الرئيسية » مقالات » هل هناك إمكانية لإقامة بديل ديمقراطي في العراق؟

هل هناك إمكانية لإقامة بديل ديمقراطي في العراق؟

كان تعطش العراقيات والعراقيين لحياة الحرية والديمقراطية قديماً وكبيراً. وقد تجلى ذلك في الكثير من الحركات النضالية والوثبات والانتفاضات والمعارك القاسية بين طرفين غير متكافئين, بين الشعب الأعزل ونظم الحكم الاستبدادية. كان هذا في فترات الحكم العثماني وفي الفترة التي أعقبت ذلك في ظل الحكم الملكي الإقطاعي وما تبعه من جمهوريات وأن اختلفت في طبيعتها وبنيتها, وخاصة في ظل جمهوريات تسلطت عليها القوى القومية والبعثية الفاشية.
وكان تطلع الشعب العراقي للوصول إلى نظام ديمقراطي حر بديل كبيراً وصادقاً حين كان يناضل بأساليب شتى للخلاص من جمهورية الرعب, على حد وصف كنعان مكية, جمهورية البعث العنصرية الدموية. وحين قدم الكثير من الضحايا على امتداد العقود الأخيرة من القرن العشرين وما بعده إلى حين سقوطه في العام 2003, سواء أكان في ريف وجبال ومدن إقليم كردستان العراق, أم في ريف ومدن الوسط والجنوب وبغداد وبقية مدن العراق. لم يطرأ على ببال هذا الشعب بكل قومياته وفئاته الاجتماعية أن ينشأ على أنقاضه وبديلا عنه نظام سياسي يأخذ بمبدأ التقسيم الديني والطائفي والقومي للمجتمع ويوزع الحكم على أساس المحاصصة التي تقتل مبدأ المواطنة والمواطن وتحل محلها هويات ثانوية وهامشية, مع اعتراف الجميع بوجود قومية عربية وأخرى كردية وقوميات أخرى في العراق, إذ إن البلاد تقوم على أساس التعدد القومي. وكان المجتمع من حيث المبدأ يطمح إلى إقامة دولة ونظام حكم يأخذ بالمبدأ القائل “الدين لله والوطن للجميع”.
ولكن ما حصل في العراق جاء خلافاً لذلك التعطش وتلك التطلعات والآمال بقيام نظام ديمقراطي مدني يتطور تدريجاً في البلاد. فبعد أن سقط النظام الدكتاتوري بسلاح الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبقواتهما المسلحة, فرض على العراق الاحتلال بقوة قرار مجلس الأمن الدولي وأقيمت إدارة مدنية وعسكرية تعبر عن مصالح قوى الاحتلال التي خلصت العراق من حكم الدكتاتورية الغاشمة وعن إستراتيجيتها في العراق والمنطقة.
حاولت إدارة الاحتلال الميدانية فرض خمسة إجراءات واتجاهات معينة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية العراقية دون العودة إلى رأي الشعب حتى قبل تحقيق الاستقرار وقبل رفع الاحتلال وتأمين الخلاص من التراث الفكري العدواني للحكم والفكر القومي الشوفيني في البلاد, وأعني بها:
1. فرض التقسيم الطائفي والأثني والمحاصصة الطائفية والأثنية للسلطة في العراق بدلاً من مبدأ المواطنة العراقية جرياً وراء رغبة القوى والأحزاب السياسية الطائفية والقومية التي تجلت في تشكيل مجلس الحكم المؤقت بدلاً من تشكيل حكومة عراقية وتسليم السلطة لإدارة حكومية مؤقتة إلى حين استتباب الأمن واستقرار الأوضاع ومن ثم البدء بالتهيئة للانتخابات والدستور وما إلى ذلك.
2. فرض اتجاه معين في السياسة الاقتصادية والخصخصة دون الأخذ بالاعتبار واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي وإمكانيات وقدرات القطاع الخاص وضرورات التنمية والتصنيع…الخ. لقد حاول بول بريمر ومعه خبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وخبراء المساعدة الأمريكية دفع البلاد على طريق اللبرالية الجديدة التي لم تكن ملائمة لأوضاع العراق. وما يزال العراق يعاني من غياب إستراتيجية تنموية وخطة للتنمية الاقتصادية والبشرية وخاصة تصنيع البلاد وتحديث الزراعة والتخلص من البطالة الواسعة والفقر بين أوساط واسعة من الشعب وتقليص تدريجي لتجارة الاستيراد الواسعة النطاق.
