الرئيسية » الآداب » خورخيه مانريكي شاعر عصره

خورخيه مانريكي شاعر عصره

Jorge Manrique خورخيه مانريكي (1440- 1479م) شاعر إسباني من العصر الوسيط ، ومن أسرة أرستقراطية عريقة الحسب والنسب. ورغم انّه لأسباب ذاتيّة وموضوعيّة متواشجة في هاتيك الظروف التاريخيّة؛ لم يتفرّغ كلّيّة للأدب. ولمْ يخلف إلاّ ديواناً صغير الحجم يضم مرثيته المطوّلة لوالده ومجموعة من القصائد الأخرى؛ فقد حقق مجده المشهود كشاعر أرستقراطي جامع بين السيف والقلم،لاسيما بمرثيته التي تعد من عيون الشعر الإسباني على مر العصور، والتي حظيت بالترجمة إلى العديد من اللغات العالمية…
لقد شهد عصر مانريكي إنقلابات وتحوّلات تاريخيّة كبرى ؛ فقد كان عصر صراعات حاسمة وإرهاصات بواكير(النهضة الأوربية) والإصلاح الديني ، والمتغيّرات المشهودة على صعيديّ شبه الجزيرة الإيبرية (إسبانيا والبرتغال) والمعمورة قاطبة ،لاسيّما أوربا ؛ ففي الشّرق سقطت القسطنطينية (عاصمة بيزنطه المسيحيّة) في 1453 بأيدي العثمانيين(المسلمين) بقيادة السّلطان محمّد الفاتح (1429- 1481) وفي الغرب خمدت نيران حرب المائة عام (1337- 1453) بين إنكَلترا وفرنسا، بينما كانت حرب الوردتين (1450-1485) ماتزال مستعرة الأوار في إنكَلترا. أمّا شبه الجزيرة الإيبرية فقد شهدت إبّان حياة الدون رودريكَو مانريكي وحياة إبنه الشاعر خورخيه وعقب رحيله بعقد ونيّف من الزمان أحداثاً جسيمة ، بل مصيريّة ؛ لم يكن الشاعر بمعزل عن تأثيراتها حتماً ، ومنها توحّد عدد من الممالك المسيحيّة ، ثمّ شنّها الحرب على المسلمين في السنوات (1482-1492) لإسترداد مملكة كَرانادا(غرناطه) التي سلّمها للإسبان أبوعبدالله الصغير- آخر ملوك الطّوائف – إستكمالاً لحروب Reconquista (إسترداد) إسبانيا،التي مابرحت تتواتر منذ أكثر من قرنين. وفي السنة نفسها (أي 1492) بلغ كريستوفر كولومبس (؟1451- 1506) أمريكا؛ مدشّناً إستعمارها من قبل الإسبان والبرتغاليين وغيرهم من أوربا ، ثمّ تمّ كشف الطريق التجاري الجديد إلى الهند في سنة (1498) ) وفي الفترة نفسها طُرِدَ اليهود من إسبانيا ، وأصدر اللغوي أنطونيو دي نيبريخا (1444- 1522) أوّل كتاب قواعد للغة الإسبانيّة في 1492 ، كما وضع أول معجم لها، وراحت اللغة الإسبانية ترافق هيمنة الإمبراطوريّة الإسبانيّة على أمريكا بصفتها (لغة كولونياليّة). هذا وإن كَوتنبرغ قد طبع (الكتاب المقدّس) لإول مرّة في (1454) ونشرت الدولة البابويّة قائمة بأسماء الكتب المحرّمة ولاحقت أشهر المفكّرين وحكمت بالإعدام على الراهب سافونورولا(1452- 1498) لمطالبته بالإصلاح الكنسي ، كما نشط في الحقبة نفسها أعلام الرينسانس أمثال دافنشي (1452-1519) وتأكيداً لما سلف ؛ أستشهد بمقول الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس (تولّد 1928) عن الإنعطافة التاريخية المهمّة في عام 1492 في معرض حديثه عن أسلوبه الروائي في روايتين له : ” إن الحدث في (كريستوف وبيضته) يدور فترة الإحتفال بمرور خمسمائة عام على اكتشاف أمريكا. والحق أن العام 1492 هو مفصل مهم في تاريخ الإنسانيّة ، رافقه طرد اليهود من إسبانيا ، وانهيار آخر معاقل البربر ، وصدور أوّل كتاب قواعد في اللغة الإسبانيّة ، واعتبار اللغة رفيقة الإمبراطوريّة الإسبانيّة . آنذاك صارت اللغة الإسبانيّة واثقة وعالميّة وجديرة بأنْ تخلق أدباً عظيماً ، ولغة دبلوماسيّة تفرض على المغلوبين . وهذه اللغة الإمبرياليّة هي التي حاولتُ التعبير عنها في روايتي (تيرانوسترا) ”


*

لايُعرف إلاّ النزر اليسير عن سيرة الشّاعر النّابغة خورخيه مانريكي (؟1440- 1479) الذي ولد على الأرجح في (باريديس دي نابا) في محافظة بالنثيا بإقليم تييرا دي كامبوس، وفي رواية أخرى قيل أنّه ولد في 1439 في سيكَورا دي لاسييرا في (خيان) ومعروف كونه من أسرة إسبانية عريقة الحسب والنسب ؛ فهو نجل الكونت دون رودريكَو مانريكي قائد رهبانية سانتياكَو العسكرية (ميليشيا شَنْـت ياقُـب) ووالدته السيّدة مينثيا دي فيكَيرووا ، والتي توفيّت في سنة (1444) حين كان خورخيه طفلاّ صغير العمر. وقد تزوّج خورخيه في 1470 ومات ميتة بطوليّة في (24/4/1479) على الأرجح ؛ متأثراً بجرح بليغ في فخذه إثر إصابته بطلقة أمام قلعة كَارثي مونيوث ، حيث كان يخوض الدفاع عن سلطة الملكة إيسابيل الكاثوليكيّة. ولقد دفن في مدينة أوكليش، إلاً أن جثمانه قد إختفى لاحقاً ! ولمْ يعد أحد يعرف موضع قبره الحقيقي لحدّ الآن!
