الرئيسية » شؤون كوردستانية » الدستور الاتحادي بين التزام البارزاني به و خروقات المالكي له

الدستور الاتحادي بين التزام البارزاني به و خروقات المالكي له

الحافز الذي دفعني إلى كتابة هذه المقالة، هي تلك الأصوات النكرة، التي لا تنقطع منذ سنة (2005) و إلى الآن، والتي تطالب بتعديل الدستور العراقي الاتحادي، و بات يعرف القاصي و الداني، ماذا يبغي هؤلاء من وراء مطالبتهم المشبوه والمغلفة بغلاف فقرة دستورية تقول: ” لرئيس الجمهورية و مجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) أعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور” نسي أو تناسى هؤلاء… أن في الدستور مادة أخرى تقول: “لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور بما ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني و موافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام” كما أسلفنا،على مدى السنوات الست الماضية، وإلى ساعة كتابة هذا المقال، لم ينقطع الحديث عن المطالبة بإجراء تعديلات على بنود الدستور، و يعرف المواطن الكوردستاني جيداً، أن هدفهم من المطالبة بهذه التعديلات، هو محاولة غير نزيه لإيجاد ثغرات في الدستور، قد تمنحهم هامشاً ينفذوا من خلاله للنيل من الشعب الكوردي والمكتسبات التي حققها بفضل نضاله و تضحياته الكبيرة،والشيء الثاني الذي يحاولون مسه في هذه التعديلات المرتقبة، هو تعديل بعض البنود التي كبلت النزعة الديكتاتورية الفردية في العراق. إن الذين يسعون لتعديل هذه البنود لصالح الديكتاتورية، كانوا هم من اكتوى بنارها على مدى عقود من الحكم الفردي، وكانوا هم أنفسهم في (2005) حين أقسموا على الدستور صباحاً، وقالوا في المساء، لنا تحفظات عليه، أي حنثوا بالقسم، و يزعمون أنهم أمناء على القرآن و الإسلام و الدستور.
بعد انتهاء فترة حكم الحاكم المدني (پول بريمر) و إجراء الانتخابات النيابية، التي انبثقت عنها تشكيل حكومة عراقية، ورأسها حزب إسلامي (شيعي)، بدأ هذا الحزب الشيعي، و رئيسه، الذي ترأس الحكومة، بخرق الدستور الاتحادي منذ اليوم الأول لتسنمه المنصب، لم يراعي مشاعر ملايين العراقيين، الذين تحدوا الموت، يوم ذهبوا إلى صناديق الاستفتاء، لاختيار دستورهم الاتحادي. بسبب جهله بحيثيات دولة العراق الاتحادية، التي عمادها العرب و الكورد، ما لبث أن أزيح هذا الشخص من موقع رئاسة الوزراء، لأنه لم يكن مناسباً للمنصب بتلك المواصفات…، و وقع الاختيار على شخص آخر من نفس حزب رئيس الوزراء المنصرف ليتبوأ هذا المنصب، وكان هذا الشخص هو الأستاذ (نوري المالكي) ما أن مرت عدة شهور، حتى اتضح للعراقيين، أنه سائر على نهج سلفه، و أنهما وجهان لعملة… واحدة، و الذي زود الطين بله، أنه جاء بوزير النفط، الفاشل، آغا (حسين شهرستاني) الذي دمر صناعة النفط في العراق، و نصبه نائباً له، و سلمه ملف الطاقة (النفط) و بعد تنصيبه في منصبه الجديد، بدأ رحلة تدمير ثروات العراق النفطية من أوسع الأبواب، أضف إلى هذا، أنهما- المالكي و الشهرستاني- لم يكترثا، و لم يعيرا اهتماماً للدماء العراقية التي سالت من أجل تثبيت الدستور الاتحادي كانجاز وطني ناضل من أجله العراقيون على مدى عشرات السنين. إن المتتبع للشأن العراقي و العربي و (الإسلامي) يرى أن عدم احترام الدستور والالتزام ببنوده