الرئيسية » التاريخ » الأستشراق: محاولة للفهم و لردم الهوَّة

الأستشراق: محاولة للفهم و لردم الهوَّة

1– توطئة :

ليس من السهل على الباحث – أى باحث – أن يأتى بجديد عند الكتابة عن موضوع مطروق و متداول على نطاق واسع ، مثل ” الأستشراق ” الذى صدر حوله عدد لا يحصى من الكتب و البحوث و الدراسات بشتى لغات العالم و منها اللغة العربية . لعل أشهرها ، كتاب المفكر الفلسطينى اللامع أدوارد سعيد ( 1935- 2003م ) ” الأستشراق ” الذى صدر باللغة الأنجليزية عام 1978 فى الولايات الأميركية المتحدة و ترجم الى أكثر من 35 لغة ، الأكثر أنتشارا فى العالم و منها اللغة العربية ، . و قد أثار هذا الكتاب – و هو كتاب فكرى عميق الغور، يعكس اللمعة الفكرية الباهرة لواحد من أكثر العقول العربية و العالمية عمقا و تألقا فى العصر الحديث – جدلا واسعا فى الأوساط العلمية فى الغرب و الشرق و أثار مناقشات و خلافات فى الأوساط الأستشراقية و بين العلماء و المفكرين و الباحثين فى شتى حقول المعرفة الأنسانية و صدرت حوله عشرات الكتب ، بعضها لا يدل على الفهم الصحيح أو يدل على الفهم السطحى لكتاب سعيد و لكن معظمها كان مؤيدا ،وبعضها متحمسا لطروحاته ، و من الصعوبة اليوم ، أن يفلت أى باحث من تأثير رؤية سعيد للفكر الأستشراقى ، حين يتناول بالبحث و الدراسة حركة الأستشراق العالمية ، و لكن يمكن القول بكل ثقة أن المؤرخ و الباحث الدكتور محسن محمد حسين – الأستاذ فى جامعة صلاح الدين بأربيل و عضو الأكاديمية الكردية ، نجح الى حد كبير ، فى كتابه الجديد الذى يحمل عنوان ” الأستشراق برؤية شرقية ” فى تناول موضوعة ” الأستشراق ” برؤية جديدة ، تختلف عن كل ما كتبه المؤرخون و المفكرون و الكتاب العرب عن هذا الحقل المعرفى
2- الأستشراق فى الفكر العربى الحديث:

يمكن تقسيم البحوث و الدراسات الأستشراقية عن الشرق العربى الأسلامى تحديدا ، بأقلام المفكرين و الباحثين العرب ، التى صدرت قبل كتاب الدكتور حسين الى مجموعتين :
الأولى و هى الأغلبية الساحقة : كتب تهاجم المستشرقين بعنف و تلصق بهم من دون أدنى تمييز ، شتى التهم و فى مقدمتها ، معاداة العرب و تشويه صورة الأسلام و المسلمين من منطلق التعصب الدينى و تعتبرهم عملاء للأمبريالية ، و أن بحوثهم تهدف الى التبشير الدينى المسيحى، و أبراز التفوق الحضارى الغربى و تسهيل الهيمنة الغربية على الشرق .
و قد هلل الباحثون العرب ، الذين يمثلون هذا الأتجاه المتعصب لكتاب سعيد بأعتباره ، تأكيدا لمقولاتهم المتزمته ، و لكن خاب ظنهم ، حين ، كتب سعيد فى عام 1995 فصلا جديدا بعنوان ” تعقيبات ” ملحقا ، بكتابه فى طبعاته الجديدة ، يقول سعيد ” أن هناك تفسيرات خاطئة للكتاب ، رأت أنه يدافع عن الأسلام و العرب و يعادى الغرب بصورة مستترة ، فى حين ، كان يهدف الى تخطى الهوة بين الشرق و الغرب من خلال أثارة قضية التعددية الثقافية ، فى كتاب يحفل بظلال المعانى و من يراه مجرد رد على الغرب يسىءاليه بهذا الوصف المبسط .”

