الرئيسية » شخصيات كوردية » كَوران شاعر الأمّة الكُرديّة

كَوران شاعر الأمّة الكُرديّة

ترجمة :

الكرد شعب كبير، قد يبلغ تعدادهم عشرين مليون نسمة وهم بلا دولة مستقلة. لكنهم يعيشون في بلادهم المتواشجة الأوضاع ، برغم تجزئتها وتقسيمها على : تركيا ، العراق وإيران وسوريا. ويعيش بعضهم في الإتحاد السوفيتي .
كان للكورد عبر التاريخ دويلات وإمارات وحكومات عديدة آخرها ( جمهورية مهاباد) التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، أما وضعهم الراهن فيطغى عليه الاضطهاد القومي ، ومع ذلك فإن فكرهم القومي وتقاليدهم الثقافية الراسخة في نهوض وانتعاش.
وهذا المشهد يُعَد خلفية هؤلاء الـ ( 7000 ـ 8000 ) كردي الذين يعيشون الآن في السويد وهم بلاريب بمثابة الأرضية التي انطلق شعر (كَوران ) منها ، واسمه الأصلي (عبد الله سليمان ) ولد عام 1904 أو في عام 1905 وتوفي في 18/ 11/ 1962 وهو سليل أسرة ميسورة ذات شأن تعود أصولها إلى كردستان إيران لكنها نزحت إلى كردستان العراق منذ زمن ، حيث ولد كَوران ونشأ وترعرع .ولقد عاش كَوران بعد موت والده المبكر حياة تعيسة ، ثم عمل معلماً في التعليم الإبتدائي وموظفاً صغيراً، وبرز مناضلاً وطنيّاً وصحافيّاً.
كان كَوران أول شاعر مجدد ومحدث ، من قبل ومن بعد ثورة 14 تموز 1958 التي أنهت النفوذ البريطاني في العراق. وقد دبروا له عملا جيدا، ألا وهو التدريس في جامعة بغداد. وقد إنتمى كَوران في أعوامه الأخيرة إلى (حشع) وعندما أصابه السرطان في أواخر عمره ؛ عني به في موسكو سواء في المشفى أو في المصح.
إن اسمه ( عبد الله سليمان) يشبه الأسماء العربية ، غير أن لقبه كردي حقيقي وأصيل ، أي إنه إسم هندو أوربي ، و كوران يعني ( ساكن المدينة المتحضر) أو المستقر (وهو كإسم ونعت يميز المستقرين والمتحضرين الكرد عن الرحل الإعتياديين ) وربما يعود الجذر اللغوي لكلمة (كَوران) إلى الجذر نفسه لكلمة (كَورد) الروسية المتواجدة في أسماء المدن كـ ( لينينكَراد) و( نوفوكَورد).
لقد أثرت الموروثات والتقاليد العربية والصوفية الإسلامية على أشعار كوران القديمة في بداياته ، إذ كانت المرأة في تلك الأشعار تتواجد مع السماء والموهبة والعطاء الشعري بشكل سام ٍ ومقدس . أمّا لاحقاً فقد أخذت نزعته الصوفية تنزاح أكثر إلى ما هو دنيوي ، و لكنها تميل أيضاً إلى الميثولوجيا الكردية ؛ فالمرأة تندمج مع الأرض والثرى ، وتغدو واحدة من بنات الشعب.
قبل كل شئ يتقدم الشاعر كداعية ومناد بصوت تشوبه السخرية والمجابهة والطموحات ولاغرو فهو صوت واثق من نفسه لشعب مقهور ومضطهد . إنه صوت شعري يتحدث باعتزاز وفخر للعالم وعالم الفن ، أي العالم الذي ينظر إليه عموما بنظرة استعلائية وازدراء.
وهنا يمكننا القيام برحلة في أشعار كوران ، فقد كانت قضية كوران في أوساط شعبه هي أن يقنع الوجهاء والشرائح الإجتماعية المهيمنة بأهمية قيمة للشعر، خصوصا وأنه ككردي معدم لم يقيّض له أن ينشر أشعاره ويُروّج لها.
