الرئيسية » مقالات » هل من سبيل لمعالجة مشكلات العراق الملتهبة؟

هل من سبيل لمعالجة مشكلات العراق الملتهبة؟

تزداد يوماً بعد آخر أوضاع العراق السياسية تعقيداً وتشظياً وتؤكد صعوبة إيجاد حل توافقي بين الأطراف السياسية الحاكمة. وتستثمر قوى الإرهاب هذه الحالة المستعصية لتزيد من عملياتها الإجرامية لقتل الناس أو تعطيل ممارستهم لحياتهم الطبيعية. ففي الأسابيع الأخيرة نفذ الإرهابيون سلسلة من العمليات الإجرامية التي راح ضحيتها عشرات الناس الأبرياء وجرح المئات منهم في مختلف أنحاء العراق وخاصة في بغداد. وإذ حمَّل السيد المالكي السياسيين الآخرين مسؤولية ذلك, نسي كونه رئيساً للوزراء والمسؤول الأول عن أمن العراق وحماية العراقيات والعراقيين من قوى الإجرام الدموي التي تستفيد من الأرضية غير الصالحة وغياب مستلزمات معالجة المشكلات القائمة والملتهبة حقاً, كما نسي كونه أحد عوامل الأزمة الرئيسية بسياساته الخرقاء.
ويبدو لي إن الاستقرار المنشود في العراق لن يسود إذا ما استمرت الحالة الراهنة واستمر الموقف الجامد وتفاقمت الصراعات اليومية الدائرة حول المشكلات التي تسببت فيها, وفي غياب النية الصادقة والمخلصة لتجاوز ذلك. ومن غرائب الأمور في العراق أن الأطراف السياسية الحاكمة كافة تؤكد بما لا يقبل الشك إن العراق الراهن يعاني من مشكلات كثيرة وإن بعضها يتهم البعض الآخر بكونه السبب وراء ذلك, ولكن لا أحد يبذل الجهد الضروري واللازم للتحري عن العيب في ذاته أو في ذات قائمته وقواه السياسية ومواقفه, وبالتالي لا يبحث عن طريق سليم لمعالجة ما يعاني منه ذاتياً وما يعاني منه العراق, إذ تبدو نداءات السيد رئيس الجمهورية وكأنها صرخة في واد يضيع صداها.
حين ندرس الواقع العراقي بعناية سنجد أنفسنا أمام عشرات المشاكل الموروثة والجديدة والمتراكمة التي تستوجب المعالجة والجرأة في التصدي لها. وسأحاول أن التقط من بين تلك المشكلات ثلاث منها:
أولاً: المشكلة البنيوية التي يعاني منها نظام الحكم القائم على المحاصصة الطائفية, إضافة إلى الموقف العام المختل من الحياة الدستورية والحريات الديمقراطية وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية.
لم يعرف العراق الديمقراطية بالمعني الصحيح والإنساني يوماً, ولم تكن الحكومات المتعاقبة ديمقراطية, بل كانت غير ديمقراطية أو استبدادية شرسة, ولم ينشأ المجتمع على المبادئ الديمقراطية, كما انبثقت من هذا المجتمع والوضع العام مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية التي لم تنشأ على قواعد العمل الديمقراطي, ولم تكن ديمقراطية بالمعنى الصحيح للكلمة, وأجبر بعضها الكثير على العمل السري الذي لا يساعد على نشوء الديمقراطية فيه.
وبعد إسقاط النظام لم تجلب قوى الاحتلال الأمريكي – البريطاني للبلاد الحياة الديمقراطية ولم تؤسس لنظام ديمقراطي, بل أوجدت الفوضى والعفوية التي أطلقت عليها سمة الحرية, وكانت حرية الفوضى أو فوضى الحرية التي سمحت ببروز ثلاث ظواهر سلبية في الحياة العراقية هيمنت على حياة الإنسان والمجتمع, وأعني بها: الطائفية السياسية المستندة إلى قاعدة المحاصصة في حكم البلاد الذي يشكل تجاوزاً على مفهوم المجتمع المدني وعلى مبدأ المواطنة الحرة والهوية العراقية واستبدالها بالهويات الهامشية الثانوية القاتلة لروح ومفهوم وهوية المواطنة العراقية, وأعني بها الهويات الطائفية السياسية التي تميز بين الناس على أساس الدين والمذهب الديني. وهي العلة المركزية في نشوء الأزمة البنيوية في البلاد واختلال العلاقات بين أفراد المجتمع. إن المجتمع العراقي يعاني من اختلال في أسس الدولة العراقية وفي مؤسساتها التي اعتمدت الطائفية السياسية والتي تتجلى في السلطات الدستورية الثلاث, السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والتجاوز على سلطة الرأي العام العراقي وسلطة الإعلام من جانب السلطة التنفيذية ذات الطبيعة الطائفية والأثنية السياسية.
