الرئيسية » مقالات » المُتَدَيِّنون أَكثرُ جُرْأَةً عَلى الله

المُتَدَيِّنون أَكثرُ جُرْأَةً عَلى الله




مُنذُ عهد بعيد وإلى يومنا هذا يلعب الدين دوراً مُهماً ورئيسياً في تأريخ الأنسان كفرد وكمجتمعات عامة على أختلافها وتنوعاتها لما يشكله من ضرورة ملحة تلبي وتبرر أحتياجات الأنسان الفكرية والنفسية والروحية سلباً أو إيجاباً وسط التساؤلات والمجاهيل والمتاهات الكثيرة والكبيرة التي تحيط به والتي لا مناص له من تجاهلها وتجاوزها على الدوام وكذلك لدورها في إيجاد التنظيم المتوازن لعلاقته بالآخر كفرد أو كمجتمع وسط الصراعات النفسية والأقتصادية والثقافية أو العكس في حال تدخل السياسة بما تمتلكه من أدوات لتوظيف وإدارة هذه الصراعات وبإستخدام الدين في الكثير من الأحيان وعلى مدى التأريخ بأتجاه معين والأخلال بالتوازنات الطبيعية والمنطقية المعقولة لصالح طرف ضد الآخر. وكذلك ليس من غريب القول إذا قلنا أن للدين دوراً مهماً أيضاً في حياة الأفراد والمجتمعات التي أبتعدت عن الدين أو التي هي في طور الأبتعاد عن الدين في حال علمنا أن هذه الأستنتاجات الفكرية هي حصيلة الآثار السيئة للكثير من الممارسات الدينية بالأضافة إلى ما توصل إليه الأنسان المعاصر من حقائق علمية رصينة أصطدمت بتفسيرات وأطروحات دينية ثبت بطلانها مما دفعت بالكثيرين إلى التديُّن باللادين، أذا جاز التعبير!

هذه الأهمية البالغة للدين تتجلى في إنتاجها لموروث كبير من الكتب والمكتبات المتخصصة والعامة التي تحوي الكثير من المؤلفات والمجلدات والمنشورات التي تبحث أو تطرح أفكاراً وإستنتاجات ودراسات دينية مختلفة مازالت متواصلة وغزيرة في إنتاجها إلى يومنا هذا. كما تتجلى في الأعداد الهائلة من المؤسسات الدينية والمدارس والمتديِّنين، كرجال دين ومتخصصين وباحثين ومبلغين ومبشرين ودعاة ومدَّعين بالأضافة إلى الكم الكبير من الناس المعتنقين لهذه الديانات والمذاهب والعقائد على إختلاف أنواعها ومشاربها. ولعل من أبرز تجليات أهمية دور الدين عبر التأريخ المعاصر والقديم هوتشكيل الأحزاب والحركات والجماعات التي تعمل وفق آيدلوجيات ومعتقدات دينية وكذلك قيام الدول والأمبراطوريات الدينية أو التي كان لرجال الدين دوراً كبيراً في إدارتها وإدارة سياساتها وفي هذا السياق يحدثنا التأريخ الحديث والقديم أيضاً عن الحروب والفتوحات والغزوات والحملات والمذابح والمجازر التي أرتكبت بدوافع دينية أو تحت عناوين وعقائد دينية.

وبطريقة عفوية تقودنا قراءة التأريخ ومتابعة نشوء وتطور الأديان إلى نهايات متطرفة مأساوية حتمية في داخلها أو في دائرة علاقتها مع الآخر بالأضافة إلى مانعيشه اليوم من صراعات ومذابح وعمليات قتل مروعة شوهت وجه الحاضر المأساوي التي تعيشه المجتمعات ذات الطابع الديني والمُتغلِّب عليها سمة التطرف بشكل أو بآخر والأكثر من ذلك لا تخفي الكثير من الأديان في أدبياتها وأطروحاتها المستقبلية والتنبؤية فكرة الحروب والنهايات المأساوية كتعبئة وإعداد نفسي مبكر لهذه الحروب مع ترسيخ فكرة إقصاء وإلغاء الآخر بالقتل والقوة كحل أمثل في معالجة كافة الإختلافات وحتى التي لايرقى منها إلى درجة الخلاف.