ثمّة قصيدة ساخرة وانتقاديّة لة عنوانها (إلى وجيه محب للشعر) ذلك ان الوجيه المعني هنا ذو سلطة، أو ذو مال وعقارات، أو هو (الآغا) الذي يطلب من كَوران قصيدة جميلة رائعة ، فهذا هو دأب أصحاب السلطة والجاه أن ينظروا إلى الشعر هكذا ، فهو في نظرهم مجرد حلية أو زينة ؛ إذا خَطَر على بالهم ، لكن كَوران الكردي ، الموظف الصغير، كان من أولئك الذين وجب عليهم أن يكدحوا ويكّدوا حتى الموت، ولربما ليس في مقدور من مثله أن ينتج شيئاً جميلاً على مرام هؤلاء، وذلك يعني أن المتحدث برجوازي صغير معاصر، ودوره كشاعر ليس بارزا وليس ناجحاً ، فهو يتوجه إلى الجماهير الفقيرة ويجد بينها الممثل الأصيل للفن ، ألا وهو عازف الناي ( الدرويش عبد الله) .
كان الدرويش رجلاً مسلماً متدينا و شحاذاً جوالاً، أما عند كَوران فهو الفنان الكردي ، الذي يروّج في أوساط الشعب التراث الموسيقى والأغاني الكردية ، وقد فضله الشاعر على (بتهوفن) ما دام هو الأعرف بمعاناته وروحه التعيسة. إن الدرويش يعزف الناي للشعب مثلما يريد كَوران أن يغني للشعب ، بل كان طوال عمره كما يفصح بنفسه في قصيدة أخرى : ” بالخبز اليابس والأسمال الرثة …” إلا أن شعباً مُستعبداً ومُستضعفاً، بل ومُنوّماً بالإبرة…” كما ينعته بنفسه في القصيدة نفسها:
” كيف يمكنه أن يتذوق الفن النابت على تلكم الحصى والصخور الباردة؟”
إن كَوران سليل أسرة ذات مال و جاه ، ويمكن للمرء يتلمّس ذلك ؛ فهو لا يتمنى مستقبلاً يهتم فيه الشعب بالفن القومي فحسب ، بل ويحلم أيضاً بالماضي ، فأي فرق ثمة لو استطاع (الدرويش) أو كَوران في قصيدته (الدرويش عبد الله) – الملحوظ تطابق اسميهما الأوّلين – أن ينحو بفكره ذلك المنحى…
جليُّ أن كَوران كشاعر متعدد الجوانب، يتمعن في أعماق نفسه كشاعر مغبون وشقي ، فتشهد روحه التعيسة و(أنا) ه العليا الحانقة المستاءة ، التي يتحدث عنها في نهاية قصيدته ( الدرويش عبد الله)، وكذلك في قصيدة أخرى له بعنوان (ناقوس التبّرم).
إذاً هاهي الموسيقى التي يبغي كوران من أعماقه سماعها ، وهي التي تثير حنقه ، ومع ذلك يريد أن يسمعها من (أنا)ه الجوّانيّة ، وهذا هو الشيء الذي يمكنه التعبير عن الشعور اللامحدود ودونما إعاقة الكلمات أكثر، وأبعد تقدماً وتلك هي حقيقة الموسيقى والكلمات.
وفي قصيدة أ خرى عنوانها (قصيدة الأعماق) تكمن معضلة الشاعر وتتجلّى في كونه عاجزاً عن التعبير بالكلمات عن باطنه العميق والشاسع برحابة سهب من الإحساس والخيال…وهذه مشكلة تقليدية مألوفة ، وحث تقليدي للشاعر، فاللغة لاتكفي وتظل قاصرة ، وهنا تكمن بالأخص مهمة الشعر في أن يعبّر الشاعر عمّا تعجز اللغة في التعبير عنه في حالتها المألوفة.