الثانية : و هى قلة قليلة تتحدث عن الأستشراق بموضوعية و تقيم عاليا الخدمات الجليلة التى قدمها المستشرقون للتراث العربى و بضمنها تحقيق و ترجمة و نشر أمهات المخطوطات العربية و المؤلفات ، التى تشكل المصادر الرئيسية للتراث العربى و دراسة الشرق العربى الأسلامى و آدابه و حضارته و فق مناهج علمية حديثة .

3- كتاب ” الأستشراق برؤية شرقية ” :

الدكتور حسين ، حاول معالجة هذا الموضوع على نحو مختلف ، و يستهل كتابه بالأشارة الى منهجه فى البحث ، حيث يقول فى الفصل الأول ، الذى يحمل عنوان ( ما المطلوب منا أن نعمله ؟ ) ، ” كيف يتعين علينا أن نتعامل و نتفاعل مع الآخرين مع ( الغرب ) . انى هنا أسعى حثيثا أن أنبذ الهوى و العاطفة ، قدر المستطاع ، و لن أدعى أنى أبحث عما يسمى الحيدة ، أو أنى لم يتكون لدى موقف ما طيلة عقود من الأطلاع على ما ألف عن الأستشراق … و يشير الى قول الباحث المغربى البازعى فى كتابه ” أستقبال الآخر ” ( الحياد ) بحد ذاته فكرة مثالية و القول بوجوده ضرب من السفسطة و السذاجة أو أدعاء بالتعالى على التميزات البشرية ، لا يحققه سوى الأله .
ومحاولة فهم مثل هذا الموقف من الاستشراق بات أمراً محتماً، فهذا التفكير الثاوي صار يتجاوز حجم المطبوع من الكتب ، وبات يشغل بال المثقفين، بل ويؤرقهم، وسيظل يؤرقهم زمناً قد يطول . وهذا يعني ان ادمغة ما زالت تعمل ولم يصبها العطب، تناقش تلك الامور في وضح النهار, ولا شك ان الدخول الى مثل هذه القضايا في مجتمع راكد، حين يمس الثوابت التي جبل عليها (الناس) لهو ثمن باهظ. لكن السكوت تجاه ما يؤرقنا يدل على قصورنا الموضوعي والذاتي، ذلك القصور الذي يعترينا صباح مساء، حين نرى قضايا خطيرة مسكوت عنا، نقف قبالتها مكتوفي الايدي، وكأنها أمور لا تعنينا، ولكن حين نقلق تجاه ما يحدث ، نكون قد خطونا الخطوة الصحيحة