3. تدمير مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية بالكامل في ما عدا وزارة النفط والمعادن التي حافظت على وجودها وعملها لأسباب ترتبط باستراتيجية الحرب وإسقاط النظام الدكتاتوري, مما أوجد فراغاً هائلاً في البلاد سمح بارتكاب الجرائم وكل المحرمات. وقد تسبب انهيار القوات المسلحة العراقية بكافة صنوفها وحل الجيش العراقي إلى قيام تشكيلات مسلحة من قوى الأمن والشرطة والجيش التابعة عقائدياً لحزب البعث العربي الاشتراكي ومخلصة لقيادة صدام حسين ورهطه الباغي لإشاعة الفوضى في البلاد ومحاولة العودة للسلطة!
4. فتح حدود وأبواب العراق مشرعة أمام من يريد ولوجه دون حسيب أو رقيب وإشاعة حرية الفوضى في البلاد التي قادت إلى أربع نتائج سلبية ومدمرة:
أ‌. ممارسة السرقة والنهب الواسعين لتراث العراق وحضارته المتجسدة في المتاحف العراقية والمكتبات العامة وغيرها.
ب‌. ممارسة النهب الواسع للبنوك والوزارات والقصور الرئاسية ودور الوزراء والمسؤولين والبنايات الحكومية …الخ.
ت‌. ولوج جمهرة واسعة جداً من قوى الإسلام السياسي المتطرفة والإرهابية التي صممت على إشاعة القتل والفوضى في البلاد والسيطرة عليها وإقامة ما يسمى بالدولة الإسلامية على النمط الوهابي الأكثر تطرفاً, على نمط القاعدة وطالبان في أفغانستان قبل سقوط طالبان.
ث‌. شن حرب عدوانية دموية قاتلة ضد أتباع الديانات الأخرى وخاصة ضد أتباع الديانات المندائية والمسيحية والإيزيدية وخوض صراعات ونزاعات دموية وقتل واسع على الهوية بين قوى وميليشيات طائفية مسلحة وإرهابية سنية وشيعية, وتهجير واسع النطاق للبشر إلى خارج العراق حتى يقدر العدد الموجود خارج العراق بحوالي أربعة ملايين إنسان حالياً.
وعلينا في هذا المجال أن نتذكر بأن أحد الأهداف الأساسية لإسقاط الدكتاتورية في العراق ونظام طالبان هو دفع قوى الإسلام السياسية الإرهابية لولوج العراق وأفغانستان وخوض المعارك ضدها في البلدين بعيداً عن أراضي وسكان الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وقد تحقق هذا الهدف فعلياً مما تسبب في موت مئات ألوف العراقيات والعراقيين لا في الحرب وحدها فحسب, بل وبعد الحرب وعبر العمليات الإرهابية حتى الوقت الحاضر.
5. حصول تدخل مستمر من جانب دول الجوار العربي والإقليمي وخاصة الدول الخمس التالية: إيران وتركيا والسعودية وسوريا ودول الخليج العربي وبالتعاون والتنسيق أو التصارع مع القوى الدولية, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع ذلك فقد تحققت للشعب العراقي ثلاث مسائل مهمة يأمل الإنسان أن تتطور لتشكل أساس البديل المدني والديمقراطي لنظام الحكم الراهن , وأعني بها:
1. حصول تبلور في وعي الناس يرفض الدكتاتورية في العراق لأنها أم الكوارث والمآسي والحروب, خاصة وإن حرية الفوضى قد وفرت بعض الحرية للناس والصحافة والأحزاب بجوار الفوضى التخريبية التي نشأت, وإقرار دستور, رغم نواقصه الكثيرة وتناقضاته. يعتبر أساساً للحكم والتغيير.
2. حصول شعب كردستان على حرية أوسع مما كان عليه بعد انسحاب القوات الصدامية من كردستان العراق في العام 1991 وإقرار الدستور العراقي للفيدرالية الكردستانية.
3. إجراء انتخابات عامة لثلاث مرات, إضافة إلى الاستفتاء على الدستور. وقد شاب كل هذه الانتخابات الكثير من التزوير والتشويهات والتدخلات, ولكن ومع ذلك يمكن أن يتصاعد النضال الوطني والديمقراطي بحيث تنشأ أرضية مناسبة وإمكانية فعلية لإجراء تغيير في الحالة الراهنة باتجاه التصويت الحر والعقلاني.
ونتيجة لكل ذلك نشأ في العراق نظام سياسي يستند إلى التوزيع الطائفي السياسي والأثني المحاصصي للسلطة ولكافة دوائر الدولة مما ساهم في وأد مفهوم المواطنة والوطن الواحد والديمقراطية حتى الآن, كما نشأ على أساس الهويات الثانوية التي أصبحت هي الهوية الفاعلة والرئيسية في الساحة السياسية العراقية وأزاحت عن طريقها هوية المواطنة. إنها الهويات التيب تعتبر بحق الهويات القاتلة لروح ومضمون المواطنة الحرة والمتساوية, كما قال في ذلك الكاتب والروائي التراثي والتاريخي اللبناني المعروف أمين المعلوف في كتابه القيم “الهويات القاتلة”.