ولكي نفهم طبيعة وظروف وصول التديُّن إلى هذه النهايات بعيداً عن الدخول في إشكالية الفصل مابين التديُّن والأيمان والبحث الجاد والمخلص عن الحقيقة وكذلك بعيداً عن دور السياسة في إستخدام الدين لغايات معينة نستطيع القول وبشئ من التبسيط أن هناك عوامل أساسية تتحكم في أستنتاجات وسلوكيات المتديِّن يمكن تصنيفها إلى مؤثرات مكتسبة يكتسبها من المحيط الخارجي للفرد كالمجتمع والموروث والتربية والتلقين الأسري ومؤثرات ذاتية نابعة من فطرة الفرد الغريزية والنفسية وخلقته الطبيعية بالأضافة إلى ما يمكن تسميتها بالمؤثرات المنهجية المعتمدة في الحصول على المعلومة الدينية وطبيعة الدين ومصادره والتي غالباً ماتكون، منقولة عن مصادر غيبية مقدسة ولا تعتمد المنهج العلمي والأكاديمي الدقيق وغير قابلة للمناقشة والتجربة على الأقل من قبل أتباع الديانة نفسها، أو نتاج تصورات وفلسفات بشرية بحته. إن تداخل هذه المؤثرات في أنتاج الأفكار والقناعات والأستنتاجات الدينية ودورها في التأثير على المتديِّن فرداً كان أو جماعة والذي يعتمد في بناء شخصيته وعقيدته على هذه المنتوجات الدينية المختلفة بأختلاف الأديان والمذاهب والمدارس الدينية والفكرية وأختلاف مصادرها وظروف نشؤها الزمنية والمكانية وتطوراتها الأجتماعية والثقافية وأنفراد كل منها بخصوصيات ورموز ومعتقدات خاصة بها وإدعاء كل منها بأمتلاك الحقيقة دون الآخر والقرب إلى الله دون الآخر تقود المتديِّنين من هذا الطرف أو ذاك، لا محالة، إلى الإصطدام مع الآخرالمختلف مع توفر المبررات الفكرية والعقائدية والنفسية لأضطهاده وقتله والتنكيل به وإن كانت معظم هذه النزعات تلجم وتخضع لعدم التنفيذ لعدم توفر ظروف وعوامل أخرى،خارجة عن موضوع البحث هنا، تساعد على أطلاقها. وإن أدعاء بعض أتباع الديانات المعروفة وحتى المتديِّنون باللادين، والمقصود هنا المتطرفون في رفض الأيمان، بالسلام ورفع شعار المحبة للجميع. هم في الحقيقة يفتقرون إلى المصداقية وذلك لتناقض هذه الإدعاءات مع الكثير من الحقائق والأحداث التأريخية بالأضافة إلى كونهم لايستطيعون الأفلات من السياقات والعوامل والمؤثرات الأساسية السالفة الذكر لبناء عقائدهم وأفكارهم وتوجهاتهم.