كان عمّه دييكَو كَوميث مانريكي (1412- 1490) شخصيّة سياسيّة وثقافيّة بارزة زمانذاك (شاعر وكاتب مسرحي ، ورئيس بلديّة توليدو في عهد الملكة إيسابيل) وكان من الداعين إلى توسيع نفوذ قشتاله ؛ فقد عبّر عن رغبته في أن يقوم الأمير ألفونسو بغزو ثيتارا وماوراء البحار والبربر. وقد استفاد خورخيه كثيراً منذ صباه من الإطلاع على مكتبة عمّه العامرة ، وله قطعة شعريّة موجّهة إلى عمّه هذا. ويُذكَر أنّ خورخيه درس القانون والعلوم العسكريّة ؛ فكان أنْ تبلورت لديه ثقافة شبه موسوعيّة تشتمل على : العلوم العسكريّة ، القانون ، التاريخ ،الدين والأدب… علماً أنّه كان ذا إطّلاع جيّد باللغات: اللاتينيّة، الإيطاليّة والفرنسيّة على أعمال الأدباء والمفكرين القدامى الرومان والطليان ، ومنهم دانتي (1265- 1321) و بترارك (1304-1374) فضلاً عن الأدباء الفرنسيين ، ولايُستَبعَد إطّلاعه على الأدب العربي الرائج في الأندلس آنذاك و قبلذاك. إلاّ أنّ الأوضاع المضطربة في شبة الجزيرة الإيبرية ، وإنخراط خورخيه مانريكي في الأحداث الدامية ؛ قد حالت دون التفرغ لموهبته الشعرية ؛ فلم يخلف إلاّ ديواناً صغير الحجم ، يضم مرثية مطوّلة ومجموعة من قصائد الحب والهزل والهجاء والمدح..ومع ذلك حقق مجده كشاعر أرستقراطي جمع بين السيف والقلم ؛ لاسيما وان مرثيته لوالده تعد من عيون الشعر الإسباني على مر العصور، وحظيت بالترجمة إلى العديد من اللغات العالمية، بل نادراً ما تخلو منها انطولوجيا للشعر الإسباني القديم والوسيط باللغة الإسبانيّة أو الأنطولوجيات المترجمة إلى اللغات الأخرى…ولقد أستحدثت جائزة بإسم خورخيه مانريكي في القرن العشرين ؛ حاز عليها الشاعر الإسباني خايمي أليخاندري في (1996) على مجموعته (متفرّج على نفسه) على سبيل المثال.
ولأن خورخيه قد لاقى حتفه في ريعان شبابه ؛ فتكاد معرفته تقتصر على النّتف والشّذرات المتبعثرة في المظان النادرة ، ومنها أشعاره ،التي مجّد فيها الملك الدون خوان الثاني وأباه المايستري دون رودريكَو مانريكي ،الذي كان أحد أبرز الشّخصيّات الأرستقراطية المتنفذة في البلاط عهدذاك ، والخصم اللدود لكونديستابلي لونا. وقد لعب الشاعر الأمير خورخيه كذلك دوراً مؤثّراً في البلاط ، وتقلّد مناصب مهمّة منها قيادة ميليشيا ، وبرز فارساً محارباً في جيش الملكة إيسابيل الكاثوليكية. ولعلّ جوّ البلاط (الذي كان الأمراء والنبلاء يتهافتون عليه) يتبيّن لنا أوضح عبر تشخيص أميركو كاسترو: ” كان البلاط بمثابة معبد يتم اللجوء إليه ؛ للحصول على نفع مادّي ، مثلما الحال عندما يقوم المرء بزيارة الكنيسة ليحظى بالغفران الإلهي” و ” كانت حياة النبل والكهانة من الأسس المتينة التي يتدثر بها الإسباني”

لقد كان عصر خورخيه مانريكي حاضنة فتن سياسيّة ودسائس ومكائد ومؤامرات اجتماعيّة وصراعات عسكريّة دامية ، وكان والده من المشاركين البارزين فيها ، وشاعرنا خورخيه أيضاً منذ فتوّته ، إذ عاصر وشهد وخبر حيثيّات ومجريات بلاطات ثلاثة من الملوك الكاستيلانيين ، لاسيّما مظاهر الأبّهة والفخامة والحفلات الصّاخبة ،التي كان يشارك فيها الشعراء والمصارعون والنسوة الأرستقراطيّات الحسان ، في بلاط دون خوان الثاني (1406-1454) وحيث قضى قرابة عشرين عاماً في خدمة الملك إنريكي الرابع (1454-1474) المعروف بجبروته ، والذي أُطيح به ونُصِبَ الأمير ألونسو ( وهو يافع ) بدلاً عنه ، ومن ثمّ انضوى خورخيه تحت لواء الملكة إيسابيل (المتوّجة في 1474والمتزوّجة منذ 1469 من الأمير الأراكَوني فيرناندو) وخدمها بإخلاص حتى لاقى حتفه دفاعاً عن سلطتها.
وكان الأمراء والنبلاء والأشراف الكاستيلانيون (القشتاليون) آنذاك منقسمين إلى زمر متنازعة ؛ طمعاً في حظوة البلاط ، وتحقيق مصالحهم الأنانيّة ، بل ما إنفكّوا يهدرون طاقات قواهم القوميّة في إحتراباتهم المقيتة…ويبدو أن الشاعر الفارس خورخيه مانريكي قد إنزلق إيضاً ووقع في مكايد البلاط ومعمعة النزاعات مع الأمراء الآخرين ، حيث كان دائماً رهن إشارة البلاط ؛ إذ إشترك في أربع من المعارك الكبيرة، وقد خرَّ صريعاً متأثّراً بجراحه البليغة ، في منطقة كالاترابا ،عند الهجوم على قصر الماركيز دي فيلينا المتمرّد على سّلطة إيسابيل الكاثوليكية ، والموالي للملكة دونيا خوانا دي كاستييا ، والذي كان معتصماً في قلعة (كَارثي مونيوث) بمحافظة كونيكا ؛ فلاعجب إذنْ ؛ إنْ عاش الأمير الفارس والشاعر خورخيه مانريكي (برغم جدّيّته) حياةً يشوبها الإضطراب والقلق، في خضم تلك الأحداث العاصفة والأجواء الصّاخبة.

ومثلما لايُعرَف مايشفي الغليل عن سيرة مانريكي ،لايُعرف إلاّ القليل عن شعره ؛ لأنه ، كما أشرنا من قبل ، لم يخلّف غير ديوان صغير يضمّ مرثيّته لوالده والشهيرة بـ (المقطوعات المانريكية) ونحو خمسين قصيدة متوزعة على ثلاثة محاور(الحب ، الهزل والهجو، والوعظ الأخلاقي) منها: (قلعة الحب)،(العاشق الذي قبّلته حبيبته في الحلم)،(أغنيات)، (دون خورخيه يشكو إله الحب ويحاوره)، (أيّتها السيدة بالله عليك تذكّري..)،(إنّها ميتة خفيّة)،(كلّما ذاكرتي…) و(لاأدري لماذا أنا ضجر)…. والتي خلّدت شاعرها ؛ لكونها تجلو فنّيّاً معطيات ذلك العصر وملامحه البارزة ، وهي تعدّ من أبرز بواكيرالشّعرالغنائي الإسباني “ولاأحد يعرف من يقف وراء هذه الأشعارالرّقيقة؟ أهو إنسان أم شاعر؟ لقد كان خورخيه مانريكي كليهما” هكذا تساءل الشّاعر والنّاقد الشّهير بيدرو ساليناس(1891-1951) وأجاب بنفسه عن تساؤله ، علماً بأنّه قد ألّف عنه كتاباً [لمْ أظفرْ به للأسف الشديد/ ج.ز].