و يؤكد حسين، أنه لا يبنى – مسبقا – موقفا فكريا ما ، يبغى الدفاع عنه ، عن صوابه ( بأى ثمن ) ، بل ينطلق من موقف حضارى يؤمن بالمثاقفة ، و نقد ما ترسخ فى أذهاننا من أمور قطعية ، لا تقبل النقاش ، أو صار الجدال فيها من المحرمات ” تابو ” غير قابلة للبحث و الدراسة و أعادة النظر .
و يدعو الى كسر جدار الخوف – و يعترف ان الأمر صعب ، فليس سهلا تهشيم هذا الجدار و الأنفكاك من العزلة الفكرية التى أحطنا أنفسنا داخل أسوارها – و فهم لآخر ، و الأستفادة من ثقافته . نقرأ ما عندهم بتمعن ، لنكتشفهم و نكتشف أنفسنا ، و لكن ليس كل ما عند الآخرين فيه ما ينفعنا .
فى الوقت الذى يقر فيه و جود البعض من المستشرقين المتغطرسين – من ذوى النظرة الأستعلائية الى الشرق العربى ، الذين أعتبروا الغرب الأوروبى و صيا على العلم و المعرفة و الحضارة – يشيد بجهود المستشرقين عموما و يعتبر ذلك شجاعة أدبية فى مجتمعات يهيمن عليها ذهنية التحريم ،
و الأستشراق ، كما يقول حسين ، أقض مضاجع البعض ، حين قرأ رأيا يغاير ما اعتاد عليه ، لأنه لم يألف وجودا متحققا غير وجوده ، فثم من اعتاد على توجيه الأتهام للآخرين ، لمجرد كونهم ينتمون الى ثقافة ، تختلف فى جوانب عديدة عن ثقافتنا ، و يعيشون فى عالم غير عالمنا .
و يورد حسين فى الفصل الثانى ، الذى يحمل عنوان ” أشادات بمجهودات المستشرقين ” أقوال طائفة من خيرة الكتاب و المفكرين العرب المعنيين بالتراث الأسلامى و شؤون الأستشراق ، مثل بنت الشاطىء و زكى مبارك و محمد كرد على و يوسف احمد و صلاح الدين المنجد و محمد يوسف محمد و محمد صالح البُنداق و يوسف أسعد داغر و غيرهم ، الذين ثمنوا عاليا انجازات المستشرقين ، فى الحصول على المخطوطات و الوثائق و الآثار و حفظها فى أماكن بعيدة عن السرقة و الرطوبة و الجرذان ، ثم قيامهم بتحقيقيها و نشرها دون مسّها بالتحريف ، لأى سبب كان ، و بكل أمانة و أنصاف .
تقول الدكتورة ” بنت الشاطىء – عائشة عبد الرحمن ” اننا مدينون للمستشرقين بجمع ذلك التراث و صونه من الضياع . . . و تسألون : و ماذا لو تركوا تراثنا لنا ، أما كنّا أهلاً لجمعه و صونه ؟ فأجيبكم بملء يقينى : كلا ، لقد كنّا فى غفلة عنه ، لا نكاد نحسً وجوده أو نعرف قيمته ، أو نقدر حاجتنا اليه … أن خدًام دور العبادة عندنا يبيعون أوراق نفائسه بالكوم ( بالجملة ) لتجار الحلوى و البقول ! و تضيف قائلة : أن جهود هؤلاء لم تقف ، فى جمعهم لكتب تراث الشرق على مجرّد اقتنائها ، بل فهرسوا ما جمعوه فهرسة علمية دقيقة … و من ثم انتقلوا الى نشره نشرا يعتمد على أدق منهج للتوثيق و التحقيق . . . و صحونا من نومنا ، فأذا ألوف الذخائر العربية بيت أيدينا ، محررة ، موثقة ، نلوذ بها فى دراساتنا العالية ، و نعد الرجوع اليها فى ابحاثنا مدعاة للفخر و المباهاة . . و بلغوا فى دراساتهم للشرق و للعربية و للأسلام حدّاً مذهلاً من العمق و التخصص .

