الرئيسية » شخصيات كوردية » إمبراطورة إيران الكردية ثُرَيَّا أصفندياري البختياري (1352- 1421هـ = 1932- 2001م)

إمبراطورة إيران الكردية ثُرَيَّا أصفندياري البختياري (1352- 1421هـ = 1932- 2001م)


“كنت أتمنى دائماً لو أن الله حرمني من نعمة الجمال، ورزقني بنعمة الأمومة!!!”
من أقول ثريا أصفندياري

إعداد: محمد علي الصويركي
اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين/ عمان/ الأردن
الإمبراطورة ثريا بنت خليل أصفندياري ابن السردار أسعد البختياري، الزوجة الثانية لشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي، وإمبراطورة إيران السابقة، كان امرأة تمتع بجمال إستقراطي ساحر، ووجه حسن، وذات عينان خضراوان، وكان لشخصيتها النبيلة قد بهرت العالم أثناء حقبة الخمسينات من القرن الماضي، وحازت على لقب (إيقونة الجمال الإيراني) و(نجمة الجمال الإيراني)، عندما بدأت حكايتها أثر طلاق الشاه من زوجته الأولى الأميرة فوزية المصرية ابنة الملك فؤاد الأول والملكة نازلي، وشقيقة الملك فاروق ملك مصر، وذلك عام 1950م.



الأميرة فوزية الزوجة الأولى للشاه ..

ولدت ثريا يوم 22 حزيران من عام 1932 لأب مسلم شيعي المذهب، كردي الأصل كان يعد من أبرز زعماء عشيرة البختياري القاطنة بين أصفهان والأهواز إلى الجنوب الغربي من إيران، وممن لهه انخراط في العمل السياسي في ذلك الحين، ويقال أن والدها كان سفيراً لإيران في ألمانيا الغربية، أو أنه هاجر إليها سنة 1924م، واقترن هناك بسيدة ألمانية الأصل روسية المولد تدعى (ايفا كارل)، وهذا ما جعل ابنته (ثريا) تعرف الشرق والغرب معاً. وكانت مجرد طالبة شابة تدرس في سويسرا وانجلترا، وتتحدث أربع لغات هي (الفارسية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية).
عرفها الشاه بواسطة أحد أقاربها، حين طلق زوجته الأولى وأخذ يبحث عن زوجة ثانية تنجب له وريثاً للعرش، وقد أسَرَ جمال هذه الفتاة الشابة شاه إيران الشاب – محمد رضا بهلوي- واستحوذت على تفكيره رغبة واحدة، وهي أن يلتقي بها شخصيًّا وبموافقة والدها، قبلت ثريا دعوة الشاه لزيارته في طهران، وهناك تعمق إعجابه بها على الفور، وبعد ثلاثة أيام أقيم الاحتفال بإعلان الخطوبة رسميًّا، وظهرت (ثريا) على المسرح العالمي بزواجها من الشاه في 12 فبراير 1951م، وتمت حفلة زواجها في قصر جولستان بطهران، وكان الحفل أسطورياً، ففي ليلة الزواج حضر (كريستيان ديور) مصمم الأزياء بنفسه إلى إيران حاملاً معه فستان الزفاف الذي كان يزن عشرين كيلوغراماً، ويحوي 35 متراً من الأقمشة المطرزة بالفضة، والمرصعة بالماس، والذهب، وكان شهر العسل جميلاً وحالماً كليالي شهريار. وأصبحت إمبراطورة لإيران وهي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، حيث شدت أنظار العالم إليها، وتحولت إلى نجمة في حقبة الخمسينات في الأوساط الاجتماعية، وتابعت الصحف الشعبية والمجلات النسائية أخبار الإمبراطورة الجديدة.



