الرئيسية » مقالات » ثورة 14 تموز بين الملكيين الجدد وتنظيرات اليسار الجديد

ثورة 14 تموز بين الملكيين الجدد وتنظيرات اليسار الجديد

يقول السفير الأمريكي السابق في العراق/ويلدمار غالمان،وردد من بعده بعض الكتاب من مشارب سياسية مختلفة:”ان ما حدث في العراق في الرابع عشر من تموز كان انقلابا عسكريا نفذته حفنة صغيرة من الضباط وأيده بالتظاهر(بعض من الرعاع جمعهم المحرضون )”!بينما يكتب مصطفى القرداغي في”انقلاب 14 تموز 1958 وتشويه النخب السياسية”:”شوه انقلاب 14 تموز 1958 طبيعة وتركيبة النخبة السياسية الحاكمة في العراق وقلبها من حال الى حال،فبين يوم وليلة افرز لنا هذا الانقلاب نخبة جديدة بمفاهيم وممارسات جديدة حكمت البلاد لنصف قرن من الزمان ولا تزال،ادت سنوات حكمها بدورها الى تشويه ومسخ طبيعة المجتمع العراقي نفسه..والمؤسف هو اننا لا نزال حتى هذه اللحظة جيلاً بعد جيل ندفع من اعمارنا ودماءنا ثمناً غالياً لما حدث في ذلك التأريخ من تسلط لسلسلة من نخب المغامرين المتهورين على مقدرات بلادنا”.ويكتب كاتب آخر:”المساوئ التي اضافها انقلاب 14 تموز الى المجتمع العراقي تتمثل في فتح الطريق امام الانقلابات والانقلابات المضادة،لتقوم ستة انقلابات خلال عشر سنوات لتنتهي بإنقلاب 17 تموز 1968،ويجثم نظام دكتاتوري على صدور العراقيين لعقود من السنين!”.اما حسين كركوكلو فيكتب في “انقلاب 14 تموز بداية عسكرة المجتمع العراقي(عسكريتاريا)”:”كما يعرف المؤرخ هيردوتس التاريخ بانه عبرة الماضي للحاضر والمستقبل،فليكن عبد الكريم قاسم وانقلابه الدموي وثقافة العسكريتاريا الذي سَنَهُ للحكام الذين لحقوه عبرة لنا جميعا كعراقيين نريد بناء وطن مستقر وآمن”!ولا تحيد عن ذلك صحيفة المشرق في”ذاكرة عراقية”:”انقلاب 14 تموز 1958 الدموي راح ضحيته احفاد الامام الحسن بن علي ابن ابي طالب وهم من بقايا اشراف مكة المكرمة وسدنة الكعبة الشريفة ووجهاء نجد والحجاز..لقد نال العقاب كل الذين اسهموا بمذبحة العائلة المالكة وبانقلاب 14 تموز 1958 ونهاياتهم عقاب الدنيا ولعذاب الاخرة اشد واقوى”.ولا بأس ان نعرج على ما كتبه خضير طاهر في”قراءة معرفية للتاريخ .. ذكرى انقلاب 14 تموز المشؤوم في العراق”:”تصادف اليوم ذكرى الانقلاب العسكري المشؤوم الذي حصل في العراق بتاريخ 14/7/1958،وقام به مجموعة من ضباط الجيش الذين كانوا شبه اُميين،ولم يكونوا يفقهوا شيئاً في عالم السياسة،فضلاً عن افتقارهم للشعور بالمسؤولية حيال مصالح العراق ومستقبله”.
