الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الثالثة

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الثالثة




جيورجي ديمتروف
1882-1949


الفصل الثالث
الأمين للأممية البروليتارية



لقد برز ديمتروف ومنذ بداية نشاطه السياسي ، مناضلا من اجل السلام والتفاهم بين الشعوب عامة وشعوب البلقان خاصة وشارك في النضال الذي شنه الجناح اليساري للإشتراكيين ضد السياسة القومية للبرجوازية البلقانية .
وفي ذلك الوقت كان الحزب يؤمن بأن التحرر الوطني وتوحيد الشعب البلغاري وشعوب البلقان، يمكن تحقيقه فقط في إطار ديمقراطي يضم هذه الشعوب ويجنبها مخاطر الحروب ويحميها من مكائد الأمبريالية . إلا أن تطور الأحداث كان يسير في إتجاه آخر . فقد تلبدت سماء البلقان بغيوم الحرب ، واخذت التناقضات المعقدة بين بلدان المنطقة تطفو الى السطح ، وتمزقت تركيا شبه الإقطاعية المتخلفة بتناقضاتها الإجتماعية والوطنية والدينية الحادة ، وتصاعدت نضالات المنظمة الثورية لتحرير مكدونيا من اجل التحرر من مضطهديهم القدامى ، وكانت ذروة هذا النضال إنتفاضة بربو برازنيسكو عام 1903. واصبح وضع البلقان اكثر خطورة بسبب طموح الدول الرأسمالية في التوسع الاقليمي وإعادة تقسيم المنطقة .ومن اجل تحقيق هذا الغرض ، قامت الدول الإمبريالية بإستثارة دول البلقان بعضها ضد البعض الآخر وذلك بدعم النزعات الشوفينية فيها .

لقد إكتسبت الثورة في تركيا كوسيلة لحل التناقضات الإجتماعية والوطنية والدينية طابعا ضروريا، إلا أن ضعف القوى الديمقراطية في دول البلقان وطموح الدوائر البرجوازية الحاكمة فيها للسيطرة والهيمنة دفع بالتطورات في المنطقة بإتجاه الحرب . وبالإرتباط مع ذلك ، ابرمت عام 1912 إتفاقية ضد تركيا بين بلغاريا ، صربيا ، اليونان وموتينيغرو ، إلا أن هذه الإتفاقية باءت بالفشل ولم تحقق اهدافها بسبب تناقض مصالح الموقعين عليها .

إن خطر الحرب في المنطقة قرًب بين الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية في دول البلقان ، وعزز العلاقات بين جناح الإشتراكيين اليساريين البلغار والإشتراكيين الديمقراطيين الصرب ، ولعب ديمتروف دورا متميزا في تحقيق هذا التقارب حين شارك في كونفرنس الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية في البلقان الذي عقد خلال الفترة ما بين 25 ـ 27 كانون الأول ( ديسمبر) 1909 في بلغراد عاصمة صربيا .وقد أدان الكونفرنس البرجوازية والملكية في دول البلقان واعتبرها ادوات بأيدي اللصوص الإمبرياليين ، وناشد الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية النضال ضد اولئك الذين يحاولون إثارة العداء بين شعوب البلقان،كما طالب هذه الشعوب بتحقيق التقارب والرخاء بينها .

وبعد إنتهاء اعمال الكونفرنس ، رافق ديمتروف ديمتر بلاغوييف في زيارته لمدينة كراغويفاتس، حيث أستقبلا بحفاوة ونُظم على شرفهما مهرجان جماهيري كبير . وعلى ضوء قرارات الكونفرنس ، قام ديمتروف بنشاط مكثف من اجل توحيد جهود الإتحادات النقابية البلقانية ،لاسيما وقد سبق التوصل عام 1911 الى إتفاق بين الإتحاد العام لنقابات العمال والإتحادات النقابية الصربية لتنسيق نضالها ضد الإستغلال الرأسمالي .
في عام 1912، شارك ديمتروف ضمن الوفد الذي إنتدبه حزب الإشتراكيين اليساري البلغاري الى مؤتمر الحزب الإشتراكي الديمقراطي الروماني ، والقى خطابا فيه قوبل بالإرتياح الكبير من قبل المندوبين . ففي خطابه هذا ، اكدً ديمتروف على البروليتاريا البلقانية ان تتوحد وان تحول بلدانها الى قوة حقيقية تتصدى لإنتهاكات الأمبريالية . وإستطاع ديمتروف ان يقيم علاقات متينة مع الإتحادات النقابية الرومانية،وساهم بنشاط في إجتماعاتها مما دفع البوليس الروماني الى إلقاء القبض عليه وتسفيره من رومانيا .

وعند عودته الى بلغاريا، بدأ ديمتروف ينشر “ رسائل من رومانيا “ ليطلع الجماهير التقدمية في بلاده بعض الحقائق الخاصة بأوضاع الإتحادات النقابية والحزب الإشتراكي الديمقراطي في البلد الجار .
لقد عارضت الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية في دول البلقان بشدة السياسة القومية للبرجوازية والملكية فيها ، إلا أن القوى الثورية لم تكن قادرة على إسقاط هذه السياسة الشوفينية والحيلولة دون إندلاع الصدام المسلح .
في الخامس من تشرين الأول ( اكتوبر ) ، بدأ الحلفاء البلقانيون حربهم ضد الأمبراطورية العثمانية . وللطبيعة التقدمية التحررية لهذه الحرب ، إندفع الجنود يقاتلون المحتلين الأتراك ، وإستطاع الجيش البلغاري أن يحرز إنتصارات رائعة في “ لوزلينغراد “ و “ برغاس “ و” ادريانوبلي “و بدولابر “ . وتحررت خلال هذه الحرب معظم اجزاء شبه جزيرة البلقان التي كانت تحت سيطرة الحكم التركي ، وتحطمت اغلال الإضطهاد الإجتماعي والقومي .

