الرئيسية » مقالات » متلازمة ستوكهولم والمغرمون بصدام ومن على شاكلته من مجرمين وحكام

متلازمة ستوكهولم والمغرمون بصدام ومن على شاكلته من مجرمين وحكام

بعض الظواهر النفسية الغريبة والشاذة كانت وماتزال الشغل الشاغل لكثير من العلماء والباحثين والمتخصصين في علم النفس والعلوم المتنوعة الأخرى التي تهتم بسلوك الأنسان وردود أفعاله العاطفية والذهنية والمؤثرات الداخلية والخارجية على هذه الظواهر لغرض دراستها ومعالجتها أو الأستفادة منها في التعامل مع الأفراد والمجتمعات. وبنفس المستوى تثير هذه الظواهر الشاذة أهتمام عامة الناس وتطرح حولها الكثير من الأسئلة والتساؤلات ولغرض فهم هذه الظواهر وأستيعابها. ولتقريب الفكرة والتمهيد لأستيعابها بشكل جيد وتخفيف العبء عن القارئ لابأس من ذكر بعض الظواهر والسلوكيات النفسية الجنسية المنحرفة والمعروفة لدى الكثيرين. ومن أشهر هذه الظواهر الشاذة في أنحرافات السلوك الجنسي هي ما تسمى بالمازوخية masochism وهي التلذذ بالأضطهاد والتعذيب الجسدي والأذلال النفسي من الطرف الآخر كما هناك نوع معاكس تماماً من أنحرافات السلوك الجنسي ويسمى بالسادية Sadisim وهي ممارسة الحصول على اللذة والمتعة عن طريق التلذذ بتعذيب الاخر.
أما في السلوك العام فقد لاحظ المتخصصون سلوكاً مشابهاً لهذه الأنحرافات ليس بالضرورة في الجانب الجنسي وهو تعلق وتعاطف الضحايا مع الجناة في حوادث متعددة حصلت في العالم ومنها الحادثة التي أتخذت منها متلازمة ستوكهولم Stockholm syndrome تسميتها. ففي عام 1973 حاول السجين الهارب جان أيريك أولسون سرقة بنك في ستوكهولم في السويد. حيث قام أولسون مع عدد من أرباب السوابق بإحتجاز عدد من الموظفين كرهائن لمدة ستة أيام متواصلة وعندما حاولت الشرطة إنقاذهم, قاوموا رجال الشرطة الذين حاولوا إنقاذهم ورفض عدد من الرهائن أن يتخلوا عن خاطفيهم. والأغرب من ذلك وبعد أن قامت الشرطة بتحريرهم عنوةً ورغم كل ما عانوه من خطر وأعتداء وإهانة وإذلال من قبل خاطفيهم, قاموا بالدفاع عن الخاطفين وعن مبادئهم وبرروا لهم فعلتهم ثم قاموا بجمع التبرعات للدفاع عنهم أمام القضاء. مما دعى المختصين إلى القيام بدراسة مستفيضة عن الحالة النفسية للمختطفين ومقارنتها مع حالات أخرى لضحايا تعرضوا الظروف متشابهة من أعمال عنف وأختطاف وأغتصاب وتوصل المختصون إلى تشخيص الحالة التي يعاني منها هؤلاء الضحايا وقاموا بتعريفها على أنها حالة من الأضطراب النفسي تصاب بها الضحية التي تتعرض لأي نوع من الأضطهاد العنيف بحيث غالباً ما يؤدي إلى تعريض حياتها لخطرشديد ونتيجةً لهذا الأضطراب النفسي والشعور الشديد بالرعب تبرز عند الضحية لاشعورياً حالات دفاعية نفسية Defense Mechanisms ففي حالة التعرض للأضطهاد وخلال الأزمة تظهر عند الضحية حيلة دفاعية نفسية غير واعية تسمى Identification with the aggressor تدفع بالضحية إلى التعاطف مع الجاني ومحاولة أرضاءه وإسعاده بصورة غير واعية والقبول بآراءه ومعتقداته وحبه والألتصاق به والتضخيم والمبالغة بأي عمل تعتبره الضحية أيجابياً يقوم به الجاني إتجاهها لسبب ما ، حتى