الرئيسية » مقالات » صورة الأزمة العراقية بالسونار

صورة الأزمة العراقية بالسونار




جريدة المستقبل العراقي في 27/6/2012



 


باتت صورة التنافر, التي أظهرتها أجهزة السونار, بين الأطراف السياسية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار, إذ وصل التباعد إلى أقصاه ليتخطى المؤشرات الحمر كلها, حتى بلغ في السر والعلن مستوى التجافي وإظهار الكراهية, فتلاشت فرص الوفاق بين المالكي وبين (أياد ومسعود وأسامة), ولن يجتمعوا بعد الآن على كلمة واحدة, خصوصا بعد تعثر المحاولات الحثيثة للملمة رؤوس الخيوط المتشابكة, وبعد أن فشلت تلك المحاولات في ربطها بمنوال المصالحة الوطنية, فقد وصل التباعد إلى أشده بين رئيس البرلمان ورئيس الوزراء, ما ينذر بتعطيل التشريعات من جهة, وإعاقة عمل الحكومة من جهة أخرى, وبالتالي تعرض أركان الدولة العراقية للشلل التام, لذا فإن فشل مشروع (أزمة الثقة) سيؤدي حتما إلى خيارين اثنين لا ثالث لهما, اما إعلان الوفاة السريرية لحكومة الشراكة, التي لم تفلح في التماسك والثبات, أو اللجوء إلى حل البرلمان والتعجيل بإقامة الانتخابات المبكرة, مع احتمالات العودة إلى لغة الحشد الطائفي في حملات الدعاية للانتخابات القادمة. .


لقد لوح ائتلاف المالكي بسحب الثقة عن رئيس البرلمان, وربما كان هو الأقرب في التسديد من خارج منطقة الجزاء, بسبب تفكك دفاعات القائمة العراقية, وكاد يتكرر سيناريو الأحداث التي وقعت في التصفيات السابقة, والتي أطاحت بالمشهداني وأخرجته من الملعب على خلفية الثغرات القديمة المتجددة. .

اما في الجبهة الشمالية فقد ظهرت ملامح التشققات جلية في جدار التحالف الكردي, فتأرجحت مواقف الود والتفاهم بين (البارزاني), الذي لجأ إلى اللعب الخشن داخل الملاعب وخارجها, وبين (الطالباني) المعروف بطريقته المتسامحة المتوافقة مع الفرق المرشحة للتنافس على السلطة, ما أدى إلى إصابة (علاوي) بالإحباط, فألقى باللائمة على الطالباني, متهما إياه بالسعي لعقد تحالفات جديدة أكثر غموضاً وتعقيداً من سابقاتها.


فقد أثبتت الوقائع إن التحالفات القديمة والمستجدة لا تمتلك الأرضية الوطنية الصلبة, وليس لها القدرة على التماسك والصمود لمدة أطول, وليس أدل على ذلك من فشل علاوي في استنفار أعضاء قائمته, الذين زاد تعدادهم وحدهم على التسعين عضواً, وفشله في إقناعهم بسحب الثقة عن المالكي, وربما يعزا فشله هذا إلى دوافع شخصية استبطنت العداء للمالكي نفسه وليس لحكومته, وكأنه لا يعلم إن الدولة العراقية لن تهدأ براكينها برحيل المالكي, ولا بمجيء غيره, ولا علاقة لدوافعه الشخصية بترميم أسوار بغداد, ولا فرق عند المواطن البسيط سواء ظل المالكي في مكانه أو ابتعد عن الأضواء, طالما لم يظهر على السطح أي مشروع وطني حقيقي يستهدف نبذ الأساليب الطائفية والعرقية, وينتشل الدولة العراقية من ردهة الأمراض المستعصية, ويرتقي بها نحو الأفضل, في حين راح المالكي يحقق المزيد من المكاسب في المحافظات الغربية على حساب الثغرات, التي خلقتها القائمة العراقية في خنادقها المكشوفة, خصوصا بعد تلميحها بالتغاضي عن تطلعات إقليم كردستان التوسعية شمال العراق, وهكذا تعالت أصوات الحناجر المطالبة بزوال المالكي, وتعالت في الخندق الآخر أصوات الحناجر المطالبة ببقائه, فطغت الضوضاء على أصوات الشروخ والتشققات والتصدعات الكبيرة, التي نشبت في جدران مؤسسات الدولة, على خلفية الصلاحيات الوزارية المجيرة لحساب أقطاب الصراع, والصلاحيات العسكرية المطلقة كالدفاع والداخلية, التي هي الآن في قبضة القائد العام للقوات المسلحة, ناهيك عن الهيئات المستقلة التي ارتبط مصيرها الإداري والمالي برئاسة الوزراء, ولا تزال حلبة الصراع حبلى بالمفاجئات التي ستسفر عن سباق الجلسات البرلمانية الاستثنائية, والتي ستحدد شكل المشهد السياسي للأيام القادمة. .