واعقب ذلك مباشرة تصاعد حدة النزاعات الاقليمية بين الدول المتحالفة وتعكرت العلاقات بينها الى حد اصبح من المتعذر تجنب الصدام بينها . وفي هذه اللحظلت الحرجة من تاريخ الشعب البلغاري، رفع حزب الإشتراكيين اليساري ومن منطلقه الأممي شعاراته من اجل السلام وإقامة إتحاد فيدرالي لدول البلقان .

لقد تعطلت اعمال الحزب والإتحاد النقابي بسبب إستدعاء اغلبية القياديين في حزب العمال الديمقراطي البلغاري والإتحاد العام لنقابات العمال للخدمة في الجيش . كما واغلقت دائرة الرقابة على المطبوعات صحيفة “رابوتينشيسكي فيستنك “ . وبذل ديمتروف جهودا جبارة من اجل إعادة صدور الصحيفة لسان حال الحزب .وبفضل نضاله الدؤوب ، عاد إتحاد النقابات الثورية الى العمل ، وبشكل تدريجي تعزز الترابط بين المركز والمنظمات المحلية ، وتمً إنتداب مناضلي المقاطعات لحضور عدد من المؤتمرات ، ونظمت النقابة حملة لجمع التبرعات لمساعدة عوائل اعضاء الحزب واعضاء النقابة الذين تمً إستدعاؤهم للخدمة في الجيش أو الذين سقطوا صرعى في الحرب . ونظرا لوضع النقابات البلغارية الصعب ، ناشد جيورجي ديمتروف سكرتارية إتحاد النقابات العالمي مساعدة النقابات البلغارية ، وبهذا الخصوص وجه نداءا الى النقابات الروسية ، نُشر في صحيفة البرافدا، لسان حال الحزب البلشفي . وإستجابة لهذا النداء ، نُظمت حملة في روسيا لجمع التبرعات لمساعدة النقابات البلغارية .

وشرح ديمتروف للجماهير دون كلل ، آراء الجناح اليساري للإشتراكيين وفضح المواقف المخزية لإحزاب البرجوازية والبرجوازية الصغيرة ، ودعا المناضلين البواسل الى تحرير الطبقة العاملة وتوجيه نضال شعوب البلقان ضد البرجوازية والملكية . وكما أشار ديمتروف بأن المهمة التي واجهت الشغيلة انذاك هي ليس فقط الموت من اجل مصالح الشعب ، بل ومن اجل الوحدة ايضا . ” … دعونا نتهيأ بكل طاقاتنا لحرب تحرير تضمن لنا سلاما دائما ، وحرية وسعادة لجميع الشعوب بدلا من الموت والدمار الذي يسببه المغامرون العسكريون في الوقت الحاضر . ” ( 1)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 2 ، ص 310


وقد اثبتت تحذيرات الحزب صحتها ، حين إندلعت الحرب البلقانية الثانية في 16حزيران ( يونيو ) 1913 وكانت حربا غير عادلة ولصوصية واجهت فيها بلغاريا اول كارثة وطنية ، اذ تمُ إقتطاع “ ماسيونيا “ وادريانوبلي “ واقليم “ دوبروودجا “ الجنوبي منها وتشرد نتيجة ذلك آلاف اللاجئين القادمين من المقاطعات المنتزعة .
وعند إنتهاء الحرب لم يتوقف النضال من اجل السلم والإتحاد الفدرالي للبلقان ، لأن شعوب البلقان بقيت مهددة بنكبات جديدة . وبفضل الشعارات الواقعية التي رفعها حزب الإشتراكيين اليساري في ذلك الوقت ، تنامت قوته وهيبته وإزداد تأثيره في صفوف الجماهير . وشن مناضلو الحزب بقيادة ديمتروف نضالا متعاضما ضد البرجوازية والملكية وتمكن الإتحاد العام لنقابات العمال بقيادة جيورجي ديمتروف من ان يستعيد المكانة التي كان يحتلها عشية الحرب .

وفي عام 1913 أحرز حزب الإشتراكيين اليساري إنتصارا كبيرا بفوز مرشحوه في الإنتخابات البرلمانية ، وحصل الحزب على 18 مقعدا في الجمعية الوطنية ـ ولأول مرة يتم إنتخاب ديمتروف نائبا في الجمعية الوطنية .ومن على منبر هذا البرلمان ، شجب ديمتروف الهيمنة الطبقية للبرجوازية ودافع بحرارة عن مصالح العمال . وأنتخب ديمتروف سكرتيراللمجموعة البرلمانية للإشتراكيين اليساريين والتي كان يرأسها ديمتر بلاغوييف .