من جهتها تذهب ميسون البياتي،وتحسب نفسها على اليسار،ابعد حين تكتب في”شفط حقل خورمالا”:”افلح الامريكان يوم 14 تموز 1958 وبمساعدة السفارة المصرية في بغداد بقلب نظام الحكم الملكي وطرد البريطانيين من العراق،فإن عملهم هذا لم يحقق كل النتائج المرجوة منه،اذ ما معنى اخراج البريطانيين من العراق اذا كانت شركات اجنبية مختلفة تمتلك حصصاً معلومة في نفط العراق”.بينما تذكر ساندرا بلوودورث،من منظمة البديل الاشتراكي اليسارية في استراليا،في سلسلة تاريخ الثورات:العراق 58 – 1963″كان باستطاعة الحزب الشيوعي العراقي،بل كان يجب عليه ان يقود ثورة عمالية تطيح بالحكم الرأسمالي.كانت شواهد الثورة المضادة تلوح في الافق،تماماً كما شاهدنا في مصر هذا العام.الهجوم على الحقوق السياسية،التردد والوقوف ضد تنفيذ الاصلاحات التي سبق ان وعد بها،واغفال تحقيق المطالب الجماهيرية،من اجل العودة الى وضع”العمل كالمعتاد”من قبل الطبقات الوسطى والعليا جميعها امور هددت مكاسب الثورة..حينها اعلن الحزب الشيوعي العراقي:”حزبنا يدعم المصالح الاقتصادية للبورجوازية الوطنية..ان الهدف من الثورة هو اقامة اصلاحات اجتماعية واقتصادية في اطار علاقات الانتاج الرأسمالية”.هكذا،كان من الممكن في ظل خطابهم الشيوعي الجذري،الذي حظي بقبول كبير لدى الجماهير،ان تندلع ثورة من شأنها ان تشعل ثورات اخرى مماثلة في العالم العربي،لكن الحزب الشيوعي العراقي لم يقتنص الفرصة ودعها تمر،واثبت انه لم يكن حزباً ثورياً بالأساس”(1)
بين طروحات”الملكيين الجدد”الهادفة الى تحميل الثورة مسؤولية كل المآسي والكوارث التي حلت بشعب العراق،وبين”تنظيرات اليسار الجديد”التي تحمل الحزب الشيوعي مسؤولية انتكاستها،مجال واسع مشترك ترتقي وتنتعش فيه الارادوية والاحلام والخيال والرغبات الشخصية ومزيدا من التنكر للتفسير العلمي الموضوعي للتطور الاجتمااقتصادي وعموم تطور المجتمع البشري!لقد نمت بذور ثورة 14 تموز في رحم العهد الملكي نفسه،وهي الوليدة الشرعية لثورة العشرين (30 حزيران 1920) ووريثتها”كما يؤكد الدكتور عبد الخالق حسين/ثورة المنجزات لصالح جماهير الشعب”مرورا بالانتفاضات الشعبية والوثبات الوطنية لتحقيق الاستقلال السياسي الكامل والسيادة الوطنية وتمهيد السبيل لسيطرة الشعب على ثرواته الطبيعية.
الملكيون الجدد يحنون الى ماضي انقرض،فما بال اليسار الجديد؟!ينحدر اليسار الجديد من المجموعات المثقفة التي تمثل مواقع اقتصادية مهمة غير حكومية لاسيما في اوساط ونشاط المنظمات غير الحكومية والقطاعين الخاص والتعاوني،وكذلك ميادين التعهدات والمقاولات والتجارة!ولهذه الأوساط التأثير البالغ في جموع الشبيبة وبالأخص الطلبة.لقد ثبت اليسار الجديد مواقعه منذ ستينات القرن المنصرم في اوربا،وفي فرنسا على وجه الخصوص.وكان الواجهة العصرية لسياسات(منتصف الطريق)القديمة.ويتأرجح بين رفض الاشتراكية القائمة سابقاً،واحلال الفوضوية محل الاعمال الثورية،وكذلك الطوباوية محل الاشتراكية العلمية والانغماس في دروب المتاهة والفوضى والاحلام.ويعتبر التخبط العقائدي من السمات المميزة لآيديولوجيته،وهو ثمرة مخاض التناقضات الرأسمالية،ومن مظاهره:اشاعة انتفاء الحاجة للنضال الطبقي ومحاولة تزييف الجوهر الطبقي للعمليات التي تأخذ مجراها في العالم‍!وبذر مشاعر اليأس والعبثية ازاء الجهد الاجتماعي النشيط في النضال ضد الاحتكار العالمي والعولمة.وفي سلة اليسار الجديد تنتعش كل النزعات السياسية الضارة بالكفاح الطبقي!كالفوضوية بدعوتها القضاء الفوري على جميع المؤسسات المدنية والسياسية،وفي مقدمة ذلك الحكومة والدولة والامة والأحزاب وحتى العائلة!وهي تنكر دور الجماهير في صنع التاريخ وتؤمن بالنشاط المسلح الفردي والاغتيالات.انها نقيض المفاهيم الاشتراكية على طول الخط!وكالتروتسكية التي ترفض امكانية انتصار الاشتراكية في بلد معين وبنهجها الغادر التآمري!