عموماً كانت في عصر مانريكي ثنائيّة وتضادّيّة وصراع (المسيحي – الموريّ) فضلاً عن (القشتالي- الأغيار) في أوجه ؛ فانعكس ذلك في حيّز رثائه لأبيه، الذي خاض نضالاً ملحوظاً في غمار حرب (الإسترداد) ، ومع كلّ ذلك لم ينزلق شاعرنا إلى حضيض ” الشتائم والنعوت القدحيّة/ غويتسولو” وإنّما إلتزم بحدود حقه المشروع في كفاحه الوطني- العقائدي ضد الأجنبي المحتل لوطنه قروناً عدّة ؛ وبذلك يجسّد نصّه الشعري الأصيل (العبقرية القومية) للإسبان في مشهد الشعر الأوربي عصرذاك ؛ فلاغرو إن عدّ النقّاد ومؤرّخو الأدب الإسباني شاعرنا من أبرزمؤسسي (الشعرالبلاطي) الذي نشأ خلال القرن الخامس عشر، واتسامه بروح جديدة مغايرة لروح الشعرالمألوف ، المتمثّل بالشعرالبالادي الزاخر بأصداء البطولات والمآثر العظيمة. ويبدو انّ شمس شعرالبلاط الناهض قرنذاك راحت تطغى على المشهد الشعري ؛ بينما راح المدّ الشعري للشعراء الجوّالين والمنشدين التروبادور ينحسر؛ إذ لم يعد لهم الدورالمعهود في الحياة الأدبية ، بينما أصبح شعراء البلاطات يحلّون محلّهم ، ومنهم خ.مانريكي الذي يمثّل القمّة الشّامخة بديوانه الصغير، في تاريخ الشعرالإسباني ، منذ بواكيره حتّى لويس دي كَونكَورا(1561-1627) مروراً بالشعراء كَونثالو دي بيرثيو(ت/النصف الأول من القرن13)، خوان رويث(1283-1350)، ماركيث دي سانتيانا(1398-1458)، خيل بيثنتي(1465-1536)، كَارثيالوسو دي لابيكَا(1501؟-1536)، فراي لويس دي ليون(1528؟-1591)، سان خوان دي لاكروث(1542-1591) و فيرناندو دي إيريرا(1534-1597) ليس هذا فحسب، بل انّ شهرة خورخيه مانريكي طغت على شهرة أكثر من خمسين شاعراً إسبانيّاً من مجايليه و معاصريه في القرن الخامس عشر، ومن أبرزهم :
الماركيز دي سانتييانا (1398-1458) الشاعر الأخلاقيّ النزعة ، والذي شجّع المترجمين الإسبان على ترجمة بعض أعمال أفلاطون وفرجيل وسنيكا وأوفيدوس، وقد شابهه خورخيه مانريكي من حيث تجسيد شخصيّة المثقف الإسباني المشبّع بروح عصره الممهّد لعصر النهضة الإسبانية ، ومن حيث إنحداره وانتسابه إلى الطبقة الأرستقراطيّة ، بل وممارسة السياسة وخوض صراعاتها الدمويّة ، فضلاً عن الإطلاع على الثقافة الكلاسيكيّة (الإغريقيّة واللاتينية) و نظم الشعر في الوقت نفسه. والشاعر خوان دي مينا (1411- 1456) وعمّه دييكَو كَوميث مانريكي الشاعر والكاتب المسرحي. والكاتب فيرناندو دي روخاس (1465-1541) المعروف بروايته (La Celestina) التي اطّلع عليها كتاب ومؤلفون عظماء أمثال: ماكيافيلي و شكسبير، وأثرت كثيراً في المسرح الأوربي، وبالأخص الفرنسي.
*
طبعت أشعار مانريكي وخاصة مرثيته لأول مرة (سنة1511) في أولى المطابع التي تأسست في إسبانيا ،إستناداً إلى روايتها الرئيسة المعدة من قبل ثامورا عام 1480 وقد حظي ديوان مانريكي بالطباعة والنشر في القرن العشرين بضع مرّات (كلّه أو مختارات منه) وكان آخر طبعاته في (1999) [حين كنت أشتغل على استكمال هذا الكتاب / ج.ز] وقد حظيت (المرثية) بالنشرمنفردة أيضاً ، بالإضافة إلى ترجمتها إلى العديد من اللغات الأوربية ، منذ أن ترجمها خوان هورتادو دي ميندوثا إلى اللغة اللاتينية في (1540) بينما لم تترجم (حسب اطلاعي) إلى اللغات الشرقية ، ولم أجد عنها شيئاً يُذكر باللغات: العربية ، الفارسية ، الكردية، التركية، الآذرية، التاجيكيّة، البشتو والأوردية ؛ ولعلّ العلّة تكمن في إهتمام المترجمين بترجمة أشعار(جيل98) و(جيل27) ومابعدهما من الشعر الإسباني الحديث والمعاصر إلى لغاتهم ، أكثر بكثير من بواكيرالشعرالإسباني وكلاسيكيّاته؛ ولذا فقد إنبريت لترجمتها إلى اللغتين الكردية والعربية ، وكتابة هذه الدراسة عنها وعن تأثر مانريكي بأبي البقاء الرُندي ، رغم شحة المصادرالمتعلّقة بها حتّى باللغة الإسبانيّة (على صفحات الإنترنيت)!


*

تتجلّى في أشعار خ. مانريكي (عموماً) نزعة حسّيّة و عاطفيّة غامرة ؛ تتجسّد في استحضاره لصور الطبيعة بشتى عناصرها وألوانها وأضوائها الزاهية ، ويتبيّن لنا أن مانريكي يركّز في لغته الشعريّة على محتوى مايُقال، لا على (كيف يُقال) ؛ ولذا فهي دقيقة التفاصيل وصارمة الإيجاز في الوقت نفسه ، وتخلو من الزخارف والإستعارات والمجازات الصعبة ، وكذلك يخلو أكثر أشعاره من التأمّلات الفلسفيّة والصور الشعريّة الذهنيّة التجريديّة ، إلاّ أنّ بعضه لايخلو من الأفكار الدينيّة. وتتسم أشعاره بالتلقائيّة والعفويّة وقوّتها الموسيقيّة والإيقاعيّة ؛ بحيث أضحى نمط مقطوعاته ، من حيث مبناها ومحتواها، موسوماً بـ (Copla Manriquena) علماً أنّ كلمة (Copla) تعني مقطوعة شعريّة شبيهة بالموشّحة أو الأهزوجة الشعبيّة.
