الرئيسية » شخصيات كوردية » كلهر الخطّاط وحضور (النستعليق)

كلهر الخطّاط وحضور (النستعليق)

يعرف المطّلعون في الحقل الثقافي أن عدداً كبيراً من الأدباء، الفنانين والمفكرين والساسة البارزين- من الأرومة الكردية- قد ساهم بشكل فعّال ومشهود ومازال،في تشييد الصرح الثقافي والحضاري، في منطقة الشرق الأوسط, ومنهم أعلام بارزون في فن الخط قديماً وحديثاً، في العراق وتركيا والسعودية وإيران… ففي إيران- مثلاً- برزت أسماء إبن الخازن الدينوري، أسداللّه بن أردلان، مستورة الكردستانية، مجدي ملك الكلام، ميرزا محمد رضا كلهر والملاّ أحمد الأوليائي….
يعد كلهر (1829-1892) في مصاف كبار فناني الشرق الخالدين من أمثال: بهزاد (1460-1535) ومير عماد(1553-1615) وقد أمضى ميرزا كلهر صباه وفتوّته وشبابه، كسائر أبناء قبيلته القاطنة في أطراف كرماشان،في ألعاب الفروسية والرماية، لاسيما وأنه كان نجلاً لرحيم بيك (رئيس تلك القبيلة) وكان يتمتّع بمتانة البنية والقوّة البدنية. ويذكر أن إحدى أذنيه قد أصيبت ذات مرّة إصابة بالغة في لعبة الرماية. وقد كان آنذاك تحت رعاية شقيقه الأكبر نوروز. ثم قصد طهران؛ليستزيد ثقافةً، فيصقل قريحته الشعرية وموهبته الفنية،حيث تتلمذ كلهر في بداياته على يد الخطّاط الشهير محمد مهدي الخوانساري، ثم شد رحاله إلى أصفهان وقزوين؛ للاطلاع والتمرين على نماذج مهمّة من خطوط الفنان المعروف مير عماد وغيره. ويروى عنه أنه كان عاشقاً مهووساً للخط؛ لم يكن يرتاح أكثر من ست ساعات يومياً، إذ كان يمضي جلّ يومه في التمرين والكتابة دون كلل أو ملل؛ ولذا فقد قيّض له نتيجة لمثابرته ومكابدته أن يغدو أستاذ زمانه في إيران قاطبةً،لاسيما في (النستعليق).
لقد شقّ كلهر طريقه الإبداعي وواصل عطاءه رغم إنتقادات المحافظين؛ حتّى برع غاية البراعة، وأضحى أسلوبه أساساً متيناً للنستعليق،وهو” أسلوب لم يبلغه أحد، من قبل ومن بعد”على حدّ قول الدكتور مهدي بياني. ومن مقوّمات تكامله الفنّي أنه كان مرهف التذوّق في تلقّي الشعر،بل وفي نظمه أيضاً، ويذكر أنه قد نظم ديواناً،لكنّه للأسف مفقود،وفيما يلي ترجمة لإحدى رباعياته بالفارسية:
أريد وجهك من الحجاب عيانا
ليعمّ الهيجان الكون وا لمكانا
وليتهاد ويتماوج على كتفيك
زلفك المسكيّ حتى خصرك
ومازال تأثير أسلوبه المبتكر في النستعليق جليّاً حتّى في خطوط الخطّاطين المعاصرين؛ يقول عبداللّه المستوفي عن تجديده ” واصل ميرزا محمد رضا الكلهري نهج مير عماد وأسلوبه نفسه، إلاّ أنه قام بتصغير الدوائر وتقصير الإرتفاعات؛ بحيث أضفى على الحروف روحاً جديدة،وذلك بدون أيّ تعديلات جذرية في القاعدة الأساسية،ويعجز أيّ شخص آخر ماعدا فنان مبدع مثل الكلهري عن الإتيان بمثل هذا الإبداع الفني”
والمعروف عن كلهر أنه كان يمزّق ويتلف كل ما يخطّه في أمشاقه(تمريناته)،بينما كان غيره من الخطّاطين يسارع بإهداء أمشاقه إلى الأمراء والوجهاء!ولعلّ هنا يكمن السبب في قلّة آثاره “ماتبقّى من خطوط كلهر قليل،ولولا المطبوع منها؛ لانقرض أسلوبه الخاص في النستعليق،الرائج والمتداول لحد الآن” كما قال عبداللّه المستوفي.ويعود ذلك المطبوع إلى الفترة التي عمل فيها كلهر في إدارة المطبوعات بتكليف من ناصرالدين شاه القاجاري وبإشراف محمد حسن خان،حيث تمكّن كلهر آنذاك من أن يكيّف الكتابة بالحبر للطباعة الحجرية.