بالارادوية المنفلتة والعسف ومحاصرة الديمقراطية يتعرض الشعب بفئاته الاجتماعية الى الحجب والتمييز المعلوماتي والضغوط الادارية والطرد الجماعي من العمل والمماحكات والارهاب الشمولي،ويشاع التهجير القسري للملايين،وتسود العسكرة،ويجري ازاحة رواد التطور الحضاري عن مراكز القيادة واتخاذ القرار ليحل محلهم جهلاء الحزب الحاكم واقرباء واصدقاء الطاغية من محترفي التجسس ذوي الولاء المطلق لرموز النظام،وتتحول المؤسسات الى مقرات للخلايا الحزبية ولجان التحقيق واوكار للتجسس والاعتقال وكتابة تقارير الوشاية،ولاقامة حفلات الابتذال بدلا من ان تكون مراكز لاقامة الندوات وطرح الاراء الرصينة واجواء المناظرة والحوار وابداء الرأي والرأي الآخر!
جاء في النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي:”الحزب الشيوعي العراقي اتحاد طوعي لمواطنات ومواطنين يجمعهم الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والفلاحين والجماهير الكادحة وعن الحقوق والمطالب الوطنية لسائر فئات الشعب،والكفاح من اجل تأمين التطور الديمقراطي الحر والمستقل للبلاد،ولتحقيق التحولات الاجتماعية وصولاً الى بناء الاشتراكية فيها”،وجاء في برنامج الحزب:”تأسس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار 1934 نتيجة لتطور نضال الشعب العراقي وحركته الوطنية والديمقراطية.انه حزب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وسائر بنات وابناء شعبنا من شغيلة اليد والفكر،فهو حزب يضع مصلحة الشعب والوطن فوق كل اعتبار،ويكافح لتحقيق استقلال البلاد وسيادتها الوطنية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية ومن اجل التقدم الاجتماعي والاشتراكية،ويناهض استغلال الانسان لأخيه الانسان وكل اشكال الكبت والعسف والقهر،ويكافح لتحريره منها بصورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة،ولاطلاق طاقاته الخلاقة وقدراته الكامنة المبدعة يسترشد الحزب الشيوعي العراقي في كفاحه،وفي مجمل سياسته وتنظيمه ونشاطه،بالفكر الماركسي والتراث الاشتراكي عامة،ويسعى الى تجسيد ذلك في ظروف العراق الملموسة بابداع،استناداً الى دراسة عميقة لواقع مجتمعنا المعاصر وما يشهده من تطورات في ميادينه كلها…وينحاز الحزب الشيوعي العراقي الى عالم العمل وقيمه،والى العاملين بسواعدهم وافكارهم.وهو يرى ان الدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية الأكثر تعرّضاً للتهميش والاضطهاد والاستغلال،هو الطريق المفضي الى تحقيق العدالة الاجتماعية”…وعليه،الحزب الشيوعي العراقي طبقي بامتياز يؤمن بالصراع الطبقي الاجتماعي قبل ان ترى النور وتولد ساندرا بلوودورث!
ويدرك الحزب الشيوعي النزعات السياسية الضارة التي لا تسء للكفاح الطبقي العادل فحسب بل تعرقله وتحجمه،ومنها:الاصلاحية كنزعة نفي الكفاح الطبقي والسياسي الحق ودعم مشاريع التعاون الطبقي التي تسعى الى جعل الرأسمالية مجتمع الرخاء الشامل عبر الاصلاحات في اطار الشرعية البورجوازية وتهدئة مشاعر الاستياء والتذمر والتململ والغضب،والانتهازية كنزعة سياسية بورجوازية صغيرة نحو التعاون الطبقي والتوفيق والتوافق مع البورجوازية عبر التفكير المتحجر المنسلخ من الحياة والعمل بالمسلمات كاحكام وحقائق في كل الظروف والازمنة وتقديس العفوية ورفض الثورة،واليسارية منها مزيج انتقائي نفعي فوق ثوري وتكتيكي مغامر من الطروحات والتصورات الارادوية لجبروت العنف الثوري،انها المغامرة السياسية والتضحيات العديمة الجدوى!كما يدرك الحزب الشيوعي مضار التحريفية كذرائعية التجديد واعادة التجديد والنظر والتصحيح والتقويم والتنقيح والتعديل للتهجم على حركات التحرر الوطني وجماهير الشعب والسنن العامة للتطور الاجتماعي،ومضار الدوغمائية اي الايمان الاعمى باصحاب الهيبة والسمعة والغبطة والسيادة والنيافة والدفاع عن الاحكام الشائخة والخاطئة والتي يعوزها البراهين وتجاهل الواقع والاستشهاد بالمسلمات،وكذلك النفعية الذرائعية او البراغماتية والسفسطة اي التبريرية ومنها اللغو الديني والطائفي!