لقد طالبت المجموعة البرلمانية للإشتراكيين اليساريين بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة الوطنية ، وإعلان العفو العام عن الجنود والضباط الذين صدرت بحقهم احكاما خلال الحرب . وعند حضور الملك فيرديناند للمشاركة في حفل إفتتاح الجمعية الوطنية ، قابلته هذه المجموعة البرلمانية بالهتافات الغاضبة : ” ليسقط قاتل الشعب “ و” لتسقط الملكية “، ثم غادرت المجموعة القاعة إحتجاجا على حضور الملك . وبسبب هذا الموقف ، لم يستطع الملك من إلقاء خطابه في الجمعية ، وخرج من القاعة شاحبا يرتجف حقدا وضغينة . ومنذ تلك اللحظة وحتى نهاية حكمه ، لم يقو الملك المتغطرس على الظهور ثانية امام الجمعية الوطنية .

و بسبب فشلها في ضمان الأغلبية في الجمعية الوطنية ، قامت حكومة رادوسلافوف الرجعية والمرتبطة بالإمبريالية الألمانية والنمساوية بحل الجمعية الوطنية وإجراء إنتخابات جديدة تضمن لنفسها فيها الفوز بأغلبية المقاعد . ولهذا وعشية الإنتخابات بدأت تصعد من حملات القمع والإرهاب والقت القبض على مرشحي الجناح اليساري للإشتراكيين ـ ولم يسلم ديمتروف نفسه من البطش ، إلا أن ذلك لم يمنعه من التنقل في ارجاء البلاد وإلقاء الخطب لرفع معنويات الشعب .

وفي 8 كانون الثاني ( يناير ) 1914 ، قام البوليس بمهاجمة إجتماعا إنتخابيا في “ بابالاسلاتنا “ وملاحقة جيورجي ديمتروف ، بحجة تحريضه للمواطنين على التمرد . وفي الثاني من شباط ( فبراير ) 1914 أُلقي القبض عليه في “ بيركوفتسا “ وحدد القضاة في “ فراتس “ كفالة بمبلغ ثلاثة آلاف ليفا ( يُعتبر ذلك مبلغا كبيرا في تلك الأيام )، كما حُكم على ديمتروف بدفع غرامة مقدارها خمسمائة ليفا اتعاب ملاحقة من قبل مختار قرية “ لابدتيرود “ الذي رفع ضده دعوى قذف ! إلا أن ذلك لم يُضعف نشاط ديمتروف وحرصه على تجنيد طاقته للفوز في الحملة الإنتخابية والدفاع عن حقوق العمال . وقد علق على ذلك في رسالة بعثها الى زوجته قائلا : ” من ينشد حياة هادئة ينبغي الا يكون مسوؤلا اشتراكيا ديمقراطيا ، ان هذه الصعوبات لن تخيفنا . ” ( 2 )

و تمكنت الحكومة بالتزوير والإرهاب من تأمين الأغلبية في الجمعية الوطنية الجديدة ، وحصل الجناح اليساري للإشتراكيين على احد عشر مقعدا ، اي اقل مما حصل عليه في الجمعية السابقة ، وأُعيد إنتخاب ديمتر بلاغوييف لرئاسة المجموعة البرلمانية للجناح اليساري للإشتراكيين ، فيما أُنتخب جيورجي ديمتروف سكرتيرا لها .

في الثلاثين من ايار ( مايو ) 1914 وبقرار من محكمة مقاطعة صوفيا تمً تعيين ديمتروف عضوا في المجلس البلدي للمدينة ، خلفا لعضو الحزب ديمتر مونوف الذي قُتل في حرب البلقان الثانية، ، كما وأعيد إنتخابه الى هذا المنصب في مايو 1915 .

وفي تلك الفترة تقدم الجناح اليميني للإشتراكيين بطلب لتوحيد مركزي العمل النقابي على اسس الحياد السياسي ، وكان يبغي من ذلك عزل الجناح اليساري للإشتراكيين عن العمال وإضعاف هيبته وتأثيره عليهم .
لقد نال ديمتروف ثقة كبيرة بشجبه الآراء الإنتهازية التي نادى بها الجناح اليميني للإشتراكيين حول مسألة الوحدة النقابية ، وكتب عدة مقالات حول هذا الموضوع اكدً فيها ان الجناح اليساري للإشتراكيين هو اول من دعا الى وحدة الإتحادات النقابية للطبقة العاملة البلغارية وضرورة تحويلها الى منظمات جماهيرية قوية ، وبذل ديمتروف جهوده من اجل تطبيق هذه الأفكار من خلال الإئتلافات التي اقامها مع مختلف النقابات خلال مرحلة الإضرابات العمالية الواسعة، كما حدث في إضراب عمال المطابع عام 1910 ، وإضراب عمال السكاير عام 1914 في زانتي ، حيث توحد عمال السكاير تحت لواء نقابتهم ، وهي من النقابات المحايدة ــ لقد ساند الإتحاد العام لنقابات العمال ، العمال المضربين في هذه النقابة إحتجاجا على نقض الرأسماليين للعقد الذي كان ساري المفعول قبل الحرب واثناء الحكم العثماني ، وقدم لهم العون في نضالاتهم التي تكللت بالنصر ، وإستعاد العمال المكاسب التي جرت المحاولة لمصادرتها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) ج ديمتروف ، الرسائل (1905 ــ 1949 ) صوفيا ، 1962 ص 52


وبصدد الوحدة النقابية للطبقة العاملة البلغارية، أكدً جيورجي ديمتروف مرارا بأنه لايمكن لهذه الوحدة ان تتحقق إلا تحت راية الإشتراكية الثورية وكتب يقول : ” إن المهمة الأولى لحزب العمال الإشتراكي الديمقراطي والإتحاد العام لنقابات العمال هي تحقيق وحدة البروليتاريا البلغارية بأسرها على اساس الصراع الطبقي المستقل . ” ( 3 )