لو كان ذلك العمل هو فقط إبقاء الضحية على قيد الحياة، وتستسلم أستسلاماً كاملاً للجاني متناسيةً آلآمها ومعاناتها وحاجاتها النفسية والجسدية. وتقوم الضحية كذلك برفض أي محاولة لأنقاذها بل تعتبر هذه المحاولات هي التي تهدد حياتها وتعرضها للخطر. وبعد الخروج من الأزمة والتخلص من سطوة الجاني يمر المصاب بهذه المتلازمة بحيلة دفعية نفسية غير واعية أخرى تسمى الأنكار Denial حيث أنها تقلل من حجم الضغوط النفسية التي مرت بها وتعتبر أن ما مر بها هو مجرد حلم وفي أعماقها لا تستطيع الضحية التخلص من الخوف والرعب الذي سببه لها الجاني وتحاول عدم الأعتراف بالضعف والأستسلام الذي أصابها من جراء ذلك حيث تترد في أدانة الجاني أو أنتقاده ولا تستطيع أن ترى في الجاني أي صفة سيئة بل تعبر عن أعجابها بقوة وشجاعة الجاني وتحاول تقليده كما أنها لا تستطيع التعبير عن معاناتها بسبب الجريمة التي أرتكبها الجاني وتحاول أن ترمي باللوم على نفسها أو على من أنقذها في النهاية التي وصل إليها الجاني.
وخلاصة الأمرتعتبر أعراض متلازمة ستوكهولم هي وسيلة هروب من ضغط نفسي كبير بالتأقلم معه. تصاب بعدها الضحية بحالات من الركون إلى العزلة والأبتعاد عن المجتمع وخلل واضح في السلوك وإختلال القيم الأخلاقية لديها. ويتطلب التعامل مع هذه الحالة جهوداً كبيرةً كالعلاج الجمعي وتقديم المساعدة للضحية وإخراجها من عزلتها. كما يجب إعادة صياغة مفاهيم السلوك الأخلاقي السليم من جديد للمصابين بمتلازمة ستوكهولم تمهيداً لعودتهم من جديد إلى وضعهم الطبيعي السابق في المجتمع.
ويعزوا العلماء والمختصون في تفسيرهذه الحالة وظهورها لدى البعض إلى بعض العوامل البيئية وبالأساس الى العوامل الوراثية، التي أثبتتها دراسات كثيرة توصلت إلى عمق تأثير نمط الحياة وماتعرض له الأسلاف ودور ذلك في التأثير على سلوك الأحفاد، فعمليات الخطف والنهب والأغتصاب والأستعباد التي كانت سائدة في الحياة البدائية للأنسان وسيطرة جماعات قوية على جماعات أخرى أقل منها قوة وعدة وعدد بالغزو وممارسة العنف وعلى الأغلب قيام الجماعة الأقوى بقتل الرجال والأبقاء على النساء والأعتداء عليهن وإغتصابهن ساعد على توارث هذه الحالات عن الأسلاف الأناث أكثر مما عن الأسلاف الذكور. وأياً كانت الأسباب فلم يقتصر المختصون الأصابة بهذه المتلازمة وغيرها من الأنحرافات المتشابه الشاذة على الذين يتعرضون لحوادث الأغتصاب والأختطاف بل أكدوا على وجود هذه الحالات في الشعوب التي تحكم من قبل طغاة ومجرمين مثل المجرم المقبور صدام ومن على شاكلته من الطغاة وهذا ما يفسر لنا بوضوح دفاع البعض عن هؤلاء المجرمين أذا ما أستبعدنا عن الموضوع المنتفعين والمشاركين في هذه الجرائم وكذلك الذين تعرضوا لعمليات مايسمى بغسل الدماغ على يد هذه الأنظمة الأجرامية وهذا ما يبين لنا وبوضوح أيضاً حجم الكارثة والتدمير الأخلاقي والنفسي الكبيرالذي تولده مثل هذه الممارسات القمعية في سلوك الكثيرين وصعوبة علاجها والحجم الهائل المطلوب من الأمكانيات والجهود والزمن اللازم لأصلاح هذه الآثار النفسية لدى المصابين ولدى الأجيال اللاحقة.