الرئيسية » مقالات » طمس متعمد لتل اللحم

طمس متعمد لتل اللحم


جريدة المستقبل العراقي 16/5/2012



 



انتهكت القوات الغازية حرمة (تل اللحم) منذ اليوم الذي غزت فيه العراق, وتعمدت تشويه معالمه, فطمست ملامحه, وجردته من اسمه, حتى صار (طليل) هو الاسم الجديد الدال على هذا الموقع السومري العريق. .

اسم مستهجن لا جذر له, ولا صلة له بتاريخ وجغرافية ولغة وتراث العراق وأهله. ومن المرجح إن اللوحة المرورية الوحيدة, التي كانت تحمل اسم المكان (TALL-AL-LAHAM) قد تعرضت للعبث, وفقدت المقطع الأخير من الاسم. فأصبح الاسم (TALL-AL). وخصوصا أن الأسماء المرورية, المنتشرة في الطرق الخارجية, تتعرض من حين إلى آخر للتلف والفقدان. كونها مصنوعة من الملصقات البلاستيكية المرنة القابلة للتلف. وربما تعمد الأمريكان اختزال الاسم, وحذف المقطع الأخير منه. فصار الاسم الجديد (TALL-AL). ثم كتبوه على مزاجهم. هكذا (TILLIL).


ولجئوا بعد ذلك إلى تعميم الاسم بين وحداتهم العسكرية الغازية. فشقلبوا الاسم وثبتوه على خرائطهم التعبوية, البرية والجوية. وتناقلته فيما بعد وكالات الأنباء عبر جميع وسائلها المتاحة. لكن المثير للدهشة والغرابة إن جماعتنا تعاملوا مع الاسم المستحدث بسذاجة لا تخلو من غباء. ومازالوا يكتبونه في مراسلاتهم ومخاطباتهم الرسمية. ومن دون إن يلتفتوا إلى أن الاسم (طليل), الذي صنعته ارتال وثكنات الجيوش الغازية. لا ينتمي إلى هذه الربوع, التي كانت مستقرا حضاريا لسلالات سومرية عديدة, منذ سلالة أور الثالثة (2113 ق . م ). واتسع المكان في الفترة البابلية القديمة والوسيطة والحديثة ( الكلدانية ). ثم استمر بالنمو والاتساع في العهد الفيرثي ولغاية العهد الإسلامي. وكانوا يطلقون على تل اللحم Ku’ara)). ثم (Kisiga) بالسومرية. وتعني بوابة القصب. فيما أطلق عليه (درم) في الفترة الأكدية. وأطلق علية في الفترة الكلدانية (بيت باقين). أو (بيت سالميني). وما زالت الجامعات الأوربية والأمريكية المعنية بدراسة تاريخ وادي الرافدين, تستخدم .(Kisiga) أو(Ku’ara) في الإشارة إلى تاريخ تل اللحم.


فلماذ إذن هذا التمادي والإصرار على طمس كل الأسماء المرتبطة بالسلالات الإنسانية القديمة المنبعثة من بلاد ما بين النهرين ؟؟. ثم أما آن الأوان أن تلتفت مؤسساتنا المدنية والعسكرية لهذا الخطأ التاريخي الفادح. وتهرع لتصحح هذا اللبس المخجل. وتعيد للمكان هيبته المنتهكة. وتتصدى لتلك المحاولات الخبيثة الرامية إلى شطب سجله الضارب في عمق التاريخ, وتجريده من هويته المكانية ونكهته الزمانية. ثم أن اسم (تل اللحم) من الأسماء التي تبعث على الفخر والاعتزاز. فقد دارت في قلب هذا المكان معارك تاريخية حاسمة. وسجلت هنا مآثر بطولية خالدة. فبعض المراجع ترى إن (تل اللحم) سمي بهذا الاسم نسبة إلى الشيخ (شلاش ابن عمر بن الحميدي الشمري), الذي كان كرمه لا يجارى في حينها (سنة 1850), وما بعدها. وما يقدمه للضيوف من طعام على هيئة (تل). وكان للشيخ ثأر مع عائلة آل صباح فسكن هنا. ولما أدرك ثأره ارتحل إلى منطقة عكركوف. وترى مراجع أخرى انه سمي بهذا الاسم نسبة لتراكم جثث القتلى في المعارك, التي اندلعت هنا, في العصر العثماني وما بعده. نذكر منها المعركة التي دارت رحاها عام 1899 بين عشائر المنتفك بقيادة الشيخ عجمي السعدون, وعبد العزيز بن متعب الرشيد (أمير حايل آنذاك). فقد انتصر (الرشيد) في الجولة الأولى من المعركة. واحتل معسكر المنتفك في (الخميسية). ثم تحقق النصر للمنتفك في الجولة الثانية والأخيرة. فاسترجعوا (الخميسية), وطردوا رجال (الرشيد) من تل اللحم.