هذا هو موقف ديمتروف الذي لن يحيد عنه قط ـ كما واكدً ديمتروف ان الصراع الطبقي المستقل لايعني الحياد السياسي ، من النوع الذي يدعو اليه الجناح اليميني للإشتراكيين ، بل هو الإرتباط الوثيق بالحزب الماركسي الثوري للبروليتاريا البلغارية ، الإرتباط الذي اكتسب بفضله الإتحاد العام لنقابات العمال القوة والتطور بينما عانت النقابات الإصلاحية من النزق الداخلي الذي زادها ضعفا وافقدها بالتدريج اي نفوذ في صفوف العمال .
إن الخلافات حول الوحدة النقابية بين الجناح اليساري والجناح اليميني للإشتراكيين طُرحت على إتحاد النقابات العالمي وعندئذ إتخذ المكتب العالمي قراره القاضي برفض طلب الإنتماء الذي قدمه الإتحاد العام لنقابات العمال ، وذلك لأن سبق وان أقر قبل ذلك عضوية المركز النقابي الحر .هذا في حين ان لوائح المكتب لا تسمح بإنضمام اكثر من إتحاد نقابي واحد من كل بلد الى عضوية إتحاد النقابات العالمي . وفي ضوء هذا الموقف إقترح إتحاد النقابات العالمي على الإتحادين في بلغاريا الإندماج بالرغم من وجود حزبين إشتراكيين يقودان عمليا كل من الإتحادين . و كانت هذه التوصية كافية لإرضاء الجناح اليميني للإشتراكيين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 3 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 2 ص 154

كما وطُرحت مسألة وحدة الحركة النقابية مجددا على الكونفرنس الثامن لإتحاد النقابات العالمي الذي عُقد في بودابست للفترة بين 28ــ 29 تموز ( يوليو ) 1912، وحضر هذا الكونفرنس كل من فاسيل كولاروف وجيورجي ديمتروف كممثلين عن الإتحاد العام لنقابات العمال . وقدم ديمتروف تقريرا خاصا باللغة الألمانية حول الحركة النقابية في بلغاريا، نُشر فيما بعد باللغة البلغارية . وفي هذا التقرير ، اورد سكرتير الإتحاد العام لنقابات العمال حقائق عديدة تبين بشكل مقنع ان النقابات الحرة حيادية لفظا فقط ، اما في الواقع فانها تخضع لسيطرة الجناح اليميني للإشتراكيين ، وهذا هو سبب نكساتها المتواصلة وإنحلالها . اما الإتحاد العام لنقابات العمال وفروعه في البلاد ، فعلى العكس من ذلك ، قد تطور وإزداد نضجا وقوة ، بفضل الروابط الوثيقة التي حافظ عليها مع حزب الجناح اليساري للإشتراكيين . وكما اكد ديمتروف “ ان هدا الترابط الطبيعي المتين بين جناحي حركة الطبقة العاملة في بلادنا هو الضمانة الوحيدة لتطور الحركة النقابية والوحدة الطبقية للبروليتاريا البلغارية . ” ( 4 )

لقد كان تفوق الإتحاد العام لنقابات العمال في الكونفرنس واضحاً ، مما اضطر قادة إتحاد النقابات العالمي الى الإعتراف بذلك ، رغم تعاطفهم مع الإصلاحيين البلغار . وتمً التوصل الى قرار بإبعاد إتحاد النقابات اليميني من إتحاد النقابات العالمي ، ولكن دون إحلال الإتحاد العام لنقابات العمال محله . ومنح الإتحاد فترة سنتين لتحقيق الوحدة التنظيمية . وأشار جيورجي ديمتروف الى ان القرار كان احادي الجانب لأنه لاتوجد مساواة بين الإتحادين ، ولايمكن الحديث عن إندماجهما دون اخذ خصائصهما بالإعتبار ، ومع هذا فقد اعتبر ديمتروف مسألة سحب عضوية الإشتراكيين اليمينين من إتحاد النقابات العالمي حلا إيجابيا للمشكلة . وهكذا حُرمت النقابات الحرة من إمكانية الإستفادة من مكانة المنظمة العالمية في دعايتها بين البلغار .

ومما هو جدير بالملاحظة ان الكونفرنس النقابي المنعقد في بودابست لم يحرز اي تقدم على طريق توحيد الحركة النقابية في بلغاريا،وفشل ايضا حتى في تحديد اسس هذه الوحدة . إن الموقف المتعارض حول حول مسألة الصراع الطبقي الثابت جعل الجناح اليساري للإشتراكيين يتحفظ على اي تعاون مع جناح الإشتراكيين اليمينيين ، وقد اوضح ديمتروف في عدد من المقالات نُشرت في صحافة الحزب النقابية انه لايمكن إختزال مهمات الإتحاد العام لنقابات العمال وإرجاعها الى مفاوضات غير مثمرة حول الاندماج مع مركز نقابات الجناح اليميني، كما نصح بذلك قادة إتحاد النقابات العالمي ، وكتب يقول : ”الآن وبعد كونفرنس بودابست ، فإن مهمتنا تتلخص في تعميق وعي جماهير الطبقة العاملة غير المنظمة ، ووحدتها التامة تحت راية الإشتراكية الديمقراطية في صفوف نقاباتها . ” ( 5 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 4 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 21 ص 426
(5 ) ج. ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 1 ص 491