والفوضى التي سادت البلاد التي أطلقتها قوى الاحتلال بذريعة التمتع بالحرية بعد العيش تحت نير الدكتاتورية قد قادت إلى سيادة الإرهاب في البلاد, الإرهاب ضد الدولة والمجتمع. وقد ذهب ضحية الإرهاب حتى الآن عشرات ألوف الناس الأبرياء وما زالوا يموتون بسبب هذه البنية المتخلفة في نظام الحكم. كما إن ذات الفوضى تسببت في انتشار الفساد الذي كان موجوداً قبل ذاك ولكنه عمَّ البلاد بأسرها وأصبح يشكل نظاماً سائداً يمارس على نطاق الدولة والحكومة والمجتمع وكلف المجتمع حتى الآن عشرات المليارات من الدولارات, ونشأت بسبب ذلك صراعات دموية وخلافات لا نهاية لها. وهي المشكلة الإضافية التي يعاني منها المجتمع بأغلب فئاته في المرحلة الراهنة.
لا شك في أن فئات معينة استفادت وما تزال تستفيد من هذا الوضع لتعزز مواقعها في الحكم وتكرس الطائفية والأثنية السياسيتين ليس على مستوى الحكم فحسب, بل ونشره في صفوف المجتمع والاغتناء من السحت الحرام بشكل عام وإلى انتعاش نسبي لبعض الفئات.
في هذه الأوضاع الشاذة توفرت بعض الحريات العامة في الوهلة الاولى والتي بدأت تتقلص تدريجاً وتخضع لنشاط أمني يتحول يوما بعد آخر إلى سيف مسلط على رقاب الناس, كل الناس. وكانت نتيجة الجرأة في التمتع بهذه الحرية النسبية هو الموت لعدد غير قليل من الكتاب والعلماء والفنانين والسياسيين على أيدي القتلة المأجورين أو المؤدلجين دينياً ومذهبياً وسياسياً.
الوضع الراهن في العراق لا يطاق من جوانب كثيرة ويخطئ من يعتقد أن الوضع في البلاد سيستقر لمن هم في سدة الحكم اليوم إذا استمر الوضع الراهن على حاله دون تغيير, أي مع استمرار التناقضات الاجتماعية المتفاقمة والصراعات السياسية المستعصية بين القوى الحاكمة, التي تحول بعضها إلى عداء شخصي مستحكم, وغياب الرؤية المشتركة والحصيفة لدى القوى السياسية الحاكمة.
وتشير وقائع الحياة في البلاد إلى تراجع سريع ومستمر في الحريات النسبية العامة التي توفرت خلال الفترة المنصرمة التي خلقت تطلعاً لدى الكثير من الأوساط العراقية باحتمال توفر مستلزمات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية الحديثة والبدء العملي ببناء مجتمع مدني ديمقراطي حديث. وقد خاب ظنهم بذلك وارتفع مستوى الإحباط السياسي لدى الكثير من البشر, وهو ليس دون أسباب فعلية. فالحكم الطائفي السياسي بامتياز والصراع بين الأحزاب الطائفية السياسية على الحكم بهدف السيطرة المنفردة من جانب واحد, والرغبة الجامحة لدى الأحزاب الشيعية بعدم التخلي عن الموقع المهيمن والرغبة في عدم إشراك فعلي للآخرين في الحكم قاد ويقود الوضع المتردي إلى مزيد من التردي والتوتر. وزاد في الطين بلِة التوترات الجديدة بين قائمة دولة القانون وحزب الدعوة وبين قائمة التحالف الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني على العلاقة بين الحكم الاتحادي والحكم في الإقليم, إضافة إلى محاولات جادة من جانب الحكم للتهميش المتزايد لقوى سياسية غير حاكمة وقوى المجتمع المدني وجمهرة المثقفين والمثقفات في البلاد, وإلى التدخلات السياسية الخارجية والوضع الاقتصادي المتردي لجمهرة كبيرة من السكان ستقود إلى تعميق الأزمة الراهنة وتشديد عواقبها.