ان انبعاث الفكر الرجعي في العراق،لا يعود لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة،بل هو يعود في الاساس الى دوره القديم – الجديد كسلاح من اهم اسلحة الردة المستشرية في البلاد.ويكشف لنا الواقع ان 14 تموز لم تكن مجرد تغيير في الحكم او هبة جماهيرية او انقلابا لأنها:
1. دمرت الملكية والى الابد،وسخفت مقولة”دار السيد مأمونة”!
2. اضعفت الدور الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية.
3. غيرت الخارطة الطبقية واثرت بعمق على مستقبل ومصير طبقات بأسرها.
كانت حدثا نفذه الضباط الاحرار كفصيلة شعبية وطنية مسلحة،لتتحول الى ثورة شعبية عارمة،فرضها الشعب على العسكر،فأطارت صواب قادة الحركة قبل الدوائر الغربية،التي فقدت منطقة نفوذ حيوية بالغة الأهمية”باقر الفضلي/ثورة الرابع عشر من تموز 1958 – اليوبيل الذهبي!”.لقد تقوضت الى حد كبير السلطة الاجتماعية لأكبر المشايخ وملاكي الاراضي وكبار ملاكي المدن بعيد تشريع قانون رقم 30 للاصلاح الزراعي”تفتيت الملكية الاقطاعية للارض واعادة توزيعها على الشرائح الفلاحية الفقيرة”والغاء قانون المنازعات العشائرية،وتغير نمط حياة الفلاحين،خاصة صغار وفقراء الفلاحين،نتيجة لانتقال الملكية وادخال الريف في صلب القانون الوطني!كما تعززت نوعياً مواقع الطبقة العاملة والبورجوازية الوطنية التجارية والصناعية والشرائح الوسطى الدنيا في المجتمع معا،مع تنامي تطور ملكية الدولة الخدمية والانتاجية،و”بيان النفط” الذي عبر عن الحرص على استمرار جريان النفط شريطة الشروع بالمفاوضات مع شركات النفط وتشريع قانون رقم (80) لسنة 1961 الذي حدد مناطق الاستثمار لشركات النفط الاحتكارية،ومع بيان لجنة التموين العليا رقم 1 لسنة 1959 الذي حدد منهاج الاستيراد الجديد ومنع استيراد المواد الكمالية والترفية الاستهلاكية والمواد المنتجة المحلية وشجع استيراد المنتجات والمكائن والمعدات الضرورية للتصنيع او للاستهلاك الشعبي،كما تطورت وازدهرت الصناعة الوطنية اثر الاتفاقية الاقتصادية العراقية السوفييتية،والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والثقافية الاخرى مع بلدان اوربا الشرقية والصين الشعبية!
هنا وجب التأكيد ان ثورة 14 تموز 1958 تعمدت السير في طريق الاقتصاد الموجه وتحريره من التبعية الاستعمارية مع محاربة الاحتكار وتقوية الفئات الوسطى او البورجوازية الوطنية وتعميم منافع القطاع الخاص الموجه،الى جانب جذب الرأسمال الوطني نحو الصناعة والقضاء على الطفيلية والوساطة غير الانتاجية ومحاربة الندرة في الاقتصاد بتعميم التعاون التسويقي الحكومي والعمل على زيادة الانتاج والانتاجية،وتقوية القطاع العام في جميع الحقول الاقتصادية(انشاء الهيئة العامة لشؤون النفط،القطاع الصناعي العام،انشاء مصلحة المبايعات الحكومية،شعبة الاقطان ومكتب تصدير الاسمنت،المزارع الحكومية الكبرى ومحطات تأجير المكائن والآلات الزراعية،هيئة الانشاءات الحكومية،اجهزة التخطيط الجديدة .. الخ).وشجعت حكومة ثورة 14 تموز على خلق بورجوازية متوسطة تجارية والاقبال على تأسيس الشركات ذات المسؤولية المحدودة،خاصة الصناعية والانتاجية منها،لأغراض صرف الرأسمال الوطني من ميدان التجارة الى الميدان الصناعي”امكن تأسيس 24 شركة برأسمال يزيد عن مليون دينار خلال العام الاول من الثورة”.