ولقد عاش كلهر في ضنك وشظف في داره البائسة الواقعة في محلّة سنكلج بطهران،ولم يكن دخله الشهري يتجاوز عشرين تومناً في أفضل الأحوال! فمثلاً كان يتقاضى تومناً واحداً شهريّاً عن تدريب كل تلميذ. وكان بطبيعته متواضعاً، أبيّاً،عزيز النفس، زاهداً في طلب المال والجاه. ومع ذلك كان مضيافاً،حلو المعشر،وذا علاقات حسنة مع العديد من الشعراء والأدباء والفنانين؛ فكانوا يجلّونه كثيراً ومنهم الشخصية البارزة محمد حسين فروغي(ذكاء الملك)، ولنا في شهادة أحد معاصريه الدليل على ماقيل عنه؛ ففي كتاب (المآثر والآثار) يقول إعتماد السلطنة-مدير إدارة المطبوعات آنذاك- ” لم يتقبّل كلهر من الديوان الأعلى أيّ راتب أو جراية؛ إنما أصرّ على العيش ممّا تدرّه عليه تخطيطاته ممضياً أيامه على نتاج أنامله كأيّ فنان معتز بنفسه”حتى وافاه الأجل في (يوم الجمعة 25 محرّم 1310هـ) إثر إصابته بالوباء الذي إجتاح طهران وقتذاك، فوري الثرى في مقبرة (حسن آباد) بطهران .
لم يمت أسلوب كلهر الفذ بموته؛ إنّما إحتذته كوكبة نيّرة من تلامذته النجباء والممتازين، وأبرزهم: زين العابدين القزويني (ملك الخطّاطين)،زرين خط، مهدي المازندراني،عبداللّه المستوفي،سيد محمد(صدر الكتّاب)،علي أكبر كاوه،علي منظور حقيقي،مرتضى نجم آبادي(1833-1906) ومحمد حسين سيفي(1861-1936)…والذين خلّفوا بدورهم أجيالاً جديدة من التلاميذ المبدعين ذوي الشأن في عالم فن الخط الجميل…
وفيما يلي آثار كلهر:
*12عدداً من(اردوى همايون) الأسبوعية.
*جريدة(شرف) أعداد متفرّقة
*نصائح الملوك
*الرسالة الغديرية
*قسم من ديوان( قاآني)
*قسم من ديوان(فروغي البسطامي)
*مناجاة الخواجة عبداللّه الأنصاري
*كتاب(منتحب السلطان) مختارات من أشعار سعدي وحافظ
*كتاب(فيض الدموع) لميرزا إبراهيم الطهراني،مطبوع في 1869
*كتاب (مخزن الإنشاء) مختارات من أعمال الكتّاب، مطبوع على حساب مير محمد صادق الخوانساري
*سفرنامه ناصر الدين شاه إلى خراسان
*قسم من سفرنامه ناصرالدين شاه إلى كربلاء
المصادر:
1- تاريخ مشاهير كرد/ جلد دوم- ص 39،40/ بابا مردوخ روحانى/1987 تهران
2- بارسى كَويان كرد/ صديق صفى زادة/1988تهران/ص 126،125
3- خيال هاى خط خطى/سوسن حقيقت/1989تهران/ص 18
4- دائرة المعارف هنر/ رويين باكباز/ 2001 تهران/ ص 518
5- كرمانشاهان وتمدن ديرينة آن/ جلد دوم- ص 1102 /ايرج افشار سيستانى/2003تهران
6- مجلة (هنر ومردم) شماره 181/ 2536شاهنشاهى، تهران
7- جريدة (الإتحاد) ع 96 السبت 10 أيلول 1994/ الميرزا محمد رضا الكلهري/ إعداد: أحمد سعيد الخطاط.