من موقف لآخر بالضد، والسياسي المخضرم حسن العلوي يتوقع نشوء كتلة جديدة واسعة عابرة للطوائف تظم اطرافا واسعة كانت قد انشقت من الكتلة العراقية، فما السبب يا ترى؟
ربما أدركوا مؤخرا أن المتضرر الأكبر من تداعيات ملفات النفط هو الشعب العراقي الذي أوصلهم للكرسي، وأن رئيس حكومتهم ليس جو بايدن ولا نجرفان، فإذا كان هذا الأمر صحيحا، فإنهم لم يتأخروا كثيرا ليكتشفوا أن الفكر الشوفيني ليس مرتبطا بالفكر العروبي فقط، بل مرتبطا بالفكرين القومي والطائفي بشكل عام، وأدركوا أنهم يدفعون بالبلد نحو الهاوية في حال استمرارهم بالمشاكسة، وإن الذين يصطفون معهم يحملون أجندات مختلفة، أشد خطورة من أجندتهم الساذجة.
لعلي اعيد بعض الأفكار التي كنت قد تناولتها سابقا، ولكن لابأس، ففي الإعادة فائدة كبيرة.
فما هي هذه الأجندات وكيف اتفقت مع بعضها؟
لنبدأ بالكورد:
أرجو أن لا يعتقد البعض بأني عدوا للكورد لا سامح الله، نعم أختلف مع حكومة الاقليم في سياستهم النفطية وبعض الطموحات والرؤى القومية الشوفينية لبعض القادة، لكني بذات الوقت أطير فرحا لو سمعت أن جسرا أو جامعة بنيت في كوردستان العراق.
الكورد يدركون أن مصيرهم مازال مرتبطا بالعراق وحدوده الجغرافية الحالية، وإن كان طموحهم أكبر بكثير، ليس الاستقلال وحسب، ولكن اعادة تشكيل دولة كوردستان الكبرى التي لم تكن يوما ما دولة مستقلة لوحدها عبر التاريخ.
كما ويعتقدون أيضا أن سياسة السقوف العالية للمطالب هي التي تضمن الحقوق واكثر في نهاية المطاف، لذا فهم يريدون، بل يعملون حقا على أخراج ادارة النفط من المركز، ويريدون للنفط أن يكون ملكا للمناطق التي يكتشف فيها النفط أو الغاز، ويريدون تطوير حقولهم بالكامل قبل تحقيق الانفصال ان تمكنوا من ذلك يوما ما، لذا فإن سياسة الإقليم وضعت على هذا الأساس، وهو استكشاف وتطوير جميع الحقول المكتشفة لتكون دولة كوردستان الفتية قوية من الناحية الاقتصادية فيما لو تحقق الحلم، لذا وضعوا كل هذه الرغبات موضوع التطبيق.
وضعوا سياستهم النفطية الخاصة بهم بعيدا عن الحكومة الاتحادية صاحبة هذا الحق، فوضعوا سياسة العقود المعيارية وكتبوها، ووضعوا خارطة الرقع الاستكشافية بداخل وخارج الإقليم بحجة أنها مناطق متنازع عليها، وبالتالي يحق فقط للحكومة الكوردية التصرف بها، رغم تعارض كل ما تقدم مع الدستور، لكن مع ذلك يرددون دوما أن سياستهم، التي تثير إعجاب السيد جو بايدن، أنها وفق الدستور، لأنهم يدركون أن العراق لا يستطيع الدخول معهم بنزاع مسلح، فالجبل موجود إلى الأبد، والبشيمركة مازالت موجودة وأقوى من أي وقت مضى، والتعاطف من اليانكي موجود، والأتراك لهم مآرب أبعد من احلام الكورد فيدعمون مؤقتا إلى حين وفق مصالحهم، وسوريا في وضع لا تحسد عليه، أما إيران فهي أضعف من أي دولة شرق أوسطية مهما كبرت ترسانتها من الأسلحة، فهي الآن مجرد ظاهرة صوتية.
إذا فالأمر مرتب ولم ينقصه شيء سوى ازالة بعض العقبات الداخلية كبعض الشخصيات السياسية في المركز. بهذه النقطة بالذات اتفقوا مع فرسان كتلة أربيل – النجف، رغم الاختلاف فيما بينهم بالتفاصيل الأخرى، أما اذا لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، فإن ما قاموا به لحد الآن يعتبر سقوفا عالية جدا للتفاوض مستقبلا في الشأن النفطي، وبالنتيجة سيكونوا هم فقط الرابحون.
لكن لو عدنا إلى طبيعة الخلاف بين الإقليم والمركز لوجدناه بسيطا ولا يستحق كل هذه الضجة والسقوف العالية جدا، والتآمر، وخلق الأزمات، فالصيغة التي وضعها الإقليم لقانون النفط والغاز لا تختلف كثيرا عن الصيغة التي اعتمدها المركز، والقضايا المختلف عليها لا تشكل سوى بضعة مواد تعد على اصابع اليد الواحدة، وهناك دائما منزلة ما بين المنزلتين، أي قابلة للتحقيق حتى بعد فرض السقوف العالية جدا على أرض الواقع كحقيقة، وفي دراسة سابقة منشورة على موقعنا الخاص تناولنا تلك المنازل بين المنزلتين واعتقد جازما أنها مقبولة من الطرفين، ربما ببعض التعديل، لكن يبدو أن النزاع له أهدافا اخرى غير معلنة، وأزعم أني أعرفها، وهي اقامة دولة كوردستان الكبرى رغم استحالة تنفيذ هذا الأمر في الوقت الحالي، فهي أشبه بأحلام العروبيين بإقامة الوطن العربي الكبير من الخليج الى المحيط.