لم تتجذر الثورة بالعمق بسبب عدم انسجام الطبقة الوسطى وترددها،والفوضى التي ميزت مسار الثورة!حيث لم تمتلك قيادة الثورة خططا ومهاما ملموسة ما بعد اسقاط النظام الملكي!ولم تشرع بارساء حياة سياسية برلمانية ديمقراطية مستقرة،وتباطأت في اتخاذ بعض الاجراءات بسبب طابع السلطة الجديدة وتذبذب دور الشرائح الوسطية،وما آل اليه الأمر فيما بعد الى الفردية والنزعات العسكرية!ويذكر تحسين المنذري في”تبقى ثورة تموز تقدمية رغم كل ما حدث”انه”رغم ان مساندة حركة الضباط الاحرار كان ضرورة موضوعية تمليها ظروف ماقبل الثورة..الا انه لو تم التحالف على اساس معرفة الوجهة السياسية للضباط مجتمعين او منفردين،لكان ذلك اجدى وانفع،ليس للحركة السياسية في العراق فحسب بل ولمستقبل البلد عموما”.وبدأت طلائع الارتداد على ثورة 14 تموز بالفعل منذ السنوات الأخيرة لحكم الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم،لأسباب موضوعية اهمها تغير المواقع الطبقية وقيادة البورجوازية وبعض مراتب البرجوازية الصغيرة لحركة الردة،وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل الاستعمار الجديد اعتمادا على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم”الملكي”(الاقطاع،البورجوازية العقارية الكبيرة،البورجوازية الكومبرادورية)،والوسط الرجعي الجديد الذي لم يطمأن للنهوض المتنامي للطبقة العاملة(البورجوازية الوسطى او الوطنية)وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية والطائفية”،مع حفيظة المرجعيات الدينية التي صدمت باكتساح المد الديمقراطي الشعبي والافكار العلمانية وقيم التدين الشعبي للشارع العراقي!
لم تدن المرجعيات الدينية التقليدية الكبرى والجيل الاقدم من “العلماء”المحافظين الاجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها ثورة 14 تموز المجيدة بشكل مباشر وعلنا،الا انها تحولت الى مهاجمتها والتعرض لقادة الثورة بشكل سافر عام 1960 حيث ارسلت البرقيات تلو الاخرى الى الزعيم عبد الكريم قاسم تطلعه ان الاصلاح الزراعي خرق للشريعة الاسلامية التي تحمي الملكية الخاصة،كما انتقدوا بصراحة قانون الاحوال الشخصية لعام 1959 والمساواة بين الرجل والمرأة في الارث وفرض احادية الزواج!يذكر ان شيوخ الاقطاع والعشائر كانوا يغرقون المدارس الدينية بأموال الحقوق الشرعية،وكانوا مصدرا ثرا للخمس- الضريبة الدينية!واستخدموا المنشورات لمهاجمة الالحاد والدعوة الى اعتناق الاسلام المحافظ،وفي شباط 1960 صدرت الفتوى الدينية المشهورة ضد الشيوعية!وهذه المواقف تدرج عادة ضمن الفكر الرجعي الذي عاود انبعاثه لتضرره الشديد من منجزات ثورة تموز.
الهدف المركزي الذي وجه الفكر الرجعي ضرباته اليه،كان وحدة القوى الثورية واللعب على الخلافات والتناقضات الثانوية،مستخدما بابداع تكنيك “اللاديمقراطية” والترويج لنظم الحكم الفردية والمؤسسات السياسية القائمة على المبدأ الأبوي والعشائري والطائفي،مبدأ الوصاية على الجماهير الشعبية،وفلسفة وتبرير الاحتكار السياسي والقيادة الانفرادية والدكتاتورية،رافعا شعاره المضلل”معاداة الشيوعية والعلمانية والعقلانية”مع توسيع هذا المفهوم ليشمل جميع المؤمنين بالديمقراطية وسيادة الشعب والحقوق القومية والاشتراكية العلمية”!