إن شخصية حيوية ونشطة مثل كَوران الشاعر له حضوره المسكون بشتى الأحاسيس والمشاعر: الإستياء والخسران ، الفرح والحبور، الممزوجان بالمآسي ، وذلك ممّا يغيّر نزوع رسالته وطبعه المنتج ، حيث يبحث عن براري الخارج: الجبال والوديان. وطالما يتوجه الشاعر إلى امرأة من طراز خاص ومغاير، ومع ذلك فهي دوماً امرأة من سواد الشعب، عسلية العينين ، فارعة وهيفاء ، فإن حدث واستجابت لرغباته ؛ فسيشفى على حد ظنه من كل داء ، وهذا الأمر ينطوي في حد ذاته على خيبة قومية ، فقد كانت للشاعر كردستانه الخاصة في أعماقه ، بجبالها ومروجها وينابيعها، وتلك المرأة متربعة على عرشها ، لها القدرة على أن تجعل الشمس تضيء البراري ، وتتدفق الينابيع من جديد.
إن شأن كَوران شأن أكثر الشعراء العظماء ، فقد كان في مقدوره أن يتحدث بحيوية وحماس عن الباطن العقيم والمجدب وكذلك عن الخيبة واللاجدوى ، حتى في قصيدة حب كـ (رجاء) حقاً أنها قصيدة حب كردية والمرأة الشاخصة فيها تلبي صبوات كوران وتُحققها، وهي ترمز إلى الشعب الكردي وطبيعة كردستان، حيث ينبغي أن تتألق وتختلج وتسمو هوية شعب ووطن ، مثلما يشير الشاعر في أبياتها الجياشة … وأن إمراة من هذا الطراز هي ذات المرأة الفارغة الهيفاء ، التي تبث الثقة والأمل في نفس كَوران لما يقتادونه ـ هو الكردي القومي ـ إلى السجن داخل (الباص) يحيط به حارسان في طريقه إلى السجن من الموصل إلى أربيل ـ وذلك في قصيدته (النظرة الأخيرة)
ومعروف أن كوران كونه قومياً(كرديّاً) وشيوعيا زج به في المعتقلات والسجون ثلاث مرات ولفترات طويلة ، إبان الخمسينات، وقد حدث ذلك في العراق المُستعمَر، الذي كان يبدو في الظاهر مستقلا ذا نظام ملكي ، بينما كان في حقيقة الأمر مُستعمَرة لبريطانيا المهيمنة على ثرواته البترولية. في القصيدة الطويلة التي عنوانها (في السجن) والمنشورة بعد وفاته يسخر كوران ويهزأ وينتقد ممارسي القسوة والعنف ضد الأحرار أمثال (ثورو) * الأمريكي إبان القرن التاسع عشر، الذي سجن فترة ؛ لأنه لم يدفع الضريبة، إبان الحرب، والتي كان يعتبرها جائرة، بعدما انجلت لكَوران حقيقة أن السجن هو مكان الأحرار والشرفاء حقا وحقيقة ، حيث يبقى خارجه المستعمرون وأذنابهم الذين يكرعون البترول ” عرق بترول البلاد” على حد قوله (…) وفي موضع آخر من القصيدة نفسها يطرح كَوران حلمه عن مجتمع المستقبل الذي سيرعى الفنون ويحميها. وهكذا تضج القصيدة بنداءات وصرخات المجابهة والمقاومة المجبولة بالمرارة والأُمنيات ، حيث تستحيل الدولة الكردية التي يحلم بها كَوران إلى مجتمع أبوي ومربٍّ ، وبيت شعري بطريركي ينمو فيه الشعب ويترعرع ويتقدم ، ويعود البترول مُلكاً لوطنه ، وتغدو الثقافة والفنون القومية ثروة مشاعة للجميع.