والواقع لا يستطيع المرء أن ينقل ما أورده الكتاب المسلمون المنصفون عما أنجزه المستشرقون في دراساتهم الرصينة بعقل حصيف متمكن، لكن من المفيد ان نوجز أبرز أعمالهم المشرفة، فقد درسوا المدنيات الشرقية القديمة (مدنيات بلاد سومر وآكد وبابل) وبلاد النيل والشام واليمن ودلمون (البحرين).. وبلاد فارس وبلاد الكرد.. اضافة الى الحضارات العظيمة في بلاد الهند والصين والهند الصينية…الخ.
ونبشوا معالمها للتنقيب عن آثارها وتاريخها وثقافاتها ولغاتها، في جميع مرافق الحياة الفكرية والفنية، ونشرها في مجالات علمية وكتب في غاية الدقة والمنهجية والروح النقدية، وان كانت لاتخلو أحياناً من آراء خاطئة ومن هنّات، هي من طبيعة الكشوفات الجديدة. كما قاموا بجمع المخطوطات الشرقية على اختلاف لغاتها، وحفظها في خزائن، والعناية بها وصيانتها باستمرار، وفهرستها بشكل مبرمج، ومن ثم تحقيقها ونشرها على أبهج شكل وبإتقان ، للانتفاع مما فيها من معارف وثقافات وفنون. وترجمتها الى لغاتهم القومية، وتلحق بها المقدمات والحواشي ووضع فهارس بما ورد في الكتاب من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأبيات شعر، وأسماء الأعلام والقبائل والأماكن.. الخ.
إضافة الى قيامهم بتنظيم المؤتمرات الاستشراقية، بشكل دوري بدءاً من أول مؤتمر عُقد في باريس 1873، ثم توالي عقدها في مدنهم، وعُقد قليلها في مدن شرقية مثل القاهرة والجزائر ونيودلهي. وفيها يستعرضون مشاكل الدراسات الشرقية ومستجداتها، ويتبادلون فيها المعلومات والآراء، وقد عُقد عام (1973) المؤتمر التاسع والعشرين، في باريس، وتم ترتيبه لمناسبة مرور قرن على انعقاد المؤتمر الأول في المدينة نفسها.
وكما وضع المستشرقون المعاجم اللغوية (مثل معجم دوزي للألفاظ غير الموجودة في المعاجم العربية، وعن الملابس) وهي أعمال تحتاج الى تحمل المشاق والصبر في الوصول الى نتائج علمية، وأمضى بعضهم عمره وهو منكب على نشر مخطوط، او تأليف كتاب، ووضع فهارس، وتكبد آخرون مشاق الترحال والمخاطرة بحياتهم في سبيل الوصول الى حقيقة ما او طلب مخطوط.
يقول باحث معاصر: لقد كانت وجهات نظر المستشرقين ذات فاعلية وفعالية تستمدها من الجهود الكبيرة المبذولة طيلة قرنين لإحياء النصوص العربية، وهي جهود تجعل الجهد العربي (المحلي) يبدو ضئيلاً بالمقارنة… ولهذا لم يكن كراتشوفسكي المذكور على خطأ عندما أشار الى سعة جمهرة المثقفين العرب الداعين الى اعتماد المناهج الأوربية والثقافة الغربية وسيلة للوصول الى تكوين الأصول الصحيحة للأدب العربي، والذي اعتبرهم مختلفين عن جماعة القديم، او جماعة التقليد المحض للأوروبيين.
وبالمقابل -وكما سنرى- نجد بعض (الغيارى) من يجحد فضل المستشرقين بجرة قلم. ويندب التراث الذي صار بأيدي (الأغراب!).
وأخيراً: فمهما يكن من أمر فإن المستشرقين ليسوا سوى بشر، وقد يخطئون، ويتحاملون، فلبعضهم ميولهم وأهواؤهم وقناعاتهم المختلفة ، عن ميول وأهواء وقناعات أهل الشرق. فليس من المنطق أن ننظر اليهم جميعاً نظرة واحدة من النزاهة والانصاف، او ان يتسلحوا بالعلم وبمنهجية البحث في تآليفهم دون ان يخطئ بعضهم، او دون ان يتعصب. ونردد هنا مع المستشرق الكبير مكسيم رودنسون Maxim Rodinsonl ( 1915-2004 ) متسائلين: ما أهمية الأفكار التي يحملها عالم الآثار الفرنسي الشهير شامبليون، ما دامه ان فك لنا رموز اللغة الهيروغليفية، لغة المصريين القديمة. فهل كان على صواب ام على خطأ حين فك تلك الرموز؟

و فى مبحث آخر يحمل عنوان ” متى كانت بداية الأستسراق ؟ يؤكد حسين أنه ليس من الصواب أن نعتبر ما كتبه الآخرعنا قبل نحو ثلاثة عشر قرنا بداية للأستشراق . و يشير الى صعوبة تحديد هذه البداية قائلا : ان من يحاول الخوض فى موضوع ( بواكير الأستشراق ) يجد نفسه يخوض عباب بحر تتلاطم فيه آراء متباينة ، متناقضة أحيانا ، و السبب الأساس يعود الى تباين مفهوم الأستشراق – نفسه – لدى المعنيين بالأمر ، و اختلاف زوايا الرؤى و الطروحات الفكرية ، حتى ان منهم من أعتبر قيام رجل دين مسيحى ، كان هو و آباؤه يعملون فى ديوان دولة عربية ، بتأليف كتب عن الأسلام ، فى القرن الأول الهجرى ، عملا استشراقيا .