ونذكر منها أيضا معركة أخرى دارت رحاها عام 1921 بين قبيلة (الظفير) و(الأخوان), والتي حسم النصر فيها لقبيلة (الظفير). ونستعرض هنا مقاطع من القصيدة النبطية, التي ارتجزها الشاعر (سند الحشّار) بعد انتهاء المعركة:


)تـــل الـلـحـم) يـــوم الطـوابـيـر تــرقــاه
ماج (الدويش) ولابته و(النصافـي(
الـيـوم جـونـا طلـعـة الشـمـس بـضـحـاه
هـــج الـهـجـيـج وصــوتــوا بـالـعـوافـي

دون الـمــحــارم والـبــيــوت الـمـبــنــاه

روس كـمــا الـدبـشـي لـيــال الـقـطـافـي

كــــم واحــــد لـلـمــوت حــنــا جـلـبـنــاه
بالـمـذبـحـة تـسـفــي عـلـيــه الـسـوافــي


أما القاعدة الجوية العراقية الواقعة في المكان نفسه. فكانت تحمل, منذ تأسيسها, اسم أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب). لكن الغزاة واصلوا ارتكاب حماقاتهم ونزواتهم وخزعبلاتهم. وأطلقوا اسم (طليل) أيضا على القاعدة ومقترباتها.


ومما يزيد الطين بلة إن معظم صحفنا المحلية وفضائياتنا, التي صارت تتكاثر بالانشطار, مازالت مستمرة في تنفيذ سياسة التهميش التي رسمتها الجيوش الغازية, وطبقتها في هذا المكان. ولم تصدر منهم صيحة واحدة تستنكر وتحتج على هذه الانتهاكات, التي ارتكبتها جيوش الاحتلال, والتي استباحت مدينة (أور) برمتها. وانتهكت حرمة (مسقط رأس) سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام. فحفرت خنادقها التعبوية, وبنت ثكناتها, وتحصيناتها العسكرية, وأنشأت سواترها الترابية في هذه المنطقة التاريخية الفريدة. وذكرت عالمة الآثار الألمانية (مرغريت فان أس). إنها أصيبت بالذهول حينما رأت الصور, التي التقطتها الأقمار الصناعية لمدينة (أوروك). فقد عبثت الآليات الحربية الأمريكية والايطالية بالمدينة الأثرية, وشوهت معالمها النادرة. وذكرت التقارير أن الربوة, التي شيدت عليها مدينة أور تضررت كثيراً بسبب إنشاء ما يسمى بمعسكر (طليل). وما يحز في النفس هنا. هو مشاركة مؤسسات عراقية كثيرة في نشر الأسماء التي أطلقتها جيوش الاحتلال على مناطقنا. والمضحك المبكي إن بعض التشكيلات العسكرية الوطنية تستخدم الأسماء المستهجنة من دون أن تدرك أبعاد ونتائج هذا التشويه المتعمد. ولا نحتاج إلى التذكير أن ديننا الحنيف وعروبتنا ووطنيتنا وشهامتنا تحتم علينا رفض التعامل مع مسميات المحتل. وليعلم الجميع ان هذا التحريف المرفوض لمنطقة (تل اللحم). سواء أكان مقصودا أم غير مقصود. سيؤثر على سجل المكان ومستقبله, وسيؤدي إلى اندثار الملامح التراثية والثقافية والجغرافية. وقد يبدو الأمر أحيانا وكأنه لعبة مقصودة. وإلا فما معنى استبعاد الأصل العربي عند الإشارة لهذا المكان؟ . ومتى كان باستطاعة الغزاة تحريف تاريخ وتراث الشعب المحتل أرضه ؟. ثم ألا تخجل مؤسساتنا الحكومية من ربط واقع المكان بهذا الاسم المقزز ؟. وأخيرا نذكر. أن تاريخنا الحديث والقديم يحمل في صفحاته أعدادا لا يمكن حصرها من أسماء الأنبياء والأئمة والشهداء والقادة والعلماء والأبطال.‏ فهل فيهم من يحمل اسم (طليل) ؟؟. .