يقال إن كَوران حين كان يعيش في موسكو في أواخر عمره ـ عقب أصابته بالسرطان ـ قد أصابته الخيبة إزاء أفكاره ومعتقداته الشيوعية ؛ فقد تبخرت آماله ، حينما شهد بأم عينيه، كيف أن رفاقه السوفييت الأمميين وفي معقل الشيوعية ، كانوا يحترمون ويدارون شاعراً عربيا مقيماً هناك أكثر منه (أي من كَوران) الذي كان يمثل ثقافة شعب مُضطَهد و مُستَضعف داخل المجتمع العربي.
أجل … لقد حدث ذلك فعلااً، ويمكن للمرء أن يتحسس ذلك في شعره اللاحق ، إذ كان كَوران إلى جانب الشعب أكثر من كونه شيوعياً ، بل وكان شاعرا أكبر من كونه سياسياً .
ان القصيدة الأخيرة، التي اختتمت بها هذه المختارات، هي هدهدة ودعوة صميمية للسلام ، وتاريخها هو12 حزيران 1962 (أي في عام وفاته) حيث كان نزيل مصح ( برفيخه) الواقع خارج موسكو، وفيها يتلمس المتلقي، كيف أنه ليس من العسير قيام حوار بين قادة الدول العظمى ، إبان الحرب الباردة من أجل السلام ، الذي كان أحد أمنيات كَوران المنشودة كما في قصيدة (مهد الطفل).
بفضل كرديين سويديين هما: بختيار أمين وفرهاد شاكلي ؛ أُتيح لي كشاعر سويدي أن أعايش أشعار كَوران وأفهمها ؛ فأسعى لأحيل صوته الكردي صوتاً سويدياً.
والملحوظ أن التزام كوران بالشكل والوزن والقافية لم يكن حتى النهاية ،إلا أنه لكون الأبيات محسوبة وفقاً لعدد المقاطع الصوتية ، لا حسب النغمة الصوتية، وليس للمرء أن يقول بأن الإيقاعات الحرة والموسيقى الطليقة في الترجمة السويدية لا تختلف نسبياً عن المتن الأصلي (الكردي) ما عدا قصيدة واحدة هي (الخريف) التي هي حرة بلا أيّ وزن وقافية أصلاً.
إن ما سمعته في شعر كَوران هو صوت حر وواع من العالم الثالث، وعالمه الشعري أشبه ما يكون في هيامه بالطبيعة الحرة، بالشعر الرائع البديل لـ (نورد) ومن اليسر بمكان أن نذكر كلمة (نورد) كالجبل والنجم ، لمّا يترجم المرء لكَوران، بل ومن اليسر أن نسمع صوت كَوران الكردي، مثلما نسمع صوت (دان أندشسون) الحد اثوي ومجددينا الآخرين.
ومن أشعار كَوران:
(هدايا إله الحرب)

ها هي هدايا إله الحرب
النقمة ، العدوان ، الحقد والبغضاء
الخسة والنوايا السوداء
كل مآرب إبليس هدايا إله الحرب
القلوب طافحة بالرعب
لسان واحد ومائة ألف تساؤل
التشكيك بالصدق لكنما تصديق الكذب
فتباً لكِ يا هداياه!
الأهوال والرزايا للعسكر حتف
والدمار للديار!
ثكل الأمّ بوحيدها
واليتم للطفل الينيع
ما دام إله الحرب يحيل الإنسان ضد بني جنسه ذئباً ساعيا
ويدججهُ بالنار، الرصاص و الغازات السّامة.
يحشو فاههُُ بالسبابِ
ثم يأمرهُ
يا عرشُ امضِِ
إلى قيعان البحار المدلهمة
وحنايا السحب والبرق في الأعالي **
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ثورو: هو الكاتب الأمريكي هنري دافيد ثورو (1817ـ 1862) الذي كان داعية للعودة إلى البساطة في العيش وإلى أحضان الطبيعة
** ترجم الكاتب أمجد شاكلي هذه المقالة عن السويديّة إلى الكرديّة. والمقالة مكتوبة في أواسط ثمانينات القرن الماضي.