ثم يمضى حسين ليتحدث مطولا و بأسهاب عن الهزات العنيفة التى تعرضت لها المجتمعات الأوروبية نتيجة للفتوحات الأسلامية لجنوب و جنوب شرقى أوروبا ، و أن هذه الفتوحات كانت حافزا للأوروبيين لدراسة الشرق الأسلامى للوقوف على سر قوة الأسلام و المسلمين .
و الغريب فى الأمر ان المسلمين الفاتحين لم يهتموا بدراسة المجتمعات الأوروبية و لا بالفكر الأوروبى بعد غزوهم للأندلس و بعض مناطق جنوب شرقى أوروبا ، و يعلل عدد من الباحثين العرب هذا التجاهل ، بأن أوروبا لم تكن لديها ما يغرى الفاتحين على الأهتمام بها و دراستها ، و يبدو أن حسين ، يرى ذلك أيضا .كما ان كتابات المؤرخين العرب القدامى يحفل بأمور غريبة و عجيبة ، بعيدة ، ليس عن العلم و لكن عن المنطق و التفكير السوى و يضيف حسين :الواقع أن ما كتبه المسلمون عن آخرهم ( يقصد عن غير العرب ) ، لا يتجاوز ذكر أبرز مواصفات الأقوام .
فعلى سبيل المثال كتب المسعودى (ت. 346هـ / 967 م ) فى كتابيه ( مروج الذهب و معادن الجوهر ) و ( التنبيه و الأشراف ) عن وجود أمم عجيبة ، سواء فى طول القامة أو طول العمر، و أمم تصدر أصواتا شبيهة بالفرقعة أو الدوى أو الزئير ، و لبعضهم عين واحدة فى قمة الرأس و أنهم يصطادون السمكة و يعرضوها فى الحال الى حرارة الش55 س بأيديهم ، التى تطال الشمس(!) فيتم شويها، فيتناولونها .
يقول محمد أركون : ” حين تشيخ الأسطورة تتحول الى خرافة ” .. لقد نمنا نومة عميقة ، قد لا نصحو بعدها ، نمنا و كأن تطورات العالم و فتوحاته لا تعنينا ، نمنا تحت خيمة و وصايا مضروبة على الجميع ، ضربتها أنظمة الأستبداد الهزيلة المشروعة ، أو المعدومة ، لأنها أنظمة تعمل لتغييب العقل ، و تقصى المنطق . فى مثل هذه الأجواء لازم عدم ثقة رجال الدين بمن يشتغلون بعلوم الأوائل ، كما لازمتهم كراهيتهم للكتب ، التى تتضمن هذه العلوم / بل صار ممكنا – و بسهولة – أن يؤدى مجرد أقتنائها ألى اتهام صاحبها بميله الى الألحاد و الزندقة .
و يعود حسين فى مبحث آخر ليواصل الحديث عن ” تواصل اهتمامات الغرب بقضايا لشرق الأسلامى ” و يورد على ذلك أمثلة كثيرة و يخلص الى القول : أن الجمعيات التى تأسست فى القرن التاسع عشر قد أضطلعت بدور ملحوظ فى الدعوة لأقامة المزيد من المدارس لتعليم اللغات الشرقية فى باريس و برلين و ليدن أو فى بطرسبورغ ، و باتت دعواتها تلقى آذانا صاغية من لدن المعنيين ، و تتحول الى تيار ضاغط مع توسع مصالح الدول الكبرى فى الشرق و لا سيما بريطانيا و فرنسا ، حين تصاعدت حدة التنافس بين تلك الدول على خيرات و أسواق الدول المتخلفة .
و لعل من أمتع فصول الكتاب الذى نحن بصدده ، فصل بعنوان ” فى المرايا المحدبة … لا يشبهنا أحد… (!) ” حيث يتساءل حسين : ما الداعى الى أضافة رقم جديد الى ما كتب عن الأستشراق ؟ لقد سنحت لى فرصة الأطلاع – منذ سنين بعيدة – على هذا الموضوع الشيق . هكذا أصفه ، لأن من طبيعته ، أنه يمثل نظرة الآخر ( الغرب ) الى تراثنا ، نحن أهل الشرق ، نظرة تختلف – بالتأكيد – عن نظرة أهل الدار الى أنفسهم ، الذين تمثلوا هذا التراث بعد أن عايشوه و ألفوه ، و أرتاحوا معه ، و لا يرتاحون ان مـسه أحد .. أحد ( الغرباء ) .
بأختيارى الكتابة – و القول لحسين – أزعم أنى آثرت سبيل التفكير فيما كتب عن هذا الموضوع الفسيح . و جعلت العقل مرشدا للتمييز بين ما هو منطقى و بين ما هو غير منطقى ، و هو طريق شائك فى مجتمع ارتاح الى بعض التصورات ، و نام هنيئا ، بعد أن اقتنع بما سمعه أو قرأه دون روية أو تفكير ، و لا شك أن هذا الأمر بعيد عما يطلبه منا ديننا ، فثمة آيات كريمة تؤكد على عظمة ما وهبنا أياه الخالق ، هبة العقل ، و حق الأنسان فى أعمال العقل فى كل شىء ، و عدم الأستسلام أو التصديق بكل ما نسمعه أو بكل ما نقرؤه ، و طريق العقل طريق وعر فى شرقنا ، و لا سيما لدى تناول تراثنا ، للتمييز بين ما هو عقلانى فيه ، و لا عقلانى .