أمريكا وموقفها:
أرجو أن لا يفهمني البعض على اني من اعداء اليانكي أيضا، فأنا أدين لهم بالعرفان لأنهم أنقذونا من النظام الدكتاتوري الذي أطبق على رقابنا أربعة عقود، رغم يقيني بأنهم الجهة التي سلطت الدكتاتورية للتحكم برقابنا، لكن اليانكي له مآرب اكبر من احلامنا بكثير، لذا اسقطوا النظام السابق الذي بنوه حجرا حجرا بايديهم.
لم تتصرف أمريكا يوما ما ضد مصلحتها، وسياسة الإقليم النفطية هي التي تحقق مصالح أمريكا بالكامل، فسياسة تطوير كل ما تحت الأرض من مخزونات بترولية التي يتبعها الإقليم، يعني أنها في حال القبول بها مركزيا في العراق، ستكون سنة وديدن لباقي المحافظات والإقاليم، إن تشكلت أقاليم جديدة، وهو ما يعني تطوير أكثر من450 حقلا نفطيا وغازيا في آن واحد، بحيث يكون سعر النفط عالميا أرخص مما نتصور ولفترة قد تزيد على خمسة عقود، هذا إذا لم يتفتت العراق، لأن هذه الحقول تقع في العموم الغالب عبر الحدود بين الأقاليم والمحافظات العراقية، لأن معظم هذه الأقاليم والمحافظات لديها مناطق متنازع عليها، حتى كربلاء والنجف لديها مناطق متنازع عليها، وقد تنشب حربا بين الطرفين إذا لم يتفق السياسيون على تقسيم مناسب يضمن لكل سياسي عدة آبار تسقي خزائنه بالمليارات الى أبد الآبدين.
هذه الحالة ستكون حقيقة بأياد عراقية محض، وسيخرج اليانكي من هذه الجريمة بأياد بيضاء ناصعة، فلماذا لا يؤيد سياسة الإقليم النفطية؟ ولماذا لا تدفع أمريكا بكل شركاتها الكبرى والصغيرة للتعاقد مع الإقليم وفق دستور موزمبيق؟ فالنتائج المؤكدة لهذه السياسة النفطية قد تفعل اكثر مما فعله الربيع العربي او الحربين العالميتين الأولى والثانية وحتى حرب النجوم.
تحالف سحب الثقة:
دروس الأيام القليلة الماضية قدمت لنا الدليل القاطع أن هدفهم كان ساذجا ويتعلق بتبديل الوجوه من أجل حصاد وفير، لكن البعض منهم أدرك مؤخرا أن المسألة أكبر بكثير من حصاد يحقق منافع شخصية، فتفتت التحالف ويبدو لي أن الشفوفينيين من الأخوة الكورد سيبقون لوحدهم يحاربون الطواحين، لأني على ثقة أن ليس هناك في العراق من يرغب برفع السلاح بوجه الأكراد مهما تمادى البعض بسياسة السقوف العالية والاستفزاز وتحوير معاني الدستور بما يخدم اجندة الشوفونيين القوميين الكورد.
أطرافا من الكتلة الأكبر:
ربما يعتقد البعض انهم كانوا غير مشتركين بلعبة تدمير العراق، فهم منذ اليوم الأول بعد الانتهاء من الانتخابات كان لهم موقف واضح، وهو تشكيل لجنة عليا للخبراء هي التي توجه رئيس الوزراء الذي سيكون آن ذاك مجرد دمية بأيديهم يحركونه كما يشاؤون، وعندما فشلوا بتحقيق ذلك، بقوا يتربصون ويتحينون الفرص للوصول إلى هذا الهدف، وهو التحكم بمقاليد الأمور من خلال اللجنة التي لا تختلف كثيرا عن مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران، وها هم يقتربون اليوم من الهدف الأسمى ليؤسسوا ولاية الفقيه في الجمهورية الثالثة للعراق بعد سقوط الدكتاتورية.
خلاصة القول إن ما لم يدركه الكثيرون لحد الآن هو أن الأمور مازالت تتجه نحو تقسيم العراق بسبب تمادي الطائقيين والقوميين الشوفينيين بارتكاب الاخطاء، ومازال الوضع يسير باتجاه تحقيق حلم ودول الجوار الاقليمي وامريكا بعراق مقسم متحارب بين أجزاءه، ما لم يقف الجميع وقفة رجل واحد بوجه هذة المؤامرة.
أما اليانكي فإنه قد دفع بشركاته أصلا وهو مدرك تماما لما ستؤول إليه الأمور في المستقبل القريب، لأنه يراهن على غباء الشوفينيين الطائفيين والقوميين، وسيكون النفط رهن أيديهم بلا أدنى شك اذا لم يعيد العراقيون حساباتهم بشكل صحيح، فالامريكان يحسبوها جيدا.