بغداد
6/7/2012



(1) سلسلة تاريخ الثورات:العراق 58 – 1963
ساندرا بلوودورث
2 ايار 2012
” تم نشر المقال لأول مرة في 12 كانون الاول 2011 بالموقع الالكتروني لمنظمة البديل الاشتراكي الاسترالية”
“” للمرة الاولى منذ عقود تصبح الثورة على جدول الاعمال،والفضل يرجع للجماهير في العالم العربي.ولذلك فإن تطوير الفهم للعملية الثورية،بات امراً ضرورياً كي تنتصر الثورة على التحديات التي تواجهها الآن.لقد مرت المرحلة الاولى من الثورة،والآن يواجه الثوار مسألة كيفية هزيمة الثورة المضادة.لذا يجب عليهم ان يكونوا قادرين على بناء جسور من الثقة السياسية بينهم وبين شرائح واسعة من العمال من اجل مواصلة النضال لتحقيق مطالبهم الخاصة وبناء تنظيماتهم المستقلة.لكن،اياً من هذا لن يحدث مصادفةً.فالتحديات التي تواجهها الحركة الثورية في مصر حيث تحاول الثورة المضادة احكام سيطرتها على البلاد،هي امور ملحة للغاية.وحقيقة الأمر انها مشكلات لطالما واجهها الثوار في كل مرة هبت فيها الشعوب لتتحدى حكامها ولتناضل من اجل عالم افضل.وللعالم العربي تاريخ زاخر من التجارب الثورية التي يمكن الاستفادة منها.
في الواقع،ان احد مهام الثوار التعلم من النضالات السابقة واستخلاص اهم دروسها،بل انها ايضاً وسيلة لتكريم شهداء تلك الثورات،فاستشهداهم لم يكن عبثاً ولم يذهب سدى في مواجهة الثورة المضادة.ان نضالاتهم ستحيا في الوقت الحاضر وستستمر اذا ما ساعدتنا تجاربهم وخبراتهم في احراز الثورات العربية للنصر الكامل.وهذا لا يعني انه علينا ان نستدعي قالباً نمطياً من التجارب السابقة وان نحاول الالتزام به حرفياً في الوقت الحاضر بحيث يقدم لنا الحلول لكافة المشكلات الملحة التي يواجهها الثوار الآن،فكل ثورة لها خصائصها التي تميزها عن غيرها من الثورات.لكن،الخطوط العريضة،والقضايا الأساسية التي نواجهها في كل مرة تهب الشعوب فيها لتغيير العالم تتشابه كثيراً فيما بينها.لقد احكمت الرأسمالية هيمنتها على العالم منذ بداية القرن العشرين،ولذلك فإن طبيعة الطبقات الاجتماعية لا تتغير بشكل جوهري من مكان الى آخر او مع مرور الوقت.
هناك دروساً قيمة يمكن ان تستفيد منها مصر والدول العربية الاخرى نستخلصها من الموجة الثورية التي هزت العراق من عام 1958 وحتى عام 1963.ففي تموز 1958 استولى على السلطة مجموعة من ضباط الجيش عرفوا بأسم “الضباط الاحرار”،اعتماداً على حركة جماهيرية سريعة النمو للحصول على الدعم.وتكونت الحكومة التي شكلوها من مزيج من ضباط الجيش وبعض القادة المدنيين وكان “قاسم” احد كبار قادة الضباط الاحرار،رئيساً للوزراء.كما قاموا بطرد انصار النظام القديم من الجيش والشرطة وكافة مؤسسات الدولة.وانهت الانتفاضة النظام الملكي،والقت الحكومة العراقية بالبريطانيين خارج قواعدها العسكرية.وبدأوا في السيطرة على موارد النفط بدلاً من الشركات متعددة الجنسيات،بل وبدأت عملية استصلاح الاراضي،وبناء منازل لسكان الاكواخ خارج بغداد،وتحسين مستويات المعيشة.كما اطلق سراح السجناء السياسيين وتم تقنين انشاء نقابات العمال والفلاحين.
على الرغم من ان هذا البرنامج الاصلاحي كان اكثر جذرية مما اعده النظام العسكري وحظي بالتأييد في مصر في مثل هذا العام،بحلول عام 1963 كانت الحركة الجماهيرية العراقية قد سحقت من اجل السماح لـ”العمل كالمعتاد”من قبل الطبقة الرأسمالية وانصارها من الطبقة الوسطى.وتماماً كما كنا نجادل طوال هذا العام،بشأن كل الانتفاضات الشعبية التي اندلعت،في البداية يبدو الأمر وكأن كل الامة متحدة.لكن الطبقة الرأسمالية لن تؤيد مطلقاً اية اصلاحات من شأنها ان تحد من قدرتها على استغلال العمال.ولذلك لا يمكنهم السيطرة في ظل تعاون مشترك بين العمال والفقراء،لأن مصالحهم متعارضة كلياً.