لقد أكتفى كتاب فى دراساتهم للأستشراق بتسويق مواقف الرفض و الأدانة للعاملين فى هذا الميدان ، و حذروا الآخرين من قبول طروحات المستشرقين ، و لم يحاولوا البحث عن منهج ناضج يتماهى مع عصرنا ، أو أيجاد و سيلة صحيحة فى مواجهتنا مع الآخر ، أو التصدى لهم ، و هذا يشير الى وجود عطب فى منهجنا و ما أنتجه ، فقد ظلت كتابات العديد من كتابنا شبيهة بصراخ مدو أمام المرايا المحدبة ، داخل منازلنا ، لا نسمح لأحد أن يرانا أو يسمعنا أو يصفنا ، سوى أنفسنا ، و لن يطال قامتنا أحد ، لأننا فوق الوصف و فوق التصنيف ، و لا يشبهنا أحد . و من يقول عنا شيئا لم نألفه ، نصفه بنعوت ما أنزل الله بها من سلطان ، مما يدل على بؤس تلك الكتابات ، التى تنوس بين فضاءات بهرجة الأنشاء ، اذ تعبر عن عقلية هاجعة ثاوية فى زوايا لا ترى النور، كتابات مكابرة معاندة ، و هذا يعنى أننا ما زلنا عاجزين عن تمثل تراثنا بشكل صحيح ، و لا يتعين أن يمسه الا المطهرون ، و نقف أمامه اجلالا ، للتبرك و المفاخرة .
و لا يكل حسين أو يمل من تحليل و مناقشة طروحات الكتاب العرب عن الأستشراق من المجموعتين اللتين أشرنا أليهما فى ما تقدم ، و يطرح نهجا جديدا فى تقييم الأستشراق و الأوروبى منه على وجه التحديد ، قائم على اعمال العقل فى دراسة كتابات المستشرقين و التمييز بين ما هو منطقى وبين ما يخالف العقل و المنطق .
أن الجزء الأكبر من الكتابات العربية عن أعمال المستشرقين ، تكاد تقتصر عل ألصاق تهمة التبشير بمعظم المستشرقين , و هذا بلا أدنى شك ينم عن تعصب دينى و تضليل .
يقول حسين : لم نقرأ أن مستشرقا أدخل أناسا الى دينه ، فللمستشرق اهتماماته العلمية الخاصة ، و لهذا فالزوابع التى أثيرت حول دور المستشرقين التبشيرى لهى زوابع مفتعلة ، الغرض منها هو تخويف الناس ( بفزاعة و همية ) لكيلا يطلعوا على النتاج المعرفى الذى توصلوا اليه ، و هم – أى كتابنا – يربطون بين أمرين بعيدين عن بعضهما .
و يورد حسين نماذج من هذه الكتابات العربية البائسة ، لا نرى ضرورة لأيراد مقتطفات منها ، فهى تكاد أن تكون هى النموذج السائد فى كتابات المتزمتين . و فى مبحث آخر يحمل عنوان
” الأستشراق ، العنصرية ، و الحقيقة ” يناقش حسين كتابات عدد من المستشرقين الغربيين المتحيزين ، الذين ، لا تتصف كتاباتهم بالموضوعية ، بل ينم عن التعصب بشتى أشكاله و عن النظرة الأستعلائية الى الحضارة الأسلامية .
و فى الفصول التالية ، يطور حسين أفكاره – التى المح اليها سابقا – بشىء من التفصيل ، و لعل عناوين هذه الفصول تنبىء عن محتواها ” المستشرقون فى سلة واحدة جميعا (!) ” و ” ما الغاية من الحوار ؟ و من يحاور ؟ ” و ” فى ضعفنا تكمن قوة الآخرين ” و ” الحرية و العقل صنوان ”
و فى المبحث الذى يحمل عنوان ” الأستغراب .. و هل هو ممكن ؟ ”
سؤال يطرح نفسه بألحاح : لماذا لا نقوم نحن أهل الشرق بدراسة الآخر .. أى دراسة مجتمعات و ثقافات بلدان المستشرقين ؟ . يجيب أدوارد سعيد على هذا السؤال المشروع بقوله : ان هذا الأمر غير ممكن ، ففى الجغرافيا التخيلية و تمثيلاتها ، لا يحتمل أحد حقلا مناظرا له اسمه
” الأستغراب ” ، الا أن ” ريتشارد سوذرن ” يرى أن هذا العمل عمل مشروع و منطقى ، و مبرر – نظريا – حتى نخفف عن أنفسنا عبء اتهام الآخرين بالتحامل علينا و لنرى صورة الغرب التى انعكست على مرايا ( الشرق ) و لأن رؤية الآخر ضرورية ، أو فرع لرؤية الذات .
و يبقى الفصل الأخير من كتاب حسين ، ” نبذ من انجازات بعض كبار مستشرقى القرن العشرين ” و هو فصل مشوق و ممتع يكشف عن الخدمات الجليلة ، التى أسداها فطاحل المستشرقين للشرق العربى الأسلامى عن طريق استخدام المناهج العلمية الموضوعية فى دراسة التراث الشرقى الأسلامى و الحضارة الأسلامية وجوانب حياة المجتمعات العربية .

