الرئيسية » مقالات » خطاب للذوي العقول والألباب

خطاب للذوي العقول والألباب

كنتم من تكونون ,أنا لن أخاطب فيكم إنتمائاتكم على اختلافها , ولن أحاور في عقولكم مساحة الجهل على اختلاف ضيقها واتساعها , أنا أخاطبكم باسم رحم أمنا الأرض الذي يرتبط وجودنا بوجودها ما شاء الله وشاء خلودها, لا أحاور كم بصفتكم الحزبية , ففي هذا الزمن المصبوغ بلون الدم والمعتق برائحة الموت ,تخجل كل الإنتماءات وتنطوي على حزنها كل الإختلافات العرقية والفكرية والنفسية والوجودية على اختلاف ارضها وسمائها.
أحاوركم الآن فقط بصفتكم الإنسانية تلك الانسانية الجالسة وحدها تستغيث قومنا وهم لا يسمعون وإن سمعها أحد فشعر بها واقترب منها ومسح دموعها وعزّاها في شدائدها قال بنو قومنا منكم , إقضوا عليه فالحياة ليست للضعفاء معتقدين أن القوة تكمن في القتل والتنكيل والإرهاب الفكري, أحاوركم بحق الانسانية التي هي روح الألوهية على تلك الأرض . تلك الألوهية السائرة بين الأمم . المتكلمة بالمحبة . المشيرة إلى سُبل الحياة والناس يضحكون مستهزئين بأقوالها وتعاليمها , ولا أخفيكم سرا” بأنني أحن إلى بلادي لجمالها وأحب سكان بلادي لتعاستهم , ولكن إذا ما هبّ قومي مدفوعين بما يدعونه وطنية وزحفوا على جزء آخر من وطني وسلبوا أمواله وقتلوا رجاله ويتموا أطفاله ورمّلوا نساءه وسقّوا أرضه بدماء بنيه وأشبعوا ضواريه لحوم فتيانه ,كرهت إذْ ذاك بلادي وسكان بلادي وحكام بلادي.
أتشبّب لمسقط رأسي وأشتاق إلى بيت ربيت فيه , ولكن إن البيت الذي يضنّ بالخير على محتاجيه , لهو أحق البيوت بالهدم والخراب – أحب مسقط رأسي ببعض محبتي لبلادي – وأحب بلادي بقسمٍ من محبتي لأرض وطني . وأحبّ الأرض بكليلتي لأنها مرتع الانسانية الواقفة بين الخرائب المستمرة والمزابح الجماعية .
الإنسانية تنادي أبناءها بصوت يملأ الأثير كآبة وعويلاً وأبناؤها مشغولون عن ندائها بأغاني العصبية منصرفون عن دموعها بصقل قبضاتهم الإسمنتية وتلقين صواريخهم ليشوهو أكثر فأكثر سماء وأرض وطننا المكلوم بأبنائه
أخواني في الإنسانية :
معظمكم في قرارة نفسه يوافقني على ماسبق وذكرت لأنني لا أحاول مخاطبة مساحة السواد التي تغطي عيونكم بل أحاور تلك النقط البيضاء التي مازالت تلمع في عيونكم وعيون صغاركم ,و أحاول قدر الإمكان هدم الأسوار التي بناها المحتلون الحقيقيون من لبن التخلف والعنجهية والعبودية على على مدار أربعين عام والتي باتت تفصل حتى بينكم وبين ضمائركم الإنسانية وأقول لكم :
إنهضوا أيها العبيد فأنتم لا ترونهم كبارا” إلا لأنكم ساجدون والمرء إما أن يكون حرا” أو لا يكون
واعلمو بأن هناك فلك واحد شاءت الأقدار أن نقحم فيه… كرد كنا أم عرب أم ما شئنا نكون, هو فلك لا يتبع لأي أحد ولا ينحاز إلا لدماء الأطفال ودموع الثكالى وأغصان الورد والزيتون , إنهضوا وشرعوا أرواحكم للحق ,هدموا كل الجدران التي تفصلكم عن إنسانيتكم خدمة للفرد الزائل ,وعرضواأفكاركم العفنة لضوء الشمش التي لا يمكن أن تختبأ وراء غربال العبودية البالي منذ آلاف السنين وآلاف الحكام والطغاة والجاهلين أنظرو ما آل بنا وبأوطاننا.
في الدول المتحضرة كسروا روتين الحياة الهادئ والممل على الأرض فسعوا بكل عزم وإبداع لخلق حياة حقيقية على القمر ,بينما نحن مازلنا من تخلفنا ندق الدفوف كلما بان لنا القمر وكأنه إلهنا الثاني حسب بعض الأساطير الخرافية نحن حتى على الأرض لا نستطيع العيش بسلام وكرامة بل حتى الحيوانات في الآونة الأخيرة صارت تسعى لنيل شرف الشهادة وتهيأ نفسها للموت متى شاء الشبيح من أعداء صاحبها
أما أنا فأينما وجد الظلم فهناك وطني ,وأينما وجد العدل فهناك مسقط رأسي ولن أنحاز يوما” لظالم لا يفرق بين دم الأطفال وحساء المساء ..ولايفرق بين صوت المدافع وصوت البكاء.
دعوا قبضتكم جانبا” ….
لا بل أفتحوها يدا” مشرعة للحب على امتداد بعد النظر في أرواحكم النبيلة وتخيروا ماستطعتم من لغات الخطاب لديكم فالحروف أمانة وعجينة لينة بيد أصحابها ,تتشكل بأشكالهم الخارجية وتتلون حسب دواخلهم واعلمو بأن رائحة الحروف النتنة مآلها باطن الأرض كأصحابها, بينما تلك الحروف الجليلة الحرة ستبقى تحلق في السماء كأرواح كاتبيها , ولن يأسرها منصب لتتشكل على شكل كرسي أو يعتقلها شبيح لتنطق بما يهواه الجهلاء من بنو جلدتنا ,هي حروف تشبهني وأنا أحلق كالنسر بها في مجالي الحيوي الوحيد (حريتي ) , وسأبقى كالنسر الحر لا يحلق فوق المستنقعات ولا يقع على فريسة ميتة نتنة , خلقت حرا” من قبل ولادتي وسأموت كذلك ,ولن يصلبني جهلكم وعاركم وخوفكم على مزبح الوطن والتاريخ.
وطني أنا …يسكن معي .هنا..نحترق سويا” ..ننزف سويا”…لكنني وإياه نفتخر بأننا لله فقط راجعون …..لله فقط ندين ونسجد ونركع مع الراكعون …راجعون أنا ووطني بالرغم من كيد الحمقى ومجازر الساقطون كونوا معنا ….أنا ووطني سنكبر بكم فأنتم الجزء الآخر منا الأرض صغيرة بأعدائنا فلا تجزئوها …كونوا الجزء الأجمل فينا وسنحتضنكم على الرحب والسعة ولن نغتال حروفكم …ولن نعتقل أفواهكم …لكن نطالبكم فقط أن تكونوا (أنتم ), إجعلو لكم بيننا مساحة من الحب والإنسانية قبل أن يسرق الباقي منها أسيادكم ….أغتسلو بضوء الشمس وتعالو إلينا , نحن معكم وسنقبلكم كما أنتم ,كونوا ما شئتم لكن كونوا (أنتم ) وسنعود سوية فالله واحد والوطن للجميع

ارشفين ميكائيل فنان تشكيلي