و تطبيقها ليس وليد اليوم، بل هو سجية النخبة الحاكمة العربية، الفارسية، التركية، منذ أن أصبحت كياناتهم بفضل المستعمر الأوروبي جزءاً من الخارطة السياسية في العالم. على سبيل المثال و ليس الحصر، ننظر إلى تاريخ مملكة العراق حين كتب الدستور في العشرينيات من القرن الماضي في ظل الاستعمار البريطاني، كان دستوراً لا بأس به، فيه جوانب تراعي إلى حد ما توازنات البلد والحقوق المدنية و سير العملية السياسية بوجود برلمان منتخب و مجلس للأعيان الخ، لكن، بعد خروج المستعمر البريطاني، ما لبثت زمرة من الضباط العروبيين، حتى صعدوا على ظهور دباباتهم و اسقطوا النظام الملكي و الحكومة المنتخبة، و سحلوا أفراد العائلة المالكة في شوارع بغداد، و بعدها توالى حكم العروبيون العسكر وأشباههم للعراق(45) سنة بدساتير مؤقتة، أو بالأحرى بدون دستور، يفعل به الحاكم الأوحد ما يحلوا له، حتى وصل الحال بحاكم العراق في حينه، أبن قرية العوجه، المجرم (صدام حسين) أن يستهزئ بالعراقيين قائلاً لهم ” ما هو الدستور، هاتوا ورقة و قلم، أكتب لكم دستوراً بظرف ساعات” بهذا الأسلوب السمج، كان يستهزئ ابن قرية العوجه، الأمي، صدام حسين بالدستور الذي يجسد حضارة البلد. فلا نذهب بعيداً، نمد بصرنا نحو غرب العراق، إلى البلد المتاخم له، وهو الجمهورية السورية، حين توفى رئيسها (حافظ الأسد) سنة (2000) وهو الذي قاد انقلاب (1970) جاء البعثيون بابنه (بشار) رئيساً لسوريا، وحينها كان غلاماً يافعاً، لم يسمح له الدستور السوري أن يتقلد منصب رئيس الجمهورية، لأن الدستور السوري كان يحوي على بند حدد سن مَن يريد أن يتبوأ منصب رئيس الجمهورية السورية بما فوق الأربعين سنة، السن الذي لم يكن قد بلغه بشار، فاجتمع حزب البعث الحاكم في المساء، وخلال دقائق عدلوا الدستور السوري، بحيث يسمح للغلام، أن يتبوأ منصب رئيس جمهورية سورية. والأمر كذلك في الجزائر، البلد الذي يقع في شمال إفريقيا، أن دستوره، حدد فترة الرئاسة بدورتين، وهذا التحديد لم يكن مناسباً للخرف (عبد العزيز بو تفليقة) ومن ورائه العسكر الحكام الفعليين للجزائر، فلذا جمعوا زمرتهم فيما يسمى بالبرلمان، و أزالوا هذه فقرة من الدستور، و أضافوا فقرة أخرى، لا تحدد منصب رئيس الجمهورية بعدد الدورات، بل تركوها مفتوحة، على الطريقة العربية، إلى ما شاء الله، والأمر لا يختلف في بقية الدول ذات الأنظمة العربية، حيث لا يوجد عندهم أدنى احترام لدساتيرهم و قوانين بلدانهم، إما ما يسمى بالدستور التركي الذي وضع في (1982) إبان حكم العسكر، فحدث عنه ولا حرج، فهو عبارة عن مسخرة، سطرت موادها بحراب بنادق العسكر. قال عنه القاضي التركي (سامي سلجوق) “أنه يشبه تقرير مكتوب من قبل الشرطة لتعذيب المواطنين” بخلاف الدول المتحضرة ذات الأنظمة الديمقراطية، كألمانيا و أمريكا و فرنسا و سويسرا الخ الخ، التي تعتبر الدستور عندهم أقدس المقدسات، و تعديل بند دستوري واحد يأخذ سنوات عديدة، أضف أن دساتيرهم فيها بنود لا تسمح قطعاً بتعديل المواد التي تخص الحريات العامة و حقوق القوميات. بينما الأنظمة العربية، بين ليلة وضحاها تعدل مواد الدستور أو تبدل جميع بنوده و ترميه خلف ظهورها، حتى تسنح للغلام أن يتبوأ أعلى منصب في الدولة، أو حتى يستمر الخرف ذات الأمراض المتعددة في سدة الحكم إلى آخر ساعة من حياته.