وبعد الحرب البلقانية ( 1912 ـ 1913 ) ، اخذ إتحاد النقابات العالمي يضغط من جديد على الإتحاد العام لنقابات العمال ، لقبول توصيته بالإندماج مع النقابات الإصلاحية ، وقام بإعتماد مبلغ 70 الف مارك لتنشيط المنظمات النقابية في بلغاريا ، وصرح قادة المركز النقابي العالمي انه لايمكن للنقابات البلغارية إستلام المبلغ إلا في حالة إندماج الإتحادين النقابيين . وبالرغم من ان الإتحاد العام لنقابات العمال كان في ازمة مالية وبحاجة الى مساعدة عاجلة ، إلا ان جيورجي ديمتروف أكدً بأن ذلك لايمكن ان يجبر الجناح اليساري للإشتراكيين على التخلي عن مواقفه من مسألة وحدة النقابات . واوضح بأن على الإتحاد العالمي مساعدة الإتحاد العام لنقابات العمال دون اية شروط مسبقة إذاا كان ينطلق من رغبة صادقة لمساعدة الطبقة العاملة البلغارية لاسيما وان الإتحاد العام لنقابات العمال قد أثبت حيويته وفاعليته اثناء الحروب البلقانية .

لقد خضعت النقابات الثورية بقيادة جيورجي ديمتروف للإختبار الجدي مرتين ، الأولى في الكونفرنس العالمي في فينا والثانية خلال زيارة كارل ليجن الى بلغاريا. وفي كلتا الحالتين ، كان جيورجي ديمتروف يدافع بكل طاقته عن مباديء الجناح اليساري للإشتراكيين .

في الكونفرنس الذي عُقد في فينا في 27 ايلول ( سبتمبر ) 1913، وضم ممثلين لنقابات بلغاريا وبلاد الصرب ، قدم ديمتروف تقريراحول وضع إتحاد نقابات العمال إقترح فيه عدم ربط تقديم الإعانات بمسألة الوحدة، لأن لايمكن للنقابات في بلغاريا ان تتوحد قبل ان تتوفر المقدمات اللازمة لذلك . إلا أن مندوبو الجناح اليميني للإشتراكيين وفضوا هذا الإقتراح وأصروا على ضرورة التنفيذ الفوري لتوجيهات الإتحاد العالمي ، كما وان الكونفرنس هو الآخر ربط المسألتين معا ، وبذلك إقتصرت المناقشة على مسألة وحدة النقابات في بلغاريا .

لقد كان ضغط الإتحاد العالمي شديدا جدا ، إلا ان ديمتروف اصرً على موقفه حتى النهاية . وفي الكونفرنس والتقارير التي نُشرت عنه ، اكدً قائد الإتحاد العام لنقابات العمال وبوضوح تام على ان وحدة النقابات في بلغاريا لايمكن تحقيقها إلا على اساس المباديء الثابتة للصراع الطبقي، وان مناقشة قضية الوحدة يمكن ان تجري فقط بين نقابات المهن المختلفة في بعض المدن ( صوفيا ، بلوفدف ، فارنا ومدن اخرى )، حيث إستطاع حزب الجناح اليميني للإشتراكيين من إعادة تأسيس منظماته . كما واصرً ديمتروف على ضرورة إرتباط الإتحادات الموحدة بالإتحاد العام لنقابات العمال والذي يقوده حزب الجناح اليساري للإشتراكيين . وبكلمة اخرى ، فقد وافق ديمتروف ان يكون هناك نقاشا حول الوحدة فقط مع الإتحادات النقابية الأصلاحية التي إتخذت موقفا ماركسيا . وكانت تلك وجهة نظر سليمة ، لكن الجناح اليساري للإشتراكيين لم يقدم مساعدات كافية للنقابات الحرة لإتخاذ موقف حقيقي ، مما ادى الى فشل جهوده لتحقيق الوحدة النقابية في بلغاريا .
وإستمرارا لضغطه على الإتحاد العام لنقابات العمال ، ارسل إتحاد النقابات العالمي كارل ليجن ، احد قادته ، الى صوفيا في نيسان ( ابريل ) 1914 واعلن عند وصوله صوفيا بأن مهمته متواضعة وانه يرغب في الإطلاع بنفسه على الوضع الحقيقي وعندها سيقترح على إتحاد النقابات العالمي الإعتراف بالجانب الأقوى والأكثر فاعلية . وبذل ليجن جهده لكسر مقاومة الجناح اليساري للإشتراكيين ، وذهب الى القول بأن المهمة الاساسية للنقابات هي النضال من اجل رفع المستوى المعيشي والثقافي للطبقة العاملة ، لذا عليها الإمتناع عن ممارسة الأنشطة السياسية . وإنطلاقا من هذا ينبغي على النقابات ان تكون مستقلة ومحايدة في موقفها من الحزبين . ويتضح ان موقف ليجن لايختلف عن موقف الجناح اليميني للإشتراكيين إلا قليلا .