ليست الـ Coplas) / مقطوعات مرثية مانريكي لأبيه) متفرقة ، منفصلة أو مستقلة عن بعضها البعض، إنّما تكوّن وحدة عضوية تنتظم في شكل سردي تتصاعد خلاله وحدات المقطوعات إلى توحدها الجمعي ، ولكن أحداً (حسب اطلاعي الذي قد يكون يسيراً جداً) لمْ ينتبه ولمْ يشر إلى أسلوبها الحكائي ؛ فالبنية الفنّية لهذه المرثيّة مشابهة لبنية البالاد (الحكاية الشعرية) إلى حدّ كبير؛ حيث يمزج الشاعر في سرده الوصف والحوار، متنقّلاً في خطابه الشعري بين ثلاثة أصوات: صوته كراوية ، صوت الموت ، وصوت والده. وقد إستهلّها بصوته ، وراح يمهّد لعرض مشهدها المحوري على مدى ثلثيها ، مخاطباً الإنسان، النّاس، الدّنيا والموت ، ثمّ يليه صوت الموت الذي يخاطب والده ،الذي يجيبه ممتثلاً لأجله المقدور، ومن ثمّ يختتمها الشاعرالرّاوي بالمقطوعة الأخيرة.
برغم طول المرثية (42 مقطوعة) فإنّها تتسم ببنية معمارية متماسكة ، حيث يتلاحم مضمونها وشكلها في وحدة عضوية ملحوظة ،علماً أن (المقطوعات الـ 16الأخيرة) منها لها مساس مباشر بالفقيد الدون رودريكَو، والتي تشمل قسمَها الثالث،حيث يعرض الشاعر فضائله ومآثره ، ثم يدع الموت يحاوره ، ومن ثم يسلم أمره إلى قدره المحتوم حسب العقيدة المسيحية. أمّا قسمها الأول(1-15) ففيه يتحدث الشاعر نفسه عمّا يتعلق بحياة البشر والدنيا الفانية ، بينما يقدم في قسمها الثاني (16-26) أمثلة وصوراً ملموسة لفلسفته في الوجود (حسب ترتيبي الجديد لمقطوعاتها).

يلتقي خ. مانريكي في مرثيّته هذه مع الشاعرين الشرقيين الكبيرين أبي العلاء المعرّي وعمر الخيّام في طرح الحقيقة الأزليّة المتمثلة بزوال وفناء الإنسان أمام جبروت الموت الغاشم المتربّص ، الذي يطوّح بالإنسان (ملكاً كان أو شحاذاً) على حين غرّة ، دون محاباة أو تمييز، فضلاً عن التأثير المدمّر والفتّاك لمضيّ الزمن ؛ ممّا ينبغي على الإنسان ألاّ يغتر بالسّلطة والثروة والجاه والجمال..مادام كلّ ذلك عابراً وزائلاً لامحال…ويبدو أنّ هذه الثيمة كانت هي السّائدة إبّان العصر الوسيط في كلا الشرق والغرب ؛ ويبدو انّها كانت تعكس في الأدب والفن مصائر العروش والإقطاعيّات ، التي كانت تقوم وتتجبّر، لكنّها كانت تتداعى وتتهاوى عاجلاً أو آجلاً في مهاوي الدمار والفناء ، غير أنّ مانريكي يفترق عن نهلستيّة المعرّي لآخر المطاف، وعن دعوة الخيّام الحميمة لاستمتاع الإنسان بمباهج الحياة المتاحة؛ ذلك انّ مانريكي يدعو إلى ضمان مباهج الحياة الثالثة السرمديّة في الجنّة ؛ بالعمل بالمعروف لضمانها في الآخرة، وبذلك يقدّم درساً تربويّاً أخلاقيّاً خلال مرثيّته، ولايخفى هنا تأثره بالشعر التروبادوري البروفانسي، الذي كان يزاوج بين الهدفين التربوي والجمالي.
وبالطبع ليس ما أسلفناه بمعزل عن أجواء بيئة مانريكي السياسيّة والدينيّة والثقافيّة ؛ فقد كان لشريحة الإكليروس حضور مشهود ، وكانت مهمّتها صون الديانة المسيحيّة ونشرها ، وقد شكّلت مع شريحة النبلاء والأشراف شبه طبقة متمسّكة بالفضائل ومكارم الأخلاق والقيم الدينيّة ، ولها الدور الأبرز في قيادة المجتمع القشتالي ، وتحثه على احترام النظم السياسيّة والإجتماعيّة والدينيّة القائمة ؛ بصفتها مفروضة على العباد كـ (حق إلهي)، وهنا تكمن علّة سيادة الإحتفاء بالثيمات الروحانيّة الخالدة وتحقير نظيراتها المادّيّة الزائلة عصرذاك ، ولقد حفـز هذا الفهم شنّ الحروب الصّليبيّة على المشرق الإسلامي من جهة ، وتصعيد الحرب الإسترداديّة على مسلميّ الأندلس من جهة أخرى. ومعلوم انّ شريحة النبلاء (ومنها الأسرة المانريكيّة) قد تحوّلت إلى أرستقراطيّة تتحلّق عروش ملوك الممالك المسيحيّة ، وتستمدّ الدعم – في الوقت نفسه- من الإكليروس، بل صارت هي الطبقة الحاكمة ، رغم تخلّيها عن جوهر المفهوم القديم لفروسيّتها الإقطاعيّة ، مكتفية بمظاهرها الإستعراضيّة ، ومؤثرة التنعّم بالترف والبذخ واللهو.
هذا مايتعلّق ببيئة مانريكي على الصعد السياسيّة والدينيّة والإجتماعيّة ، أمّا على الصعيد الثقافي المتواشج مع تلك الصّعد ؛ فالأمر يتعلّق بدءً بسيادة اللغة القشتاليّة (الإسبانيّة) التي تطوّرت وسادت كلهجة لاتينيّة عامّيّة ( لهجة طليطلة) في منتصف القرن الحادي عشر، في مملكة قشتاله ، التي كانت الدولة المسيحيّة الرئيسة في شبه الجزيرة الإيبرية ، إبّان (حرب الإسترداد) إذ استردّت تباعاً بقاعاً من شبه الجزيرة الإيبرية من حكم المسلمين، ونشرت فيها اللهجة القشتاليّة، التي تطوّرت بمضيّ الزمن واكتسبت مع تكوّن الوحدة السياسيّة تسمية (الإسبانيّة) ، وهي طبعاً واحدة من لغات الرومانس (لغات روما) المنحدرة من اللغة اللاتينية ؛ إذ نشأت أصلاً كلهجة عامّية وتطورت وراحت تنفصل ببطء عن اللغة اللاتينية المحكية في شبه الجزيرة الإيبرية ، حتى تحولت إلى لغة الرومانس الإسبانية في عملية تطور إستغرقت قرابة خمسة قرون. في حين إنتشرت أيضاً بضع لهجات أخرى حتى القرن الحادي عشر الميلادي في الأراضي الإسبانية ، من أبرزها: لهجة أستورية وليون التي سادت اللهجات الأخرى حتى القرن العاشر، وكانت لغة مملكة أشتوريش وليون.
