الرئيسية » مقالات » مبدأ التداول السلمي للسلطات في العراق وتحقيق الديمقراطية والمساواة

مبدأ التداول السلمي للسلطات في العراق وتحقيق الديمقراطية والمساواة

يحتل مبدأ التداول السلمي للسلطات موقع حجر الزاوية بالنسبة للمنظومة القيمية الديمقراطية. ومن دون سيادة هذا المبدأ وتقنينه بأطر زمنية محددة وملزمة التنفيذ من جهة ذوي السلطات الرسمية كافة يصبح الحديث عن شيء بمسمى الديمقراطية حديثا غير ذي معنى. بل يصبح الطريق سالكا أمام محاولات من يروم تركيز السلطات وصبغة وجوه الحكم بأصباغ شمولية.
لقد مر على استبدال النظام الدكتاتوري العراقي السابق بآخر من المفروض أن يكون ديمقراطيا حوالي عقد من الزمان وعلى الرغم من ذلك فان مفهوم التداول السلمي للسلطات لم يتجذر في الوعي السياسي العراقي حتى في اطار النخبة الحاكمة بل ما يزال هذا المفهوم الذي يعد الركيزة الأساسية في البناء الديمقراطي مصطلحا شبحيا لا يبرز الى واجهة الأحداث في العراق إلا في مواسم الانتخابات لاسيما النيابية منها والتي لا تجرى عادة إلا كل أربع سنوات. وكأن السبيل الأوحد لتداول السلطات في العراق محصور بالانتخابات النيابية وما تنتجه من طواقم تشريعية وتنفيذية حتى من دون الالتفات إلى مقدار التغيير والتجديد الذي يقتضيه أصل مبدأ التداول.
لقد حدد الدستور العراقي النافذ ولاية رئيس الجمهورية بدورتين انتخابيتين فقط لا ثالث لهما لكنه سكت عن تحديد ولايات رئاسة القضاء والبرلمان والحكومة مع العلم أن الدستور نص على وجود أربعة رئاسات رسمية تتربع على أهرامات السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية في العراق.
ترى لماذا سكت المشرع العراقي عن تحديد ولاية رؤساء البرلمان والقضاء والحكومة واكتفى بتحديد ولاية رئيس الجمهورية بدورتين اثنتين لا ثالث لهما أهناك مسوغات مقبولة لهذا السكوت أم أن سببا غامضا هو المسؤول عن حدوث هذا الخلل؟ هناك من يجيب عن هذا التساؤل بأن الأمر لا يعدو عن كونه هفوة تشريعية. لكن الجواب قد يكون شيئا آخر لا يمكن التكهن به حاليا في ظل عدم توفر محاضر رسمية تكشف عن جميع ملابسات كتابة الدستور العراقي.
إن المطلوب لتحديد ولاية رؤساء القضاء والبرلمان والحكومة لا يستلزم تعديلا دستوريا أو تعهدا سياسيا بقدر ما يتطلب تشريعا قانونيا داخل قبة البرلمان بحسب مختصين في هذا المجال. لكننا مع ذلك لا نرى همة في البرلمان باتجاه تشريع مثل هذا القرار ! ومع فرض صحة هذا الحكم فلا يمكن الإيمان بوجود هفوة تشريعية هي من أفضت إلى عدم تحديد ولايات رؤساء السلطات العراقية لان ذلك لا يستقيم مع حقيقة عدم تدارك هذه الهفوة كل هذا الوقت الطويل ابتداءً من تاريخ كتابة الدستور في عام 2005.
إن المتوقع من تحديد ولاية كل من رئيس الحكومة (رئيس مجلس الوزراء) ورئيسي البرلمان والقضاء بدورتين اثنتين فقط أسوة برئيس الجمهورية أن تتوفر فرص النجاح لأية حكومة قادمة سواء أكانت حكومة أغلبية سياسية أم حكومة ترضية أو شراكة..الخ. لان مثل هذا القرار في حال وضعه موضع التطبيق سيجبر رئيس الحكومة على تكريس وقته وجهده في سبيل تحقيق وعوده الانتخابية في الدورة الحكومية الأولى في حين يعمل جاهدا في دورته الحكومية الثانية والأخيرة لتحقيق صنيع من شانه تخليد اسمه في سجل القادة العظماء مثل ما يحدث في بعض الدول المتقدمة، أو على الأقل فإن رئيس الحكومة لدينا سيكون دائم التفكير في اللحظة التي سيترك فيها منصبه ويعود ليعيش مواطنا عاديا بين الناس ما يعني انه سيكون دائم اليقظة والحذر من التورط في خروقات قانونية قد تفضي به إلى دفع ضريبة باهظة من رصيده الشخصي وسمعته العامة بعد أن يتحول إلى مواطن بسيط وتزول عنه أبهة السلطة والنفوذ ويكون في متناول القضاء.
ونفس هذا التوصيف ينطبق بشكل كبير على رئيسي السلطتين التشريعية والقضائية. وفي هذا كما هو الظاهر مصلحة واضحة للطبقات المحكومة تشريعيا وقضائيا وتنفيذيا مثلما فيه مصلحة ذاتية للطبقة التي تعتلي منابر التشريع والقضاء والحكومة.
إن العمل بمقتضى قاعدة التحديد القانوني للرئاسات الأربع من شأنه تحويل العمل في إطار المناصب العليا في الدولة إلى عمل أقرب إلى روح الإدارة المنظمة منه إلى روح السياسة المنفلتة.
إن عدم تحويل نظرية الانتقال السلمي للسلطات إلى آليات مقننة زمنيا هو من يفسر ظواهر ضعف الرقابة واستشراء حالات الفساد المالي والإداري فضلا عن شيوع طابع التناحر والتخوين في الحياة السياسية العراقية. وإن الخلاص من كل ذلك أو الجزء الأعظم منه يمر عبر الاتفاق على عقد وطني ملزم يمنح إمكانية تولي القيادة في البرلمان والحكومة والقضاء في العراق لجميع المؤهلين من المواطنين بغض النظر عن الانتماءات الطبقية والقومية والعرقية والدينية. ولن يكون ذلك ممكنا دونما تحديد ولايات الرئاسات العراقية جميعها بنصوص لا تقبل الاجتهاد.
* مركز المستقبل للدراسات والبحوث