لقد رفض جيورجي ديمتروف المباديء الأساسية لموقف ليجن ، وصرح بأن الإتحاد العام لنقابات العمال ليس بحاجة الى مال ، بل بحاجة الى الدعم المعنوي من قبل إتحاد النقابات العالمي . وبعد ان تأكد من إنتهازية ليجن ، ذهب ديمتروف الى القول بأن مسألة التوحيد لايمكن حلها من قبل إتحاد النقابات العالمي . وتفاديا من تعطيل المفاوضات ، إقترح ديمتروف عقد مؤتمر عام تخضع نسبة التمثيل فيه الى القوة العددية لكلي الإتحادين ، وقام بتحديد سمة وتكتيكات الإتحاد النقابي الموحد وموقفه من الحزبين ــ الجناح اليساري والجناح اليميني للإشتراكيين ، كما واكدً ديمتروف ايضا بأن الإندماج بين الإتحادين ينبغي ان يتم على اساس الوحدة السياسية والنقابية لمنظمات البروليتاريا، وإستنادا الى المباديء الأممية لحركة الطبقة العاملة .

لقد رفض ممثلوا النقابات الاصلاحية مقترحات ديمتروف لأنهم على يقين بأنهم سيشكلون الأقلية في المؤتمر العام ، وهنا ينهي ليجن النقاش ويعترف صراحة بفشل مهمته .

وبالرغم من فشل مهمة ليجن ، إستمرت قضية توحيد النقابات تشغل تفكير الطبقة العاملة . كما أن ردود الفعل داخل النقابات الإصلاحية اصبحت أقوى ، وبدأ عدد كبير من اعضاء هذه النقابات بترك الجناح اليميني للإشتراكيين بعد ان اتضحت لهم إنتهازيته واشتراكيته الشوفينية .

وخضع إخلاص ديمتروف للماركسية وللأممية للإختبار من جديد عنما اندلعت الحرب العالمية الأولى في آب ( اغسطس )1914بسبب التناقضات بين القوى الأمبريالية التي إنقسمت الى كتلتين متخاصمتين : الحلفاء ( فرنسا ، انكلترا ، روسيا ) وقوات المحور ( المانيا ، النمسا ، هنكاريا ) كما تورطت دول اوربية اخرى في هذه الحرب التي إكتسبت طابعا اوربيا ثم طابعا عالميا .لقد كانت هذه الحرب غير عادلة ولصوصية ، شُنت من اجل إعادة تقسيم المستعمرات والهيمنة العالمية والتفوق .لكن الدوائر الحاكمة إضطرت للتصريح بأنها تقاتل من اجل الحرية والإستقلال والديمقراطية لتكسب تأييد الجماهير .

وعندما إندلعت الحرب العالمية الأولى، صرًحت الحكومة البلغارية بأن بلغاريا ستحافظ على حيادها ، لكنها في الواقع كيفت نفسها بإتجاه قوات المحور ، في الوقت نفسه صرًحت البرجوازية ومعها المزارعين والجناح اليميني للإشتراكيين بوقوف البلاد مع الحلفاء

لم يكن هناك موقف مبدئي لدى الإصلاحيين البلغار، عندما تخلى قادتهم عن إلتزاماتهم الأممية وخانوا الماركسية ، وتحولوا الى ادوات بيد برجوازية بلدانهم ، رافعين الشعارات المنافقة “ الدفاع عن الوطن “ و “السلم المدني “ . كانت تلك اياما صعبة بالنسبة لحركة الطبقة العاملة العالمية ، لكن البلاشفة في روسيا بقيادة لينين ، شنوا نضالا ثابتا ضد الحرب الامبريالية والشوفينية ورفعوا الشعار “ حولوا الحرب الامبريالية الى حرب اهلية “ . وبالتدريج التفت جميع القوى الإشتراكية ، التي بقيت وفية للماركسية ، حول البلاشفة وبطريقة مماثلة إجتاز الجناح اليساري للإشتراكيين هذا الإختبار الجديد بنجاح عظيم . ورغم انه لم يتسلح بعد بالكنوز الفكرية التي طور بها لينين الماركسية ، لكن الحزب اثبت بالممارسة انه حزب بروليتاري اممي حقيقي . ومنذ بداية الحرب ، ابدى الحزب تعاطفه مع البلاشفة وجميع الإشتراكيين الديمقراطيين ، الذين بقوا اوفياء للمباديء الماركسية الثورية ، وعارض السياسة التي تقود الى توريط بلغاريا في الحرب مع اي من الجانبين وأصرً على بقاء بلغاريا محايدة لتساهم في إيجاد التسوية السلمية وحل الخلافات بين دول البلقان .

وكإشتراكي يساري حقيقي ، إتخذ ديمتروف موقفا امميا ، فكرس كل فكره ومشاعره في حملات حزبه المعادية للحرب ، وفي الإجتماعات العامة كان يلقي الخطابات التي تنادي بشعارات الجناح اليساري : ” تسقط الأحكام العرفية “ ، “ يعيش السلام بين الشعوب “ ، “ تسقط الرقابة على المطبوعات “ ، “ تعيش جمهورية البلقان الفيدرالية “ .