لقد أضحت القشتالية = الإسبانيّة لغة مستقلّة للتدوين منذ منتصف القرن الثاني عشر، و تعدّ ملحمة(السيد) أوّل نص أدبي بارز مدوّن بها في (1140م) ومن ثمّ سادت القشتاليّة (الإسبانيّة) رسميّاً لغةً للكتابة بدلاً عن اللغة اللاتينيّة في القرن الثالث عشر؛ بأمر الملك فرناندو الثالث الملقب بـ (القديس)، ومن أبرز من ساهم في ترسيخ أسس اللغة القشتالية = الإسبانيّة هو الشاعر كَونثالو دي بيرثيو(ت/النصف الأول من القرن13) فهو أوّل مَنْ نظم أشعاره بها ، بلْ وهو أوّل مَنْ نظم الشعر بإحدى لغات الرومانس ، خارقاً بذلك حرمة اللغة اللاتينية ! ثمّ استقوت القشتاليّة = الإسبانية أكثر كلغة أدبيّة في عهد الملك ألفونسو العاشر(1221- 1284) الملقب بـ (الحكيم/العالم) ملك قشتالة وليون خلال(1252 – 1284) و الشاعر باللغتين القشتاليّة والكَاليثيّة ، و الذي يُعزى أبلغ الأثر في تطوير اللغة القشتالية ومنحها مزيداً من المرونة ؛ فقد أحاط نفسه بعلماء مسيحيين ومسلمين ويهود في مدرسة الترجمة الشهيرة في طليطلة، وسعى إلى ترجمة أمهات الكتب، وخصوصاً عن اللغة العربية، ولكثرة العاملين في الترجمة ؛ تعددت أساليب الكتابة النثرية ؛ فعمد الملك الحكيم نفسه إلى مراجعة وتنقيح تلك الترجمات لتوحيد اللغة النثرية ، لتعزيز أسلوب كان يطلق عليه (القشتالية السوية) وتتمثل أهمية ما قام به ألفونسو الحكيم ، في كتابة أعمال أدبية وقانونيّة وتاريخية وعلمية بلغة الرومانس القشتالية ،التي لم يكن أحد يجرؤ على الكتابة بها ؛ لإعتقادهم أنها عاجزة عن استيعاب مثل تلك الأعمال الأدبية والعلمية. وتجدر الإشارة إلى جهود خوان مانويل (1282-1348) إبن أخ الملك ألفونسو الحكيم، بصفته أول من كتب نثراً فنياً مميزاً باللغة القشتالية، وظهرت معه اللغة الدرامية المؤثرة والإنفعالية والتحليلية، والمتضمنة أساليب النداء والحوار والوصف والتعبير عن المشاعر، وكانت أهميته في تاريخ اللغة الإسبانية تكمن في سعيه الحثيث ؛ لتحقيق استقلال هذه اللغة. ثمّ راح أدباء القرن الرابع عشر يثرون اقشتاليّة = الإسبانيّة إثراءاً ملحوظاً ، ومن ثمّ اكتمل كيانها كلغة مستقلّة منذ توحيد تاجيّ مملكتيّ (قشتاله وأراكَون) بزواج الملكة إيسابيل والملك فرناندو الملقبين بالكاثوليك. وفعلاً بلغت الإسبانية قوّة مشهودة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر ببزوغ نجم خورخيه مانريكي واللغوي أنطونيو دي نيبريخا (1444- 1522) فهو الذي قام بدعم قواعدها ووضع لها المعاجم ، فقد ألف أول كتاب في النحو(فن اللغة القشتاليّة)عرفته لغات الرومانس، في سنة 1492، فكان سبّاقاً لأول كتاب في قواعد اللغة الإيطالية ظهر في 1524، و أول كتاب في قواعد اللغة الفرنسية ظهر في 1542، وأول كتاب قواعد في اللغة الإنكليزية ظهر في عام 1586، فضلاً عن أن نيبريخا كان أوّل من وضع معجماً للغة القشتالية، إضافة إلى معجم (لاتيني ـ إسباني) وآخر (إسباني ـ لاتيني) ثمّ راحت اللغة الإسبانيّة تحقق أوج عطائها وانتشارها وعصرها الذهبيّ إبّان القرنين (16 و 17) إثر اكتشاف القارّتين الأمريكيّتين واستعمار الإمبراطوريّة الإسبانيّة لأغلب أنحاء أمريكا الجنوبيّة و أجزاء من أمريكا الشماليّة وأوربا وآسيا، حيث راحت اللغة الأسبانيّة تتفوّق وتنتشر كلغة عالميّة ذات شأن كبيرفي رفد الثقافة والحضارة العالميتين ، حتى حازت على المقام الثالث عالميّاً بطلوع كوكبة من الشعراء والكتّاب المبدعين أمثال : غارثيلاسو دي لابيغا (1505-1536)،فراي لويس دي ليون (1527-1591)، ميكَيل دي ثيربانتس(1547- 1616)، لويس دي كَونكَورا (1561-1627) و فرانثيسكو دي كيبيدو (1580-1645) ومن ثمّ تأسست (الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية) في عام 1713 بأمر من الملك فيليب الخامس؛ بغية الحفاظ على نقاء اللغة الإسبانيّة ووضع معجم دقيق ” تتبدى فيه عظمة اللغة وقوتها، وجمال مفرداتها وخصوبتها” وقد أصدرت الأكاديمية معجمها في مجلدين ظهرا في عاميّ 1726 و1739 وراح يتوالى إصدار المعجم بانتظام في طبعات مزيدة ومنقحة. وكذلك قامت الأكاديمية في عام 1771 بنشر كتاب (قواعد اللغة القشتالية) ؛ ليكون أساساً ومرشداً في تعليم اللغة الإسبانيّة. علماً أنّ كلمة (إسبانيا) قد سادت منذ أواخر القرن الخامس عشر، أي في عصر مانريكي ، وهنا تجدر الإشارة أيضاً إلى احصاء تقريبي لما رست عليه مكوّنات اللغة الإسبانيّة ، حيث يشير إلى النسب المئويّة الآتية: (73% لاتيني)،(17% عربي)،(5% إغريقي) و(5% لغات أخرى)
وهكذا تبيّن لنا كيف نشأت اللهجة القشتاليّة وتطوّرت تاريخيّاً إلى لغة من لغات العالم الرئيسة المهمّة، في حين لم تبلغ مصافها في المنزلة والإنتشار شقيقاتها اللهجات: (البرتغاليّة، الكتالونيّة، الكَاليثيّة، الليونيّة، الناباروأركَونيّة والأعجميّة الأندلوثيّة) رغم تطوّرها من لهجات لاتينيّة دارجة وتحوّلها إلى لغات مستقلّة، علماً أنّ اللهجة الكَاليثيّة كانت هي المتفوّقة في شبه الجزيرة الإيبرية حتى القرن الثالث عشر!
ومع كلّ ذلك كان التأثير العربيّ (لغويّاً وثقافيّاً) متواصلاً حتى أوائل العصر الوسيط ، ثمّ راح يتراجع تدريجيّاً؛ حتى بلغ الحال أن ينتقد فييالوبوس في سنة(1515م) أهل طليطلة لإستخدامهم كلمات عربيّة الأصل تخلّ بفصاحة اللغة القشتالية، في حين كان الناس يتحدّثون قبل قرون باللغتين الرومانية والعربيّة في أرجاء إسبانيا الإسلاميّة!