ما الجديد فى كتاب ” الأستشراق برؤية شرقية ” ؟
أشرنا فى ما تقدم أن حسين تساءل فى مقدمة الفصل المعنون ” فى المرايا المحدبة .. لا يشبهنا أحد ” ما الداعى لأضافة كتاب أو رقم جديد الى ما كتب عن الأستشراق ؟
لقد أصطحب حسين قارئه فى جولة فكرية ممتعة و شاملة فى عالم الأستشراق : جذوره و تطوره و انجازاته و أعلامه البارزين و منهجهم فى دراسة الشرق و بموضوعية قل نظيرها .
كتاب حسين حمل الينا العديد من الأفكار و الرؤى و و الطروحات الجديدة ، التى نادرا ما تجاسر أحد من الكتاب العرب على طرحها على بساط البحث و النقاش .
لقد أستمتعت بقراءة هذا السفر الفريد ، ليس فقط لمحتواه الباذخ ، بل لأن أسلوب المفكر و الباحث الدكتور محسن محمد حسين الشائق ، نسيج و حده ، و ممتع ، بل أكاد أقول أن هذا الأسلوب أصبح علما عليه .
و قبل أن أختم هذه الملاحظات حول كتاب ” الأستشراق برؤية شرقية ” لا بد لى من الأشارة الى أن العنوان الأصلى للكتاب كان ” الأستشراق: محاولة للفهم و لردم الهوة ” و قد تم تغييره من قبل الناشر – دار الوراق – و العنوان الجذاب الذى أختاره الناشر لا يدل على محتوى الكتاب ،بل على النقيض مما جاء فيه من طروحات و آراء ، لأن المؤلف قصد به ، تقديم رؤية جديدة للأستشراق ، تختلف جذريا عن رؤية المفكرين و الكتاب الشرقيين لهذا المجال المعرفى.
و تبقى ملاحظة أخيرة و هى ان هذا الكتاب كان من ضمن الكتب الأكثر مبيعا فى معرض الكتاب الأخير فى الرياض ، بالمملكة العربية السعودية .

جودت هوشيار