ارتفاع الاجور يعني انخفاض الارباح،التعبئة السياسية والنضال يعني تعطل الانتاج.كما ان كل هذا يمنح الثقة،بحيث يبدأ العمال في الاعتقاد بأنهم ينبغي ان يكون لهم رأي في اختيار رؤسائهم،وفي الطريقة التي يجب ان يعاملوا بها في العمل.كما انهم ايضاً – لا سمح الله – ربما يفكرون في انهم يجب ان يكون لهم رأي في كيفية ادارة الاقتصاد!وهكذا،فإن اولئك الذين يؤيدون استمرار وجود اقتصاد رأسمالي – بغض النظر عن مدى جذرية خطابهم عندما كانوا يحثون الجماهير على الثورة ضد النظام المكروه في بداية الأمر- دائماً ما يحرضون على ثورة مضادة.وعادة ما يلجأون الى اساليب متشابهه لهزيمة الثورة ولاحكام قبضتهم والسيطرة مرة اخرى.فيبذلون كل جهد ممكن لاستمالة،او تضليل او اضعاف معنويات المنظمات الجذرية القائمة.واخيراً،لديهم دائماً القوة المسلحة للدولة والتي تمكنهم من اطلاق العنان لاولئك الذين لن يقبل حكمهم.
لهذه الاسباب،يصبح وجود منظمة ثورية تستطيع ان تكسب ثقة الجماهير وان تمتلك القدرة على اقناعهم وقيادتهم يعد امراً ضرورياً.لكن هذا لا يعني اي منظمة،وانما يعني تلك المنظمة التي تعي جيداً طبيعة المجتمع والصراع الطبقي،منظمة لا تلتزم بالتغيير السياسي من القمة وحسب،وانما تلتزم بثورة العمال الاجتماعية.
بحلول عام 1959،ضم الحزب الشيوعي العراقي حوالي خمس وعشرون الف عضو،من تعداد سكان وصل الى اقل من سبعة ملايين نسمة.كان لدى الحزب قاعدة قوية بين العاملين في خطوط السكك الحديدية،وعمال ميناء البصرة،وعمال حقول النفط.وفي نيسان 1959 قاد الحزب الشيوعي مظاهرات جماهيرية حاشدة بعد تصاعد التوتر مع الحكومة،في مشهد مشابهة الى حد بعيد لما شهدناه من تصاعد للاحتجاجات الجماهيرية في تشرين الثاني 2011 في مصر.وفي الاول من ايار نزل ما بين ثلاثمائة الف الى مليون محتج(وفقاً للعدد الذي ستقبله) الى شوارع العراق.الوضع الذي وصفه “آلان دالاس”، مدير وكالة الاستخبارات الامريكية، بـ “الاكثر خطورة في العالم اليوم”، مصرحاً بأن الشيوعيون كانوا قاب قوسين او ادنى من “الاستيلاء الكامل” على السلطة.
كان باستطاعة الحزب الشيوعي العراقي،بل كان يجب عليه ان يقود ثورة عمالية تطيح بالحكم الرأسمالي.كانت شواهد الثورة المضادة تلوح في الافق،تماماً كما شاهدنا في مصر هذا العام.الهجوم على الحقوق السياسية،التردد والوقوف ضد تنفيذ الاصلاحات التي سبق ان وعد بها،واغفال تحقيق المطالب الجماهيرية،من اجل العودة الى وضع “العمل كالمعتاد” من قبل الطبقات الوسطى والعليا جميعها امور هددت مكاسب الثورة.
حينها اعلن الحزب الشيوعي العراقي:”حزبنا يدعم المصالح الاقتصادية للبرجوازية الوطنية..ان الهدف من الثورة هو اقامة اصلاحات اجتماعية واقتصادية في اطار علاقات الانتاج الرأسمالية”.هكذا،كان من الممكن في ظل خطابهم الشيوعي الجذري،الذي حظي بقبول كبير لدى الجماهير،ان تندلع ثورة من شأنها ان تشعل ثورات اخرى مماثلة في العالم العربي،لكن الحزب الشيوعي العراقي لم يقتنص الفرصة ودعها تمر،واثبت انه لم يكن حزباً ثورياً بالأساس.
ان العواقب التي حدثت بعد ذلك في العراق شكلت ناقوس الخطر الذي يدق لتحذير هؤلاء الذي يشقون طريقهم في مصر وكافة ارجاء العالم العربي:ان التنظيمات المترددة ينتهي بها الأمر بالوقوف في جانب الثورة المضادة،وغياب القيادة الثورية يعني الهزيمة.