واستكمالاً لمشهد البيئة الثقافيّة؛ نشير إلى سيادة الثقافة الكلاسيكيّة (الإغريقيّة واللاتينيّة) منذ الإحتلال الروماني لشبه الجزيرة الإيبرية، ثمّ بدأ التأثير الفرنسي في الشعر الغنائي الأرستقراطي الإسباني منذ القرن الحادي الحادي عشر، وبعده كان التأثير الإيطالي في الأدب الإسباني هو الأقوى في القرن الخامس عشر، وكذلك كان ظهور تيّار(الهيومانيزم/ الإنسانيّة) في عموم أوربا، خلال القرن الخامس عشر، قد أحدث إنعطافة مهمّة في تاريخ الثقافة والحضارة الأوربيتين.
ومع كلّ ذلك لايجوز نكران تأثير الثقافة العربيّة- الإسلاميّة؛ فها هو الأديب الكبير خوان غويتسولو يشير إلى تأثر أشعار التروبادور و(الحب المحمود) و(ملحمة السيد) و(دونكيخوتيه) بالثقافة العربية- الإسلامية، إلى حدّ استعانة الشاعر خوان رويث بالعروض والسجع العربيين، في حين استخدم مانريكي في نظم مرثيته وزناً(هجائياً/مقطعياً) معقداً لم يستخدمه قبله سوى الشاعر خوان دي مينا، حيث تتكون كل مقطوعة من إثني عشر سطراً شعرياً، في أربع مجموعات،وكل مجموعة بثلاثة أسطر،يتساوى عدد مقاطع سطريها الأول والثاني(8 مقاطع)وسطرها الثالث(4 مقاطع)أمّا قوافي كل مجموعتين متعاقبتين فتتعاقب على منوال: ((a,b,c أي تتطابق قافية السطر الأول من المجموعة الأولى مع قافية السطر الأول من المجموعة الثانية،وكذا الحال مع قافيتيّ السطرين الثانيين من كلتا المجموعتين،وكذلك قافيتا السطرين الثالثين.و كذلك تتطابق قوافي المجموعتين الثالثة والرابعة في كل مقطوعة،حسب الترسيمة الآتية:

1- a/ 8 مقاطع
2- b/ 8 مقاطع
3- c/ 4 مقاطع
4- a/ 8 مقاطع
5- b/ 8 مقاطع
6- c/ 4 مقاطع
7- a/ 8 مقاطع
8- b/ 8 مقاطع
9- c/ 4 مقاطع
10- a/ 8 مقاطع
11- b/ 8 مقاطع
12- c/ 4 مقاطع

وهاهي المقطوعة الثالثة كعيّنة :
1- Nuestras vidas son los rios
2- Que van a dar en el mar,
3- Que es el morir
4- Alli van los senorios
5- Derechos a se acabar
6- Y consumir
7- Alli los rios caudales,
8- Alli los rios medianes
9- Y mas chicos,
10- Allegados son iguales,
11- Los que biven por sus manos
12- Y los ricos

و ها هو نموذج من التقطيع الوزني:

1- Nuest ras vi das son los ri os
3- Quees el mo rir
ولاأدري لماذا لمْ يستشهد الباحث الإسباني أنتونيو كيليس في كتابه القيّم (METRICA ESPANOLA)بأيّ نموذج من شعر مانريكي، في حين إستشهد بنماذج من أشعار خوان دي مينا (السّابق لمانريكي) و المركيز دي سانتييانا(المعاصر له)!
تستوقفنا هذه المرثية الفريدة بخطابها الإنسيابي الآسر ونبضها الدّينامي الحيّ؛ فهي تخاطب الإنسان في كلّ زمكان؛ حيث يستهلّها الشاعر داعياً المتلقّي إلى الإستفاقة من غفوته وغفلته؛كي يتأمّل كنه الوجود والعدم،بما في ذلك الحياة والموت والزّمن ومصائر البشر طرّاً والآخرة،مذكّراً إيّاه بتفاهة الأشياء التي يجري وراءها البشرلاهثين،ناهيكم عن المتع،الملذّات،المال،الجاه والسّلطة،التي لاتعدو في آخر المطاف أكثر من قبض الريح، ثمّ يذكّره بمصاير الملوك الجبابرة وبعض شخصيّات عصره البارزين،ومن ثمّ يتطرّق إلى ذكر والده السياسي الداهية والمحارب الشجاع،الجامع بين المجدين الدنيوي والديني؛ فيشبّهه بعدد من الأعلام الرومان كالأباطرة وغيرهم،في سجاياه وخصاله الحميدة،كما يشيد بمناقبه البطوليّة والإجتماعيّة،وكيف خاطبه الموت عند دنوّ أجله بما يليق بالأبطال الأفذاذ،وكيف أجابه والده برباطة جأش وهدوء راضياً بمصيره المقدور والمحتوم،كأيّ ابن آدم، ثمّ سلّم روحه لباريها،مغادراً الحياة الدّنيا بعدما خلّف أبلغ عزاء بذكرى جلائل أعماله ومآثره المشهودة. ويُذكر أنّ والده كان محارباً من الطراز الأوّل، وقد خاض في حياته أكثر من خمسين معركة، ومن ثمّ مات وعمره(72عاماً) في (تشرين الثاني/1476) بمرض السرطان الذي كان قد أصاب وجهه. وجاء على شاهدة قبره: ” هنا يرقد ميّتاً الرجل الذي ظلّ اسمه حيّاً”
إن مايطرحه خ.مانريكي حول حياة الإنسان يكشف ويؤكّد كونه شاعراً مفكّراً وحكيماً من طراز نادر؛ فثمّة في منظوره ثلاث حيوات،إثنتان متباينتان في هذه الدّنيا،وثالثتها في الآخرة.فالأولى في نظره لاتعدوالعيش والإعتياش الحيوانيين والحشريين للمتهالكين على جيفة الدّنيا،وهم الأنانيّون والمنافقون والمتزلّفون وضيّقو الأفق والإمّعات والطراطير والبلداء والأقزام المتعملقين المتدافعين بالمناكب؛لنيل المكاسب الخسيسة والمناصب والأمجاد الزّائفة، بأخسّ الوسائل والممارسات الدّنيئة التي يندى لها الجبين…فهي إذنْ عيشة ديدان عمياء زاحفة ومتمرّغة في مستنقع الحاضر،وهي طبعاً حياة فانية لامحال،بينما تتجسّد الحياة الثانية الفعّالة الخلاّقة في حيوات المبدئيين المتفانين السّابحين ضدّ التيّار،وهم أولئك الذين يحدوهم السؤدد والكبرياء وعزّة النفس،وطالما يسطّرون جلائل الأعمال والمآثر ؛فينالون المجد والخلود حتّى في هذه الدّنيا، خلال حياتهم أو بعد مماتهم أوفي كلتيهما…وهكذا فإن الحياة الثانية تكون سامية،وربّما تستحيل برزخاً يفضي إلى رحاب الحياة الثّالثة.أمّا الحياة الثّالثة فهي في منظورشاعرنا أسمى من كلتا الحياتين الدّنيويتين؛ولايفوز بها إلاّ النّائلون رضاء الباري عزّ وجلّ،وهم لابدّ أن يكونوا من محقّقي الحياة الثّانية أصلاً.