إن أصحاب هذه العقليات…، هي التي تقود هذه البلدان، ومنها العراق، هنا يتساءل المواطن الكوردستاني من قادته، بعد أن جاوز عمر الحركة التحررية الكوردية في جنوب كوردستان عقدها الثامن، و هي تتفاوض مع هؤلاء الحكام، بدأً من فيصل الأول وإلى مجلس الحكم ومن ثم نوري المالكي، و بصورة خاصة إبان كتابة الدستور الاتحادي في (2005) و قبول القادة الكورد وضع جزءاً من أرض كوردستان تحت نزوات هؤلاء… وربطها بمادة (58) و التي تبدلت إلى (140) في الدستور الدائم، هذا الدستور الذي يخرق في كل لحظة من قبل رئس الحكومة. هل أن قادة الكورد، لم تتعلم الدرس جيداً؟، وأن منهم من بلغ من العمر عتيا، و عمره يقارب عمر تأسيس دولة العراق، ألم تعرفوا بعد أنكم تتعاملون مع هذه النماذج من البشر، الذين لا عهد عندهم ولا ميثاق مع الكورد؟، و يشهد التاريخ، كم من المرات غدروا بالشعب الكوردي و نكثوا العهد معه، و الآن نحن نعيش غدر و نكوث الأحزاب و المنظمات الشيعية، و تراجعها عما تعهدت بها سابقاً. هناك شيئان أساسيان يجب على القادة الكورد الرجوع إليهما و دراستهما جيداً، أولاً: الرجوع إلى أدبيات و بيانات هذه الأحزاب الشيعية، حين كانت في إيران، في ثمانينات القرن الماضي، كيف كانت تهجم حينها على الشعب الكوردي و حركته التحررية، وألصقت به أقذر و أبشع الأوصاف العنصرية والطائفية، في تلك الفترة كنت في إيران، و قرأت الكثير من أدبيات و نشرات هذه الأحزاب الشيعية التي كانت تتوعد الكورد إذا استلمت السلطة في العراق، و كانت تقول: أن تجرأ الكورد و طالبوا بحقوقهم القومية فلن نمنحهم ولا نهابهم لأن سندنا الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستؤدبهم، وهذا ما يحدث الآن، في كل مرة يطالب الكورد بحقوقهم من خلال تنفيذ بنود الدستور، تبدأ الطائرات والمدافع الإيرانية بضرب القرى والمدن الكوردية بذريعة واهية، وهي وجود قوات حزب (بيجاك) الشيء الثاني: أن هؤلاء الشيعة – وكذلك السنة– لديهم نصوص يعتبرونها مقدسة، تقول، أن أصل الكورد من الجن، و أوصاهم أئمتهم و مراجعهم و شيوخهم، بألا يتعاملوا معهم و لا يتزوجوا منهم و وجب أن يحكموا بهم السيف، أي قتل الإنسان الكوردي، — من المرجح أن صدام حسين استند إلى هذا الحديث في جريمتي الأنفال و حلبجة– فاستناداً على هذا الحديث، يسمح القيادي الشيعي لنفسه، أن يتعهد للكورد بكل شيء، و في محصلة يتملص منه ولا ينفذ شيئاً منه، ويعتقد أنه يكسب عليه ثواباً، لأنه استعمل التقية أو التورية أو المعاريض، مع من لا يعتبرهم من جنس بني البشر (جن)، من يشكك بكلامنا و لا يصدقنا، عليه الرجوع إلى هذه المصادر و النصوص الشيعية، التي تلزم الشيعي ولا يستطيع الخروج عليها. من هذه المصادر الشيعية: الكليني في الكافي جزء (5) صفحة (158). رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي ج (1) ص (520). جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج (3) ص (116). من لا يحضره الفقيه الشيخ الصدوق ج (3) ص (164). تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج (7) ص (373- 405). بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج (1) ص (83). تفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي ج (1) ص (601).