كان ديمتروف في الصفوف الأمامية للإشتراكيين اليساريين الذين يناضلون من اجل السلام ومن اجل جمهورية البلقان الفيدرالية .ومرة تلو الأخرى كان ديمتروف يهاجم سياسة الحكومة حين إعتمدت نفقات عسكرية اضافية. وفي التاسع عشر من تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1914، القى خطابا مهما في الجمعية الوطنية ونيابة عن المجموعة البرلمانية للجناح اليساري للإشتراكيين ، عارض هذه الإعتمادات لأنها تنذر بمستقبل خطير للشعب . وفي الوقت نفسه اكدً حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري بانه لن يعارض اي إتفاق يضمن استقلال بلغاريا وسياستها : ” … في مناسبات عدة اعلنا نيابة عن مجموعتنا ، نحن الإشتراكيون الديمقرطيون ، وقوفنا ضد الحرب ، لكن عندما تكون وحدة ارض بلادنا وإستقلالها مهددة ، فنحن مستعدون للتضحية من اجل إستقلال بلادنا وحريتها … ولكننا لسنا على إستعداد للتضحية بقرش واحد ولا بقطرة دم واحدة في سبيل سياسة تؤدي الى دمار بلغاريا، وليس لحريتها واستقلالها . هذه هي فكرتنا الأساسية وهذا هو موقفنا المبدئي . ” ( 6 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 6 ) التقارير الرسمية لمحاضر الجمعية الوطنية الإعتيادية ، الإجتماع الإعتيادي الأول ص 484



وكما هو واضح ، فإن الجناح اليساري للإشتراكيين لاينكر ان البلد الرأسمالي في عصر الأمبريالية ، قد يصبح ضحية العدوان الخارجي ويكون مجبرا على شن حرب عادلة للدفاع عن إستقلاله الوطني ووحدة اراضيه .وفي حالة الحرب العادلة ، سيقاتل الإشتراكيون الديمقراطيون بضراوة لصد المعتدي . وهذا الموقف قريب من مفاهيم لينين .

ووفاءا لإلتزاماته الأممية ،وبصفته السكرتير العام لإتحاد نقابات العمال ، عني ديمتروف بتنظيم إتحاد نقابات الصرب ، وحوًل ثلاثة آلاف مارك ، كان قد إستلمها من إتحاد النقابات العالمي ، الى النقابات الصربية التي كانت في محنة . وبإعتباره عضوا في المجموعة البرلمانية، شارك ديمتروف “ رادنيشكي نوفن “ لسان حال الحزب الإشتراكي الديمقراطي الصربي في حملة لجمع التبرعات للمندوبين الإشتراكيين الديمقراطيين الروس ، الذين تمً إبعادهم الى سيبريا . وفي إجتماع حزب الجناح اليساري للإشتراكيين الذي عُقد في صوفيا في الثاني والعشرين من شباط ( فبراير ) 1915، قدًم ديمتروف حلا يتضمن الشعارات الأساسية للحزب .

وأُنتدب جيورجي ديمتروف الى الكونفرنس الثاني للإشتراكية الديمقراطية البلقانية ، الذي عُقد في الخامس وحتى الثامن من تموز ( يوليو ) 1915 في بوخارست . كما أُنتخب الى اللجنة المكلفة بوضع مسودة القرار حول إقتراح إقامة إتحاد إشتراكي ديمقراطي بلقاني ، لتعزيز التعاون بين الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية البلقانية ، وتقرر ان تكون بوخارست مركز اللجنة التنفيذية للإتحاد .

لقد ثمنً ديمتروف عاليا اعمال الكونفرنس واكدً بأن الإشتراكية الديمقراطية في البلقان وفية لمباديء الصراع الطبقي وعارضت الشعار الخائن “ السلام المدني “. لقد كان الكونفرنس إنعكاسا لإرادة البروليتاريا البلقانية في محاولتها لإعادة بناء الأممية على اسس الإشتراكية الثورية والأممية البروليتارية ، وارسل الكونفرنس التحيات النضالية الى كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبرغ ، مجسدا بذلك التضامن مع جميع المناضلين البروليتاريين الذي بقوا اوفياء للماركسية .

وفي الرابع عشر من تشرين الأول ( اكتوبر ) 1915 ، جرً الملك فرديناند حكومة راوسلافوف بلغاريا الى الحرب ،وارغم الشعب على إراقة دمه من اجل مصالح الإمبريالية الألمانية .
وأصدرت المجموعة البرلمانية للجناح اليساري للإشتراكيين عددا من الكراريس تتعلق بالتعبئة العامة ، مما دفع بالسلطات الى رفع قضايا ضد اعضائها . لقدكشفت هذه الكراريس موقف الحزب المعادي للحرب وللإمبريالية . كما واكدً مندوب الجناح اليساري للإشتراكيين في البرلمان قائلا : ” … لايوجد شيء يفصل شعوب البلقان ، لكن المصالح الرأسمالية والسلالية للطبقات الحاكمة هي التي ارغمتها على خوض هذه الحروب المدمرة . إن نجاة بلدان البلقان والبلدان الأوربية من ويلات الحرب العالمية تكمن في هزيمة الرأسمالية ووليدتها الإمبريالية والتسلط العسكري . وهذا لايمكن تحقيقه إلا بالصراع الطبقي للبروليتاريا في جميع البلدان ، على اساس تضامنها الأممي . نحن نمد يد العون الأخوي الى عمال صربيا ، رومانيا ، اليونان وتركيا . ”

وحالما انتهت الحملة ضد صربيا _ خريف 1915 )، طلبت حكومة رادوسلافوف من الجمعية الوطنية المصادقة على الإعتمادات المطلوبة لمواصلة الحرب . وسارعت الكتل البرلمانية لجميع احزاب المعارضة ما عدى كتلة الجناح اليساري للإشتراكيين بمنح ثقتها للزمرة الحاكمة . فقد رفضت كتلة الجناح اليساري للإشتراكيين والتي يرأسها ديمتر بلاغوييف ،التجاوب مع إقتراحات الحكومة وصوتت بالإجماع ضد النفقات العسكرية .
ومرة اخرى اكدً الجناح اليميني للإشتراكيين تخليه عن مباديء الأممية البروليتارية من خلال ممثليه في البرلمان الذين لم يجرؤوا على تأييد الحكومة علانية ، بل احجموا عن التصويت بدعوى انهم غير راغبين في عمل اي شيء قد يُضعف من “ مظهر القوة الوطنية “ . فهم بموقفهم هذا وضعوا انفسهم في صف البرجوازية البلغارية وسياستها التسلطية رغم عدم تصريحهم علنا بذلك .