وهكذا يطالعنا مانريكي بأقصى تمجيد للحياة الثّالثة؛ من منطلقه الدّيني، ومع ذلك فهو لايشطب على الحياة الثّانية،كما يشطب على الأولى التي ينبذها،وإنّما يبجّلها ويمجّدها؛مادامت هي المرقاة إلى الحياة الثّالثة المنشودة. والملفت للنظر هو أن شاعرنا المفكّر يطرح آراءه وأفكاره كفنّان نابذ للعظات الجافّة السّقيمة.
لقد حقّق الشاعر مانريكي توازناً تامّاً وملموساً بتصعيده لحالة موت معتادة وعابرة إلى حالة شموليّة إنسانيّة عميقة الدّلالات”عبر إستنطاقات روح قلقة عن مآل مصيرها”على حدّ قول بيدرو ساليناس (1891- 1951) فقد إستغور كوامن الحياة الباطنيّة والروحية للإنسان عصرذاك ومايعتمل في جوانحه من لواعج وهواجس وعذابات؛ولذا ” فإن مانريكي يمثّل الإستثناء في العرف العام السّائد، في الإحساس بالموت وإدراكه قرنذاك، فليس إحساسه إحساس امريء أنانيّ، ولايحدوه ماهو أرضي، وليس الموت في منظوره أسوأ من شرورنا، وإنّما هو مريح وبهيج ومواسٍ، بل ومنقذ، في هذه القصيدة الرائعة التي تتناول الموت كرحلة إلى الحياة الأسمى” حسب قول ساليناس (الذي خصّه بكتاب، لمْ أظفر به للأسف).
وإذا ما قورنت الشخصيّة الرئيسة في هذه المرثيّة مع بطل (ملحمة السيد) فيتبيّن كون دون رودريكَو مانريكي بطلاً قوميّاً قشتاليّاً في إهاب مجاهد مسيحيّ،أمّا رودريكَو دياث دي بيبار فهو بطل شعبي(نصف مسيحي + نصف مسلم) يحظى بإعجاب الجميع؛ لكون ملحمة السيد، في عصرها وضمن سياق تاريخ شبه الجزيرة الإيبرية، كانت تخلو من أيّ فكرة وطنيّة أو قوميّة؛ حسب استخلاص الأستاذ الطاهر مكي.
إن هذه المرثية ببساطتها وشفّافيّتها وعمق مضمونها الإنساني؛ تجسّد السّمات الأساسيّة لشعر القرون الوسطى،لاسيّما في تصوير عصرها بدقّة واقعيّة آسرة لاتقتصر على اللقى اللغوية،وإنّما تشمل الأحاسيس الجيّاشة المعبّرة عن نبل المقاصد الإنسانيّة وسموّها؛وأسطع دليل على ذلك هو ما أبداه الشاعرمانريكي من تأثّر وإشفاق على النهاية التراجيديّة لألدّ أعداء والده ألا وهو الدون ألفارو دي لونا،فهل ثمة أسمى من روحيّة التسامح هذه؟ومع ذلك لاتخلو المرثيّة من مسحة(صليبيّة)لاتخفى على أيّ متلقّ،رغم نزوع خورخيه الإنساني؛ وتكمن علّتها في الصّراع (المسيحيّ-الإسلامي) المحتدم عصرذاك، ألا وهو القرن الخامس عشر، الذي وصفه المفكر أميركو كاسترو بـ” القرن الذي عبّرت فيه الطبقة النبيلة عن نفسها أكثر من أيّ وقت مضى” والذي كان أيضاً ” قرن الأزمة؛ فهناك عالم ماوراء الطبيعة، وهناك المكان والزمان(الواقع اليومي) ” على حد قول كاسترو نفسه، الذي خصّ خورخيه مانريكي ببضع إشارات خاطفة، لكنها عميقة ذات أهمية بالغة، ومنها:
” حياتنا هي أنهار، تجري لتصب في البحر، وهو بحر الموت. وهنا يُشعَر بجريان مياه الأنهار عبر مجرى معيّن، غير أن هذا الجريان الهاديء أقضّ مضجع هؤلاء الذين لم يرضوا عن أيّ جريان يسير في المجرى الطبيعي خلال القرن السادس عشر” وعلى سبيل المقارنة بين القرنين (15و16م) يقول: ” ..ولم نعد نرى هذا الإنسجام والتوازن بين الدين والدنيا، والذي لاحظناه في القصائد Coplas التي ألّفها خورخي مانريكي لرثاء والده” ولكن كاسترو لايتناول، بل ولايشير إلى تأثر مانريكي بالشعر العربي، مثلما فعل مع بضعة شعراء سواه، كخوان رويث في كتابه (الحب المحمود)
يقيناً أن لهذه المرثيّة المنظومة في (1476م ) أهمّيّة تاريخيّة كبيرة على صُعدٍ عدّة:
فهي تؤكّد كون الشاعر خ مانريكي من كبار إنتلجنسيا ومثقّفي زمانه،الملمّين بالأدب والتاريخ والدّين…عن طريق اللغة اللاتينية،التي كانت ماتزال اللغة المشتركة للإنتلجنسيا الأوربية،إلى جانب سليلاتها:الإيطالية،الفرنسية،الإسبانية،الكتلانية،الرومانية، الغاليثية والبرتغالية…
وتتجلّى في المرثية حقيقة تكامل اللغة الإسبانية وإستقرارها كلغة أدبيّة قرنذاك؛حيث تنعدم الفروقات بينها وبين اللغة الإسبانية المعاصرة،وإنْ وجدت فهي ضئيلة وطفيفة لاتعدو الصيغ الإملائية والتلفّظية والحصيلة القاموسيّة. ويّذكَر أنّ أوّل كتاب لتقنين قواعد اللغة الإسبانيّة تمّ تصنيفه عصرذاك.
وتدلّ المرثية على نشوء النزعة القوميّة الإسبانية في إهاب دينيّ،حيث تضافرت الفكرتان الدينية والقومية- رغم النزاعات المذهبيّة- في لمّ شتات ممالك شبه الجزيرة الإيبرية، والمضيّ في حركة الإسترداد
(La Reconquista) وتوحيد إسبانيا؛ ويتبيّن ذلك عبر امتداح الشاعر لوالده باعتباره بطلاً عقائديّاً وقوميّاً ساهم في بعض تلكم الأحداث والوقائع المصيريّة.
وهي بمثابة وثيقة أدبيّة- تاريخيّة لجانب من الصراع السياسي والديني بين الممالك المسيحيّة والإسلاميّة في شبه الجزيرة الإيبرية، وكذلك بين المسيحيين أنفسهم.