ثريا والشاه في حفلة زفافهما عام 1952م

بعد أيام من الزفاف قام رئيس الوزراء الايرانى مصدق بانقلاب ضد الشاه، مما اضطره إلى مغادره البلاد مما أطلق الأقاويل عن أن العروس الجديد فأل سوء عليه، ولكنه سرعان ما تم القضاء على مصدق، وعاد الشاه وزوجته إلى الحكم من جديد. وأخذت ثريا تتعرف على بلادها عن كثب، وتكشف عن مظاهر البؤس والشقاء الكامنة فيه، وأثناء عهدها كله حاولت أن تفعل شيئاً لتحسين تلك الأوضاع البائسة.
مرت السنوات السبع تباعاً ولم تنجب مولوداً ذكراً يرث عرش آل بهلوي الحديث العهد في إيران، رغم أن الشاه أحبها كثيراً، ولكن ذلك الحب لم يصمد أما الواجب حيث كانت ثريا عاقراً لا تنجب، وبعد أعوام من محاولات العلاج الفاشلة، بدأ التوتر بين الشاه وزوجة الجميلة في هذا الشأن إلى درجة أنه اقترح عليها في يوليو عام 1957 أن يتخذ لنفسه زوجة أخرى لكي ينجب منها وليًّا للعهد، بينما تبقى (ثريا) إمبراطورة لإيران، ولكنها اعتبرت ذلك العرض إهانة بالغة لها، فرفضت الفكرة، وانطبق عليها المثل الحبشي الشهير:”كلما كانت المرأة جميلة، كلما ازدادت تعاسةً وشقاءً”، فأحيانا يجلب النجاح، والجمال، والثراء، حسد الحسادين، وحقد الحاقدين، وسوء الطالع… فحصل الطلاق، بعد سبع سنوات من الزواج السعيد، ولم يكن يتجاوز عمرها الخامسة والعشرين ربيعاً، فتركت بلادها التي أحبتها في 13 شباط 1958م، وسافرت إلى منزل أبويها في ألمانيا.
وهكذا انتهت القصة الجميلة في 4 آذار 1958، وظهرت عناوين الصحف العالمية بعنوان عريض: ” الشاه يطلّق الإمبراطورة ذات العينين الحزينتين”، لأنها لم تنجب ولي العهد فأنهار زواج “الأميرة الملكية” وهو اللقب الذي أطلقه عليها زوجها الشاه محمد رضا بهلوي، وأسدل الستار على حكاية حب حركت مخيلات المراهقات المعجبات بالسندريلا الجميلة، والطامحات إلى العيش في القصور، والحصول على الجاه والسلطة… ثم انهار ذلك الحلم الجميل.
كيف جرى هذا الحدث المؤلم: أشارت الصحف في ذلك الوقت إلى أن الساعة كانت تشير إلى الرابعة بعد الظهر في باركشتراس في مدينة كولونيا الألمانية، داخل فيلا أثرية الطراز، أنيقة، كتب على بابها “سفارة إيران الإمبراطورية”. داخل إحدى قاعاتها جلس عم ثريا “أسد بختيار” موفد الشاه ليعرض أمام ابنة أخيه ثريا الإمبراطورة الصفقة التي تم التوصل إليها مع الشاه، كانت صامتة، ساهية، حزينة الوجه. اقترح عليها الشاه الموافقة على زواجه من امرأة ثانية لأنها لم تنجب له ولي عهد يرث عرشه من بعده، أو توافق على الطلاق. وهنا دمعت عينا الجميلة، ثم أعلنت أمام عمها أنــــها تفضل الطلاق.
وهكذا انتهت حكاية الحب، ولم تفاجأ ثريا بالحدث، لكنها اعترفت فيما بعد أنها لم تتوقع أن يتم ذلك بمثل هذا العنف والسرعة ومن دون مراعاة لمشاعرها.
كانت ثريا في إجازة للتزلج في سان مورتيز برفقة أمها، وأخيها بيجان، وعدد من إفراد الحاشية. بدت سعيدة ومشعة كما هي العادة، وتفننت الصحافة الأوروبية في التقاط الصور لها في اليومين الأولين، لكن في اليوم الثالث بدأت علائم القلق تظهر على وجهها، وتزداد تعبيرات الألم يوماً بعد يوم لأن أي مكالمة من طهران لم تصلها. بقيت أياما بلياليها في الفندق تنتظر اتصالاً. شعر الكثيرون ممن حولها بقلقها، أرسل إليها المئات بـــاقات الورود بعد أن توقف الشاه عن إرسال الستين وردة التي كان يهديها كل يوم لزوجته. في 24 آذار توجهت العائلة إلى كولومبيا لزيارة والد ثريا القنصل الذي كان قد كسر إحدى ساقيه، باحت ثريا للوالد بهواجسها، ولامت الشاه على نسيانه لها، لكن الوالد اضطر أن يوضح لها الأمر ويضعها أمام الواقع والحقائق التي يعرفها. قال لها بصراحة: لم ينسك وإنما هو يحاول أن يجد حلاً لمشكلة ولاية العهد.
أما الشاه فكان في ذلك الوقت ينتظر نصيحة مجلس الحكماء الذي أكد له ضرورة الحصول على وريث.اختارت ثريا الطلاق بدل العيش مع ضرة تنافسها في الحياة، وفي قلب من أحبت.
وهكذا انقلبت حياتها إلى الضد، وغدت جميلة الجميلات في آذار عام 1958 أميرة وحيدة لا عزاء لها سوى (لقب ملكي)، وتتلقى دخل ثابت مدى الحياة يتيح لها أن تعيش ميسورة الحال.
بعد طلاقها تاهت في دول أوروبا ولم تعد الصحافة تهتم بأخبارها، وعاشت حياة هادئة، وكانت ترتاد حفلات المجتمع الأوروبي الراقي، وأقامت متنقلة ما بين باريس ومنطقة ماربيا الأسبانية، من دون أن تتزوج ثانية.



فرح ديبا الزوجة الثالثة للشاه ..