إن مبدأ المواطنة المتساوية غير متوفرة في عراق اليوم, بل تسود فيه الهويات الطائفية الثانوية والمتصارعة, وهي التي ستشكل الوأد الحقيقي للدولة المدنية, وهو اتجاه خطر يهدد وحدة شعب العراق تتبناه بعض أبرز قوى الإسلام السياسي الحاكمة والتي تريد من خلاله تعميق الاصطفاف الديني والمذهبي في البلاد لتفوز في الانتخابات القادمة, وهي حالة لا تقتصر على القوى والأحزاب الشيعية, بل تمارسها الأحزاب السنية أيضاً.
والظاهرة البارزة الاخرى التي اتخذت بعداً جديداً هو الصراع الدائر في البيت الشيعي في ما بين مراكز القوة حول من يستطيع التحكم في هذا البيت ويتسلم قيادة السلطة في البلاد. ويبدو هذا واضحاً بين حزب الأحرار وحزب الدعوة الإسلامية أو بين جماعة مقتدى الصدر وقوى المالكي. ومثل هذا الصراع يدور بين الكتل السياسية في إطار القائمة العراقية. وهي عملية تفتيت للقوى وتشديد الخلافات والصراعات والتي ستقود الى احتمال الخراب الذي يمكن أن يلحق بالبلاد والموت الذي سيصيب الناس.
إن الخلل البنيوي في النظام السياسي الراهن هو الذي يخلق الفردية ويدفع لنشوء الاستبداد في الحكم. والمالكي, وقبل ذاك الجعفري وعلاوي, هم الأبناء الشرعيون لهذا النظام المختل ولا ينفع استبدال المالكي بشخص آخر لأنه لن يكون أفضل من هؤلاء الثلاثة, بل ربما سيكون أسوأ منهم جميعاً, وخاصة إن جاء من قائمة الأحرار التي لم تقصر في ترهيب الشعب العراقي لفترة طويلة وكانت ضحيتها موت الكثير من البشر.
هذه هي المشكلة الكبيرة الأولى, وأعني أزمة الحكم الطائفي السياسية في البلاد والمحاصصة الطائفية والتخلي الشديد عن مبدأ المواطنة العراقية والسقوط في مستنقع الهويات الطائفية السياسية الهامشية القاتلة.
ثانياً: موقف القوى والأحزاب الكردية من الدولة العراقية.
منذ عقود اعترفت العديد من الأحزاب والقوى الديمقراطية بحق الكُرد في تقرير مصيرهم, وفي المقدمة منهم الحزب الشيوعي العراقي والكثير من اليساريين والماركسيين والديمقراطيين. وكان هذا يعني الحق في المطالبة بالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حق الانفصال وتشكيل الدولة الكردستانية الوطنية. وسمحت الظروف في فترة ما وعبر النضال العنيد للشعب الكردي ودعم القوى الديمقراطية العربية وسائر القوميات في العراق تحقيق الحكم الذاتي في إطار الدولة العراقية الذي فُرّغ من محتواه في فترة حزب البعث الذي أجبر تحت ظروف وشروط معينة الاعتراف بالحكم الذاتي. وتوفرت مجموعة من الظروف الأخرى في أعقاب انهيار القوات المسلحة في حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت والانتفاضة الشعبية في ربيع العام 1991 ونضال الشعب الكردي والجبهة الكردستانية التي ساهمت في تأمين الفيدرالية لإقليم كردستان في إطار الدولة العراقية. جاء هذا في أعقاب فرض الحماية الدولية للإقليم واضطرار القوات والإدارة العراقية الصدامية على الانسحاب من إقليم كردستان العراق وسيطرة القوى والأحزاب الكردية في الجبهة الكردستانية على الإقليم وإقامة حكومة كردستانية وبرلمان كردستاني أقرا النظام الفيدرالي للإقليم في إطار الدولة العراقية. وهو الشكل الذي أقر أيضاً في دستور العراق الجديد, دستور العام 2005.
واليوم يتمتع إقليم كردستان العراق بالحكم الفيدرالي في دولة عراقية اتحادية, مع وجود مناطق عديدة مختلف بشأن عائديتها للإقليم الكردستاني أو للإقليم العربي في الدول العراقية. وهو الذي يفترض أن يحل على وفق المادة 140 من الدستور العراقي المذكور.