ومن الناحية الأدبية لاتخلو المرثية من تأثيرات أشعارالجوّالين والتروبادور والأشعارالدينية وملحمة (السّيد) وكذلك الشعر العربي في الأندلس ، لاسيّما بأبي البقاء ألرُندي (1204-1285م) في مرثيّته الشهيرة للأندلس (وهو ما سأتناوله بالتفصيل لاحقاً في الإستقصاء…) إلاّ أن التأثيرات المذكورة مهضومة ومتمثّلة إبداعيّاً في لحمتها وسداتها؛ فأصبحت بجدارة “تمثّل دونما شك أعظم قمّة إرتقاها شعرالرّثاء في لغتنا” بتعبير(ساليناس) بل وإحدى روائع الآداب القرووسطيّة؛فلا غلوّ إذنْ في مايقوله الشاعر والمسرحيّ العظيم لوبي دي فيكَا(1562-1635)عنها:- “تستحق أن تُكتب بحروف من ذهب” كيف لا؟! وقد أثّرت في أشعار شعراء كبار أمثال: كَارثيلاسو دي لابيكَا(؟1501-1536) شبيه خورخيه في تعبيره الواضح الشفيف وتحاشي الحذلقة والزخارف البديعيّة. وكذلك فرانسيسكو دي كيبيدو(1580-1645) الذي تأثّر بثيمة الموت في المرثية المانريكيّة؛ بحسبان الموت بطلاً مطلقاً في الحياة الدنيا.
لانبالغ ؛ إن قلنا أن مرثية مانريكي (رغم قدمها بقرون) تبز مراثي: الشاعر الإنكَليزي تنيسون عن(هالام) والشاعر الروسي جوزيف برودسكي عن(جون دُن) وحتى الشاعر لوركا عن(اكَناثيو ميخياس)، بل لاسابقة لهذه المرثية في الشعر الإسباني سوى مرثية الشاعر خوان رويث لقوّادة في كتاب (الحب المحمود) وبرغم مضيّ القرون لم تظهر في مشهد الشعر الإسباني مرثيّة أخرى تُداني هذه المرثية وتضاهيها سوى (مرثية لموت أكَناثيو سانشيث ميخيّاس) للشاعر لوركا(1898-1936) و”ربّما تعد هذه القصيدة ثاني قصيدة من حيث القيمة بعد مرثية خورخيه مانريكي،التي هي أجمل قصيدة رثائيّة في حزنها ووقارها، في الشعر الإسباني قاطبةً “على حدّ تقييم الشاعر الكبير رافائيل ألبرتي(1903-1999)
لقد كان مانريكي مؤثراً في أبرز رموز جيل(98) وموضع إحتفاء وتقدير كبيرين وذا منزلة راقية لديهم ومنهم: أندريس فرنانديز دي أندرادي(1865-1898)، آثورين(1874-1967) و أنتونيو مشادو(1875-1939) ولايقتصر تأثيره على هذا الجيل و مابعده ؛ فمازال تأثيره متواصلاً ، وهذا ما يتبيّن من تصريح الشاعر المعاصر كارلوس مارثال (تولّد 1961) : ” هناك تيارات شعرية إسبانية أثَّرتْ فيَّ، تبدأ من القرون الوسطى، مثل شعر خورخي مانريكي، ثم في القرن السادس عشر والسابع عشر، مع غارثياثو دو لابيكا وكيبيدو وكونكورا وغيرهم” وهنا سندع ألبرتي العظيم (وهو من جيل27) لكي يعبّرعن هيامه الجارف بهذه التحفة الرائعة والفريدة:
– “…إعتدت منذ نحو ثماني سنين أن أستهلّ قراءاتي الشعرية، سواء وحدي أم مع نوريا إسبيرت (ممثّلة ومخرجة مسرحية قديرة- ج.ز) بقراءة مقطوعة طويلة من(مرثية خورخيه مانريكي لوالده الدون رودريكَو رئيس رهبانيّة سانتياكَو الحربيّة)” حيث “يتألّق شاعر(باريديس دي نابا) في إحدى المقطوعات الشعرية؛ حتّى ليسمو على كافّة المقطوعات الجميلة الموحشة والمسكونة بالموت؛ويتجلّى ذلك عبرمشهد يضجّ بقرع طبول الموت،الموت المهيب والكئيب الذي ساد جوَّ القصيدة الخالدة تلك:
-“الجيوش اللجبة والرايات والبيارق…إلخ”
ولايكتفي ألبرتي بهذه الإشادة ، وإنّما يمضي قدماً رابطاً ومقارناً (بالتداعي الذهني الذي أثارته مرثية مانريكي وموته المأساوي) بين الميتات العنيفة والتراجيديّة لبضعة شعراء قدامى ومعاصرين: المعتمد بن عبّاد(1040-1095)، ماثياس(في القرن15م)، كَارثيلاسو دي لابيكَا، خوسيه مارتي(1853-1895)، ميكَيل أوتيرو سيلبا(1908-1935)، فيدريكو كَارثيّا لوركا، ميكَيل إيرنانديث(1911-1942) وبابلو نيرودا(1904-1973).
ويبدو أن بعض أبيات هذه المرثية قد غدت مضرباً للأمثال مثل “نهاية الأنهار المانريكيّة، التي تمضي إلى البحر اللامتناهي…” وها هو بورخيس (1899- 1986) يستشهد بها في محاضرته (الإستعارة) الملقاة في السادس عشر من تشرين الثاني 1967 بجامعة هارفرد ، حيث يؤكّد على ” موسيقى الكلمات المهيبة” وراء استعارتها النمطيّة.
والجدير بالذكر أن أشعار مانريكي قد نالت الإهتمام من قبل العديد من الفنانين التشكيليين والموسيقيين والمغنين منذ قرون؛ فهناك من رسمه، بل هناك من استوحى صورة الموت من مرثيّته، وهناك من لحّن وغنّى من قصائده، فمثلاً شغف الفنان والأديب الشهير خواكين سابينا (وهو شاعر، ملحن، مغني و مسرحي/ تولّد1949) شغف في فتوّته بقراءة أشعار خورخي مانريكي فراي لويس دي ليون وخوسي ييرو . ومن مظاهر الإحتفاءات الرسميّة إصدار طابع بريدي مزيّن ببورتريه له ونصب أكثر من تمثال له، وتدريس شعره ضمن مناهج المعاهد والكليّات الأدبيّة ليس في إسبانيا فحسب، بل وفي بلدان أمريكا اللاتينيّة…
وهنا تجدر الإشارة إلى (جائزة خورخي مانريكي) في إسبانيا،والتي تمنح سنويّاً لأحد الشعراء المبدعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* * فصل من كتاب (خورخيه مانـريـكي شاعر عصره و مرثيتـه لأبيه) دراسة وترجمة: جـلال زنــكَابادي، وهو جاهز للنشرس.