إن نقد جيورجي ديمتروف القاسي للسياسة الملكية والبرجوازية يسير بشكل موازي مع دفاعه الثابت عن مصالح الطبقة العاملة الآنية . فقد اعلن اكثر من مرة عن سخط الجماهير على موقف الحكومة حيال قضايا مهمة مثل توفير المواد الغذائية للسكان ومساعدة عوائل الجنود . وعندما إقترح رئيس بلدية صوفيا في المجلس البلدي بقطع المساعدات عن عوائل العمال الصناعيين والخدميين الذين يقاتلون في الجبهة الأمامية بحجة ان بإمكان هذه العوائل العمل في الصيف ، تحدث ديمتروف بغضب ضد هذه الأنانية التي لانظير لها وإتهم البرجوازية بالزيف متسائلا كيف يمكن لممثلي البرجوازية ان يدعوا في هذه الحالة بانهم وطنيون، وان يتحدثوا طوال الوقت عن حبهم لوطنهم ؟ وأشار ديمتروف بأن وطنية البرجوازية لاتتعدى الحفاظ على مصالحها الإقتصادية ، وان الإشتراكيين الديمقراطيين هم الوطنيون المخلصون ، لأنهم احبوا وخدموا وطنهم وشعبهم بنكران ذات .

وعندما بلغت شحة المواد الغذائية حدا مروعا ، إقترح ديمتروف على مجلس بلدية صوفيا بمصادرة المواد المعيشية وتوزيعها على السكان عن طريق المنظمات العامة وتأمين شراء القمح وانتاج الخبز . إلا ان ممثلي الأحزاب البرجوازية عارضو بالإجماع هذه المقترحات ، كما عارضوا المقترح الذي طالب بحصر التجارة، لأن ذلك يرمي ، في حالة تطبيقه ، الى الحد من الإستغلال الذي إستفحل بفعل الحرب .كما وإنحاز المجلس البلدي الى احزاب المعارضة في رفضها إقتراحات ديمتروف الرامية الى الحد من التجارة الحرة ، ودعى المجلس الى الحذر من الإنجراف وراء مناشدات ديمتروف وخطاباته الرنانة .

ورغم صعوبة الوضع ، بذل ديمتروف جهوده بالحفاظ على معيار دقيق للعمل النقابي، وبمساعدته إستطاعت النقابات الثورية ان تصون كوادرها التنظيمية حتى في سنوات الحرب القاسية . وإستمر سبعون فرعا من فروع الإتحاد في العمل في اوضاع تنظيمية إعتيادية نسبيا . وكانت النقابات تقدم بإستمرار مساعدتها المالية مع طرود ورسائل الى اعضائها الذين يخدمون في الجيش، معبرة بذلك عن الروح الجهادية لفروع الإتحاد العام لنقابات العمال .
وخلال الحرب قام ديمتروف بإلقاء العديد من الخطب في الجمعية الوطنية وفي مجلس بلدية صوفيا، أيدً فيها مطالب العمال وحقهم في قانون العمل ، واكدً على حاجة عوائلهم الجائعة الى معونة فعالة ،وعززت هذه الخطب من مكانته كبطل بروليتاري غيور ، كما وعبرت عن فكرة الجناح اليساري للإشتراكيين الواضحة والقائلة بأن الحرب الامبريالية ستنتهي بثورة بروليتارية ظافرة، واوضح ديمتروف في خطبه ايضا “ إن الشرط الوحيد لإحلال السلام في المستقبل هو إستبدال الرأسمالية بالإشتراكية ، والمجتمع الرأسمالي بالمجتمع الإشتراكي . إن الإشتراكية هي التي ستقود البشرية حتما خارج الطريق المسدود التي جرتها اليها البرجوازية ، فلا سلام بدون الإشتراكية . ” ( 1 )

لقد ثبتت صحة رؤى كل من كولاروف وديمتروف تماما . فتسارعت عملية بناء الحزب وفق القواعد اللينينية في العمل ، و بالإعتماد على خبرته الثورية الغنية ، إستطاع الحزب ان يقود تضالات الجماهير في ظروف العمل السري القاسية . إن دماء العديد من الشهداء الشيوعيين والزراعيين والقوى التقدمية الأخرى في بلغاريا قد عمًدت وحدتهم النضالية وجاء ايلول ( سبتمبر ) ليرسي بعمق تقاليد معادية للفاشية في اوساط الشعب ساعدت فيما بعد على إنتقال الكراهية الثابتة للدكتاتورية الفاشية من جيل لآخر .
لقد إستمر ديمتروف في العمل من اجل حركة الطبقة العاملة البلغارية والعالمية رغم ظروف المنفى القاسية ، واصبحت قناعته وحبه لإفكار البروليتاريا اكثر وضوحا ورسوخا .
كما وبرز ديمتروف كواحد من القادة ، ليس على صعيد الطبقة العاملة البلغارية فحسب ، بل وعلى نطاق حركة الطبقة العاملة العالمية ايضا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1 ) ج.ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 4 ص 336