السرائر ابن إدريس الحلي ج (2) ص (233)، تذكرة الفقهاء العلامة الحلي ج (2) ص (569). كفاية الأحكام – المحقق السبزواري ص (84). الحدائق الناظرة- المحقق البحراني ج (81) ص (40): و ج (42) ص (111). وسائل الشيعة (آل البيت)- الحر العاملي ج (71) ص (416) وأيضاً ج (82) ص (382). السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني كان مرجع الشيعة الأعلى في النجف، في وسيلة النجاة ص (341)، سند هذه الرواية هو ذات مقام رفيع جداً في التراث الشيعي ألا وهو الإمام جعفر الصادق (ع) الذي يُعرف المذهب الشيعي باسمه أيضاً (المذهب الجعفري)، تولد سنة (148) للهجرة، (765 ) للميلاد. أيضاً أهل التسنن (السنة) عندهم هذه الرواية ينقلها (راغب الأصفهاني) في كتابه (محاضرات الأدباء و محاورة الشعراء) ج (1) ص (160). للمزيد راجع مقالنا “الشعب الكوردي في الانتخابات الأخيرة و الانتخابات القادمة” إذاً حسب فهم و اعتقاد الإسلاميين،لا قيمة للدستور عندهم، أمام هذه النصوص المذهبية، لأن الحفاظ على النصوص المذهبية و تطبيقها وعدم الخروج عليها أوجب من التقييد ببنود الدستور التي تتوافق الكثير من موادها مع دساتير الدول المتقدمة (الكافرة) و مع نصوص القانون الدولي، فلذا يستطيع الإسلامي أن كان شخص أو حزب أو منظمة، أن يراوغ كيفما يشاء، و يستعمل التقية لمصلحة المذهب دون أن يؤنبه ضميره أو يحس بالإثم، بل يعتقد أنه يحصل على ثواب واجر، لأنه يريد نصرة المذهب ضد مَن يعتبرهم المذهب مخلوقات غير بشرية و جدت على الأرض في ظروف طارئة، هذا حسب فهم واعتقاد الإسلاميين و ليس المسلمين، ومما لا شك فيه، هناك فرقاً كبيراً بين “المسلم” و “الإسلامي” في فهمهما للعقيدة الإسلامية، وهو كالفرق بين (إيران) و (العراق) على سبيل المثال، إيران دولة إسلامية، بينما العراق دولة مسلمة، ليست إسلامية، رغم أن رئيس وزرائها إسلامي. لذا، يجب على الأحزاب الكوردستانية و قياداتها دراسة خبايا الأحزاب و المنظمات الإسلامية، حتى لا تقع في حبائلها، ولهذا نكرر القول مرة أخرى، يجب عليها، أن تراجع نفسها مرة وأثنين و ثلاث قبل الموافقة على و عودهم الوهمية، لقد شبعنا وعوداً خلال هذه السنين الثمانية، التي تلت سقوط نظام البعث المجرم، لم نلمس خلالها شيئاً على أرض الواقع، أن البنود الدستورية التي حددت بتواريخ محددة، لم تنفذ و لم تحترم، رغم أن الشعب العراقي صوت عليها و اختارها، لكي تحل قضية المناطق المستقطعة، التي وسعها و عمقها نظام البعث المباد، بتعريبه لمناطق عديدة من كوردستان، بدأً من سنجار و مروراً بكركوك و انتهاءاً ببدرة و جصان، والتي بمجملها ستة عشر قضاء و محافظة، يجب على الوفد الكوردي الذي سيزور بغداد قريباً، أن يعي هذا جيداً، و يتذكر ما جاء في خطاب الرئيس البارزاني الأخير، الذي قال: أن الوفد الكوردي لا يزور بغداد للتفاوض، بل لتحديد سقف زمني لتطبيق البنود الدستورية، و ما أتفق عليها في أربيل، التي أقسم رئيس الحكومة الاتحادية على التزام بها و الوفاء لها. يجب على الوفد الكوردي، أن يضع استحقاقات الشعب الكوردي الدستورية نصب عينيه، لأنها مكتسبات دستورية، تحققت بدماء بنات و أبناء كوردستان البررة.

1-11-2011