لقد قمع نظام “قاسم” الحركة العمالية.وبين تموز وتشرين الاول 1959،كان المئات من اعضاء الحزب الشيوعي العراقي والعديد من المتعاطفين معهم قد تعرضوا للتهديد والضرب والاعتقال والقتل.كما منعت صحف الحزب من الصدور،وحلت الشرطة بالقوة منظمة الشباب التابعة للحزب والتي كانت تضم ثمانية آلاف شاب وفتاة.
دفعت الطبقة العاملة العراقية ثمناً غالياً نتيجة لفشل الحزب الشيوعي.في عام 1960،تم تسريح ستة آلاف عامل،وتمكنت الحكومة من احكام سيطرتها على النقابات العمالية والفلاحية وتنظيمات المحامين والمعلمين والطلبة.واخذت كل الاصلاحات الديمقراطية اتجاهاً مضاداً،مما مهد الطريق امام انقلاب عسكري اطاح في النهاية بنظام “قاسم”.وكانت تلك هي بداية الحقبة الديكتاتورية بقيادة حزب “البعث” الذي استمر في الحكم تحت قيادة السفاح “صدام حسين” بدعم من الولايات المتحدة الامريكية حتى ان غزت البلاد عام 2003.
لم يكن الحزب الشيوعي العراقي ليدافع عن اعضائه او عن العمال،لأنه كان قد سبق وان اعلن ان الصراع الطبقي هو نوع من انواع “التطرف اليساري”.ولقد تبنى الحزب شعارات مثل “يداً بيد مع الحكومة الوطنية من اجل الحفاظ على النظام!”،ودعا الى التضامن بين الشعب والجيش والحكومة.واليوم في مصر هناك بعض القوى التي ترفع شعارات مماثلة،نعم انهم لا يرتدون عباءة “الشيوعية”، لكن تأثيرهم يظل يشكل خطراً.
في مصر،تتكشف الاحداث بشكل مختلف،ولكن درس الثورة العراقية جلي وواضح.فبغض النظر عن مدى قوة وشجاعة الحركة،ما لم تتشكل قيادة ثورية وطنية تستطيع ان تقود جماهير العمال والطلبة والفقراء من اجل الاستيلاء على السلطة،فإن الثورة المضادة المتنامية ستنتصر.ليس هناك ما يمكن ان يسمى بالمخرج “المعتدل” او “الوسطي” للعملية الثورية.
على مدار الشهور الماضية، تعلم الملايين من المصريين ان “المجلس العسكري” لا يمكن الوثوق به،بعد ان شاهدوا خيانته للثورة ودعمه للثورة المضادة.لكن،لو انه في شباط 2011 كان هناك وجوداً لمنظمة ثورية ذات سلطة ونفوذ تستطيع ان تقنع الجماهير بحقيقة المجلس العسكري منذ البداية،ربما كان عدد الشهداء اقل الآن،لأن الحركة ستكون قد واجهت الجيش بالفعل ويحتمل ان تكون قد تمكنت من احراز تقدم في طريق الثورة الاجتماعية.
عندما ننظر الى تاريخ بعض الاحزاب مثل الحزب الشيوعي العراقي،نتفهم جيداً عندئذ لماذا يرفض بعض الناس فكرة الحزب.وهدفنا هو بناء منظمة عمالية ثورية،تعي جيداً الدروس التاريخية الجوهرية،كما تلتزم بثبات بسلطة العمال.فلابد من ان نتصدي للطبقة الرأسمالية،ولابد ان نقصي كل عناصر الدولة القديمة وان يتم تفكيكها وتدميرها،واستبدالها في اماكن العمل وفي الاحياء باللجان الشعبية التي ظهرت في بداية انتفاضة كانون الثاني 2011.اذا تم استبدال مؤسسات الدولة القديمة بأخرى جديدة ملتزمة بالرأسمالية كما كان الحال مع العراق في ظل حكم “قاسم”، سيتم استخدامها في نهاية المطاف لقمع الجماهير.
فالطبقة العاملة،مع قوتها في الانتاج،يمكنها قيادة جميع الطبقات المضطهدة الأخرى في نضال من اجل انجاز ثورة اجتماعية من شأنها ان تبدأ في تلبية مطالب وتطلعات الجماهير.وان لم يحدث،فإن الثورة المضادة ستنتصر.هذا هو الدرس الهام والحيوي الذي يجب علينا ان ندركه من تجربة الثورة العراقية.””