الرئيسية » مقالات » هل من خشية وراء التهرب من الاستجواب في البرلمان العراقي؟

هل من خشية وراء التهرب من الاستجواب في البرلمان العراقي؟

تصاعدت حدة الصراعات والاتهامات بين أطراف القوى والأحزاب والكتل السياسية الحاكمة. وشهرت الأطراف كافة سلاح التهديد بنشر الملفات المحفوظة في دواليب هذه الأحزاب والكتل السياسية إذا ما أُجبرت على ذلك. ولكن السؤال الذي يطرحه كل إنسان عاقل هو: لماذا لا تنشر هذه الأحزاب مضامين تلك الملفات تلك الملفات خاصة وإنها تمس حياة الشعب ومصالحه وموارده المالية ومستوى عيشه مباشرة؟ علينا أن نساهم في الإجابة عن هذا السؤال.
في هذه التهديدات تبرز ثلاث مسائل لا بد من وضعها أمام القارئة والقارئ هي:
1. بدأت الأحزاب السياسية المشاركة في حكم البلاد منذ إسقاط النظام السياسي الشمولي في العراق بممارسة عملية رصد وتربص وجمع وتصنيف المعلومات والبيانات المتنوعة حول شخصيات الأحزاب الأخرى وتضعها في دواليبها لاستخدامها أو التهديد باستخدامها عند الحاجة.
2. إن شخصيات الأحزاب السياسية العراقية كافة المشاركة في الحكم لها اليوم ملفات منظمة تحوي على معلومات متنوعة حول مخالفات سياسية ومالية أو حتى إرهابية أو غيرها محفوظة في دواليب الأحزاب “الحليفة” أو “المؤتلفة” أو حتى شخصيات من أحزابها تستعين بها عند الحاجة.
3. إن التهديد بنشر الملفات وعدم نشرها يدلل على ثلاث مسائل أخرى:
أ‌. إن الجميع, أو الغالبية, متورط وبيوتهم من زجاج ويخشى بعضهم رمي الحجارة على البعض الآخر, إذ سيتلقى بالمقابل حجارة من الآخرين.
ب‌. وعلى هذا الأساس يخشى البعض من البعض الأخر أو الجميع يخشى الجميع, وبالتالي يمارس الجميع سياسية “تسكت عني, اسكت عنك”, “داريني, أداريك”!
ت‌. ونتيجة لهذا السكوت المتبادل يمكن أن تكون قد وقعت الكثير من الجرائم الكبيرة, سواء في حقل الفساد أو المشاركة في تنظيم أو توجيه عمليات إرهابية, كما كشف عن ذلك السيد رئيس الوزراء حين أشار إلى موضوع طارق الهاشمي. كما برز ذلك في التهديد المتبادل بين بعض قوى التحالف الوطني, حزب الدعوة ودولة القانون, والقائمة العراقية وكذلك مع التحالف الكردستاني لم نطلع على تفاصيل الملفات التي تم التهديد بها.
إن هذا الواقع الجاري خلف كواليس المسرح السياسي العراقي والمكشوف لجمهرة كبيرة من الناس الواعين يكشف عن طبيعة الحكم في العراق ومكوناته السياسية والمشكلات التي يواجهها.
ولا شك في إن هذه الحالة المأساوية هي جزء بسيط من عمق الأزمة الراهنة التي يمر بها الحكم ويعاني منها المجتمع ويزيد من تدهور حالة الدولة العراقية التي تعاني من تجاوز على الحريات العامة وعلى الحياة الديمقراطية المطلوبة للمجتمع.
صراعات الحكومة في واد, ومصالح الشعب العراقي وإرادته في وادٍ آخر, وما يجري بين الشعب والحكومة ليس إلا حوار بين طرشان.
حين تفاقم الصراع السياسي وهدد بنزاع سياسي فعلي, إذ جرى التهديد بـ”أشيلهم” أي أقلعهم, أو خوض الحرب ضدهم, وحين برز استعصاء حل الأزمة بين اطراف الحكومة المنفرط عقدها منذ تشكيلها الثاني, برزت المطالبة بسحب الثقة عن رئيس الوزراء, كما هدد رئيس الوزراء بسحب الثقة عن رئيس مجلس النواب. وحين توقف هذا الطلب قليلاً ليطرح موضوع استجواب رئيس الوزراء في البرلمان, استعصى على رئيس الوزراء الموافقة على حضور جلسة مجلس النواب وخوض الاستجواب. ولم يمض على ذلك سوى ايام قليلة حتى تراجع البعض عن الاستجواب وأشار إلى إنه لم يطالب بالاستجواب تماماً! ماذا يعني ذلك؟ لا يمكن للإنسان السوي أن يفهم هذا الموقف بغير الهروب الفعلي من الاستجواب ليس من جانب رئيس الوزراء فحسب, بل ومن جانب ذلك البعض الذي طالب ثم تراجع أيضاً. والعلة تكمن في تلك الملفات المحفوظة في دواليبهم كافة.
إن التربص المتبادل يعني غياب الثقة المتبادلة, ويعني الرغبة في الإيقاع المتبادل, ويعني وجود ما لا يجوز وجوده في السلوك العام للأفراد والجماعات والكتل والأحزاب السياسية.
إن وقائع الحياة الجارية في العراق تؤكد بأن الغالبية العظمى ستلجأ إلى التهدئة لا عن رغبة فعلية للتفاهم والتفاعل وخدمة الشعب, بل من أجل تجنب الفضائح التي يمكن أن تزكم الأنوف وتثير من الغرائب والعجائب ما لا يمكن تصوره.
سيكون الشعب شاهداً على ما يجري في مجلس النواب إن تم عقد الجلسة وتم القبول باستجواب رئيس الوزراء الذي سيحاول التملص مما يطرح عليه, ولكن إذا وجد نفسه في زاوية حادة وكشف الكثير من أوراقه وملفاته أو ملفات من جاوره أو قريب له…الخ, فإنه سيلجأ دون أدنى ريب إلى كشف أوراق وملفات الآخرين, وهي اللحظة المهمة للشعب العراقي لكي يعرف لمن أعطى صوته ووضع ثقته في المرات السابقة وكيف عليه ان يتعامل مع هذه الوقائع وما هو دور البرلمان في المحاسبة من جهة, وما هو دور القضاء العراقي من جهة أخرى في البرلمان من جهة ثانية, وما هو دور القضاء العراقي في التعامل مع هذه الملفات التي كشفت وتلك التي لم تكشف من جهة ثالثة. المثل العراقي يقول “بالعَبرة يبين أبو گروه”.
ليس فينا من لا يريد الاستجواب لأنه الطريق السليم للوصول إلى الشفافية المفقودة في العراق “الجديد!”, ومن يسعى للتملص منه ينطبق عليه مضمون المثل الشعبي العراقي القائل “اللي جوه ابطه عنز يبغج”.
1/7/2012 كاظم حبيب