وفي المرحلة الراهنة يعاني المجتمع العراقي من صراعات مدمرة بين أطراف حاكمة مشاركة في العملية السياسية التي ارتضت التوزيع الطائفي والأثني السياسي في ما بينها على السلطة السياسية وفي خلفية ذلك المال والنفوذ أو الجاه في المجتمع. إنها المشكلة التي تقتل التطلع نحو مستقبل أفضل للعراق وشعبه.
يشير هذا الواقع بكل تعقيداته إلى حقيقة أساسية هي أن البلاد تعيش أزمة طاحنة مركبة ومعقدة و متشابكة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية لا يمكن حلها بالنداءات الحارة والاستنجاد بالروح الوطنية التي تركت مكانها للروح الطائفية والأثنية الحادتين ولا بالترقيعات اليومية التي لا تصمد أمام الصراع المستعصي.
إن الدعوة لمواصلة التحالف بين أحزاب الطائفة الشيعية والتحالف الكردستاني وتكريسه لا يشكل حلاً للأزمة الراهنة كما يؤسس لانقسام مخل باستبعاده جزءاً كبيراً من شعب العراق. فمظلومية الشيعة والكُرد لم يكن سببها الجماهير من أتباع المذهب السني الحنفي في العراق, بل الحكم الذي سخَّر لنظامه شيعة وسنة وكرد في آن بعيداً عن الغالبية العظمى من الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية الديمقراطية.
إن الدعوة لمثل هذا التحالف هو تكريس غير مقبول لنظام المحاصصة الطائفية السياسية في العراق, هو تكريس للأزمة السياسية والاجتماعية في البلاد, هو تكريس الفردية والاستبداد في الحكم وبعيداً كل البعد عن الحياة الديمقراطية وروح ومفهوم المواطنة الحرة والمتساوية في وطن حر وديمقراطي اتحادي.
إن العراق ما يزال بعيداً عن إقامة البديل الديمقراطي الحر, وما تزال القوى الديمقراطية ضعيفة ولا تشكل حالياً البديل لنظام المحاصصة الطائفية والأثنية الراهن, ولكنها قادرة في ان تكون هذا البديل الفعلي حين تدرك القوى السياسية الديمقراطية في العراق وفي صفوف قومياته كافة من جهة, وحين تعي الجماهير الشعبية بتجربتها الذاتية الخراب الذي لحق بالمجتمع والوطن من جراء السياسات غير العقلانية والتوزيع الطائفي السياسي من جهة أخرى, وحين تحقق القوى الديمقراطية تحالفا متيناً حراً وديمقراطيا ومتكافئاً يضم إليه كل القوى الديمقراطية في صفوف كافة القوميات الموجودة في العراق وعابر للقوميات من جهة ثالثة, عندها ستكون مؤهلة وعبر انتخابات عامة وسلمية وديمقراطية أن تحقق البديل الديمقراطي للحكم في البلاد. عند ذاك لا ينفع معه “جئنا لنبقى” أو “أخذناها بعد ما ننطيها”! إذ إن الشعب والقوى السياسية الواعية هي التي ستقرر عبر الانتخابات من سيستلم السلطة ليمثل الشعب كله وليس ليوزع المسؤوليات في البلاد على أساس المحاصصات المخلة بالمبدأ الديمقراطي, السلطات كلها للشعب وليس لجزء منه.
لا يمكن اغتصاب السلطة من أي طرف, فزمن الاغتصاب قد ولى أولاً والاغتصاب لن يطول أمده إذ سرعان ما ينتهي ويسقط, وبالتالي فزمن التداول الديمقراطي البرلماني والدستوري للسلطة هو الحل الفعلي والأمثل خلال هذه الفترة والفترة القادمة وينبغي أن يعول الديمقراطيون والديمقراطيات على ذلك اولاً وأخيراً. وهو الذي سيحصل دون أدنى ريب.
إن مستقبل العراق لا بد أن يكون بلداً مدنياً وديمقراطياً حديثاً حيث يتمتع فيه أتباع الديانات والمذاهب الدينية ومختلف القوى الفكرية والسياسية غير العنصرية وغير الطائفية المتعصبة بقيم وممارسات مبادئ الحرية والديمقراطية والعلمانية والاحترام والحياة الكريمة. إنه النظام الذي يتعطش له الشعب ويتطلع إلى إقامته, وهو قادم لا ريب في ذلك وأن طال الزمن.

هولندا في6 تموز/ يوليو 2012 كاظم حبيب