الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق {حلاوة} الجعفري

سلاما ياعراق {حلاوة} الجعفري

للسيد إبراهيم الجعفري لغة خاصة عرفها الناس عنه حتى أصبحت بينهم مثلا. فحين نسمع أحدا يرد على صاحبه: أراك تتحدث مثل الجعفري، أو انك تستعمل “لغة الجعفري”، فانه يعني انه لم يعد يفهم أو يفقه قول محدثه.

في مرة كنا في حفل تكريمي لعالم آثار عراقي فاز بجائزة خاصة، أرتجل فيه احد الحاضرين كلمة “رنّانة”، وهو جالس على الطاولة. تكلم عن الآثار “وأبعادها” الثقافية والفكرية! وحين انتهى من كلمته سأل كاتبا عراقيا معروفا كان يجلس على الطاولة أيضا: ما هو رأيك بما قلته؟ أجابه: والله انك تحدثت مثل الجعفري بالضبط. فهمنا وفهم المتكلم ما قصده الكاتب. وأعتقد أنكم أيضا عرفتم القصد.
وذات يوم كنت في عمّان بصحبة مجموعة من الأصدقاء نتسكع بين المكتبات. وهناك رفع احد الأصدقاء كتاب “شفرة دافنشي”، وسألنا: شنو هذا الكتاب؟ أجابه احدنا: يعني “دافنشي كود”. أي وشنو؟ رد آخر: الشفرة أو “الكود” تستعمل لفك الرموز، مثل تلك التي نحتاج إلها لفك “رموز الجعفري”. ثم أضاف: بالمناسبة، تره همه كل واحد منهم “دافن شي”، والشفرة ضرورية لكشف المدفون.
في المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد الجعفري بصحبة السيد المالكي، قال: “عندما تستعصي المشاكل على الحل فإن كافة الخيارات الديمقراطية مفتوحة للجميع لكي لا نجعل الآخرين يستبدلون الخيارات المطروحة بخيارات أخرى”. والله العظيم قرأتها عشر مرات. وفككتها خمسا. وركبتها تسعا، فلم أصل إلى أي زبدة.
تركتها، بعد أن أعيتني الحيلة، لأقف عند قوله: “أما الخيارات الديمقراطية فهي حلاوة الديمقراطية”. أغرتني “حلاوة” هذه فتصورت أني فهمت المقصود بها. لكني سرعان ما اكتشفت بأنها ضاعت علي حقا.
قطعا أن “حلاوة” هنا تعبير مجازي إذ ليس معقولا أن يكون للديمقراطية مطبخ أو مطعم لبيع وتوزيع الحلوى. ولا هي “أم علي” فتصبح لها حلاوة تشتهر بها. إنها “حسجة” الجعفري الخاصة. ولأن “الحسجة” يختلف فيها المعنى الظاهر عن الباطن، صرت أقلب بواطن الأمور. فماذا وجدت؟
عندما تزوج جارنا الشاب في السبعينات دخل على زوجته ببدلته وخرج منها لابسا “دشداشة” بيضاء. ركضت أمه صوبه وصاحت: ها يمه بشر، أكلت “الحلاوة” لو لا؟ رد الابن: إي يمه أكلتها. هوّست الأم وهوّسنا معها: “عفية ابني الما هبّط راسي”. هذا نوع من الحلاوة المعنوية إن جاز أو “صح التعبير”.
والبغدادي عندما يجد احدهم يستغفله يرد عليه: اسمع لك، لا تاكل براسي”حلاوة”. وهناك مثل اسمعه دائما من أمي تضربه لمن يقول كلام حق ويقصد به باطلا: ” يسوّي حلاوة بجدر مزروف”.
إذن “الحلاوات” المعنوية أو المجازية مثل الحقيقية أشكال و “أرناك”. فعن أي منها كان الجعفري يتحدث؟ لا أدري بالضبط، لكن شيئا ما دفعني إلى أن أتذكر تلك “الحلاوة الديمقراطية” التي وزعت بالتواثي على المتظاهرين في ساحة التحرير، ليعودوا لأهلهم و “الحلاوة” مرسومة على ظهورهم بوضوح.
لا أستبعد ذلك، خاصة وأن السيد الجعفري صار، بفضل “حلاوة” الديمقراطية، يجوز له ما لا يجوز لغيره.

http://www.almadapaper.net/news.php?action=view&id=67164