ماتقدم هي خلاصة نظرة عامة لأهمية دور الدين في حياة الأنسان ولما يمكن أن تقود إليه عملية التديُّن من زرع روح العنف والجُرأَة على الإقصاء والإلغاءعند المُتديِّن إتجاه الآخر المختلف بما يتناقض مع أصل فكرة الأيمان وأسبابها في تعاليم معظم الأديان. ولكي نجد تفسيراً منطقياً لخاصية الجُرأَة والتطرف أو التجاوز على حقوق الخلق و حتى على حدود الله، والتي تكاد أن تكون شائعة ومتميزة وظاهرة في سلوك الكثير من المُتديِّنين حتى في الوسط الذي ينتمون إليه ويتوافقون معه في تبني الأفكار والعقائد المشتركة ولو بدرجات متفاوتة تقاس على ضوءها أيضاً درجة التديُّن لدى الفرد والحكم فيما إذا يمكن إعتباره في عداد المُتديِّنين أم لا، لابد من الأقتراب أكثر من شخصية المُتديِّن وفهم سلوكه عن قرب وتبصر. فعلى الصعيد أو المستوى الفردي أن الأنعكاسات النفسية التي تتركها حالة الشعور بالتديُّن على سلوك الفرد والتي توحي له بالسمو والتميُّز عن الآخرين والتي يحاول ترجمتها بأشارات وإيماءات سلوكية معينة والظهور بزي وهيئة معينة وسط مجتمع منغلق ومتخلف يدعم توجهاته ويبجل شخصيته ويلتجأ إليه لطلب النصح والأستشارة في الكثير من الشؤون الهامة الخاصة منها والعامة تتيح له فرص ومغريات عديدة ليس من السهل مقاومتها مما تدفعه في النهاية إلى التمادي في لعب دوره المميز والتدخل في شؤون الناس وإطلاق الفتاوى بعلم أو بغير علم ،على الأغلب بسبب ما تطرقنا له سلفاً من صعوبات حقيقية في إستنتاج المعلومة الدينية، أما على صعيد العمل الديني الجماعي والنشاطات الدينية الأجتماعية فإن توغل الأفراد الذين يتسمون بصفة التديُّن في الخصوصية الدينية لأي طائفة ودين ومعتقد والتي تأخذ في النهاية طابع المهنة كرجل دين أو عامل في مجال ديني أو مؤسسة دينية والتي غالباً ما تحقق لهؤلاء االمُتديِّنين مكاسب مادية ومكانة أجتماعية مرموقة في الأوساط التي يعملون فيها وبمرور الزمن ومع تفاقم هذه المكانة والتي غالباً ما تتطور إلى إضفاء صفة القدسية عليهم من قبل الكثير من المتملقين والسذج في مجتمعاتهم ومع تراكم الأمكانيات المادية الكبيرة مما تؤدي إلى أنعطافات وإنحرافات خطيرة في الجانب العقائدي والأخلاقي والسلوكي لدى المُتديِّن والعاملين معه وبمستويات متباينه بسبب التداخل مابين القيم العقائدية والروحية والقيم المادية والشخصية. إن الأغتناء وكسب المال والنفوذ وحتى الأرتزاق اليومي البسيط من خلال إستغلال المشاعر الساذجة للناس وجمع الأموال تحت عناوين مقدسة وشعارات أحياء المراسم والطقوس الدينية والتصرف بهذه الأموال أو حتى بأجزاء منها أو بمردوداتها لأغراض شخصية أو تسخيرها لأهداف معينة وإيجاد الأعذار والمبررات تلو المبررات تعمل على ترسيخ وتجذير أنحرافات خطيرة في نفوس وسلوكيات هؤلاء المتاجرين والمنتفعين. أن القيام بمقارنة بسيطة، في السلوك وردود الأفعال بإتجاه التعامل مع المقدسات الدينية أو الأموال المخصصة لأحياء المناسبات الدينية أو مساعدة الفقراء والأيتام والأرامل أو في سلب حقوق الأنسان أو الحكم بالتنكيل به وأغتصابه وحتى قتله بدوافع دينية، بين المُتديِّن وأي شخص آخر في المجتمع، حتى لوكان هذا الشخص من الذين تؤخذ عليهم بعض المآخذ الأخلاقية والسلوكية العامة نجد وبنسب ملحوظة أن المتديِّن ورجل الدين والعامل في هذه المجالات هو أكثر جُرأَة وإستعداد نفسي للقيام بهذه التجاوزات التي تتنافى مع كل القيم الأخلاقية الأنسانية والسماوية. ولعل مظاهر الغنى والترف وحب الملذات التي نلاحظها على رجال الدين في مجتمعاتنا وفتاوى القتل والذبح والتفجير والترويع التي يطلقها المُتديِّنون خير دليل على مانقول.