بعد طلاقها، تزوج الشاه للمرة الثالثة من (فرح ديبا) لتحتل عرش الإمبراطورية الإيرانية، ولتنجب له ولياً للعهد هو (سيروس)، هذا الولي الذي تطلب الحصول عليه ثلاث زوجات، وطلاقين.
عرفت الإمبراطورة ثريا في أوروبا بقوة شخصيتها، وطبعها المرح، وبجمالها الأخاذ، ودلالها، وكانت تؤمن بالقضاء والقدر، ولم تأسف على شيء مما جرى في حياتها، وكأنها تردد قول الشاعر:
مشيناها خُطاً كتبتْ علينا ومن كتبتْ عليهِ خُطاً مشاها
في أوروبا حاولت أن تجرب تحقيق حلم طفولتها في أن تصبح ممثلة، وقامت ببطولة فيلم ايطالي بعنوان (الوجوه الثلاثة لامرأة)، لكن الفيلم اختفى بسرعة من دور العرض، وقيل إن الشاه اشترى كل النسخ لأنه لم يكن راضياً عن تحول الإمبراطورة الإيرانية السابقة إلى نجمة سينمائية.
وهكذا فشل الفيلم، لكن ثريا أحبت فرانكو اندوفينا، احد الثلاثة الذين اشتركوا في إخراج الفيلم. لكن الحبيب الشاب لقي مصرعه في حادث طائرة، فترسخت فكرة (لعنة ثريا) التي تصيب كل من يقترب منها.
وفي عام 1991 نشرت الإمبراطورة التي صار لقبها (الأميرة ذات العينين الحزينتين) كتاباً تروي فيه سيرتها وذكرياتها، واختارت له عنوان (قصر العزلات). وذكرت فيه أنها ذرفت الدموع على شاه إيران بحرقة عندما توفي في منفاه في القاهرة عام 1980، وقالت: “لقد أحببت رجلين في حياتي، – الشاه محمد رضا بهلوي، والمخرج فرانكو اندوفينا- وانتهى الحب بمأساة في كل مرة».
وقالت أيضاً: “من الممكن أن يتنازل الملك في أوروبا عن العرش لأجل محبوبته، ولكن في الشرق فهذا أمر مستحيل..!”.



ثريا في عمر متقدم

توفيت (ثريا البختياري) وحيدة في شهر نوفمبر من عام 2001م، عن عمر ناهز التاسعة والستون بشقتها في باريس، وبذلك طويت صفحة صاحبة العينين الحزينتين، وبيعت جميع ممتلكاتها في مزاد علني لصالح ورثتها طبقاً لوصيتها.
لقد طلقها الشاه لأنها لم تنجب وريثاً لعرشه، وتزوج بمن أنجبت له البنين… وبعد واحد وعشرين عاماً شهدت تراجيديا مطلقها الشاه محمد رضا بهلوي الذي خلع عن العرش عام 1979 وهرب الى المنفى دون أن ترحب به أي بلد في العالم، وتخلى عنه حلفائه، فمات حزيناً مقهوراً بعد سنة في مصر1980م.
أما وريث العرش (سيروس) فهو يعيش اليوم منفياً مع أسرته في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ولم يقدر له الجلوس على عرش والده في طهران.
قيل أن (ثريا) كانت تردد عبارة مؤثرة ومحزنة بشكل دائم:” كنت أتمنى دائماً لو أن الله حرمني من نعمة الجمال، ورزقني بنعمة الأمومة!!!”.
هُناك فيلم تلفزيوني تناول قصتها اسمه “ثريــا= Soraya “، وهو من اخرج الاسباني (لودفيغو غاسبارني) عام 2003م. وإنتاج ألماني ـ فرنسي مشترك، وقد عرض في ايطاليا بعد أشهر قليلة من وفاة (الأميرة الحزينة ثريا اصفنداري بختياري)، بحسب اللقب الذي اغدقته عليها الصحافة الغربية من بين ألقاب أخرى، وقد اقتبست قصة الفيلم عن مذكراتها المطبوعة (قصر العزلات)، ثاني زوجات شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي، وكانت حبه الحقيقي والوحيد، بحسب ما قالته زوجته الأخيرة الشاهبانو فرح ديبا بهلوي.
تلعب فيه الممثلة الجميلة وملكة جمال ايطاليا لعام 1995م (آنا فيلا) دور الأميرة ثريا، ويشاركها الممثل التركي الوسيم (ايرول ساندر) بدور الشاه. ويتناول الفيلم قصة زواج الشاه من الأميرة ثريا، بعد طلاقه من الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد الأول، ثم طلاق الاثنين بسبب عدم إنجابهما ولياً للعهد (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجموعة من المواقع الإلكترونية، ومذكرات الإمبراطورية ثريا، نشرت على حلقات في جريدة الرأي الأردنية، عمان، خلال عام 2001م.