إن الخلافات المحتدمة بين رئاسة وحكومة الإقليم من جهة, والحكومة الاتحادية من جهة أخرى, دفع برئاسة الإقليم إلى طرح مسائل ذات طابع تهديدي غير قابل للتحقيق وغير مطروح حالياً ولا في المستقبل المنظور عن انفصال الإقليم عن الدولة العراقية وإقامة الدولة الكردستانية. ورغم إن الطرح لم يكن بهذه الصراحة والوضوح إلا إن الكثيرين في العراق وخارج العراق قد فسروه على النحو الآنف. إن مثل هذا الطرح غير وارد حالياً ولا يساعد على حل المعضلات بل يزيد في تعقيد الأمور. وبالتالي فإن الحل العملي لكل المشكلات لا يتم إلا عبر الحوار وفي إطار الدولة العراقية. إن المعرفة الفعلية لواقع السياسة الدولية في المرحلة الراهنة يشير إلى إن الدولة الكردية مسألة غير مطروحة على بساط البحث حالياً وليس هناك من توجه لتغيير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة. فالحسابات الدقيقة للواقع الراهن في الشرق الأوسط ودول الجوار والمشكلات والتحالفات الدولية يفترض أن تعطي القادة السياسيين في كردستان العراق الوجهة الصائبة في التعامل مع الأحداث والوقائع وأن تستند إلى الإمكانيات الفعلية المتوفرة. فالجنوح إلى الرغبات دون أخذ الوقائع والظروف بنظر الاعتبار يسهم في خلق خمس مسائل غير مناسبة:
1. عدم الثقة بالتهديدات التي يطرحها القادة الكُرد بين فترة وأخرى لأنهم غير قادرين على تحقيقها. والمثل الكردي يقول من يحمل صخرة كبيرة لا يريد رميها, إذ لا يستطيع القيام بذلك!
2. يخلق إحباطاً شديداً لدى الجماهير الكردستانية التي تعتقد في بداية الأمر بقدرة القيادة الكُردية على تحقيق تلك التهديدات والوعود, ثم تراها عاجزة بعد تكرار التهديدات دون الوصول إلى غاية معينة.
3. يساهم في شق وحدة الصف الكردي السياسي بسبب تباين وجهات النظر بهذا الموضوع وخاصة من الناحية التكتيكية.
4. يخلق أجواء متوترة على صعيد العراق كله ويعبئ العرب في الخارج ضد الكُرد في وقت لم يطرح الأمر جدياً.
5. يثير دول الجوار التي تقطنها شعوب كردية, كما هو الحال في كل من تركيا وإيران على نحو خاص بحيث يدفع بتشكيل تحالف إقليمي مناهض للشعب الكردي وقضيته العادلة وضد الفيدرالية الكردستانية في العراق ويدفع بخلق تحالف مع قوى عراقية للتآمر ضد الكُرد والفيدرالية في العراق.
ومن هنا يفترض أن نفكر بالطريقة السليمة للتعامل مع الخلافات داخل الدولة العراقية وسبل حلها في إطار هذه الدولة وليس بالتهديد في الانفصال عنها, إذ لا تتوفر الحدود الدنيا لشروط مثل هذا الانفصال وتشكيل الدولة الكردية. كما ليس مقبولاً بل مرفوضاً ومداناً التصريحات غير المسؤولة التي اطلقها نوري المالكي في لقائه الأخير مع الاعلامي غسان جدو والذي ادعى فيه قدرته على قلعهم مرة واحدة (أنا بإمكاني أن أشيلهم مرة واحدة وأنهي الأزمة). إن صاحب هذا الخطاب الاستبدادي لم يتعلم من دروس التاريخ ومن التصريح الأهوج الذي أطلقه في حينها صالح مهدي عماش حين تحدث عن القتال في كردستان وإمكانية القضاء على الحركة الكردية ووصفها بأنها “نزهة ربيعية”, كما لم يتعظ نوري المالكي, الذي يراد استنساخه (حسب تصريح عباس البياتي), من عواقب مثل هذه التصريحات غير الحكيمة وهذه السياسات غير العقلانية على مطلقيها وممارسيها.
ويبدو لي وللكثير من المتابعين لتطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إقليم كردستان العراق إن هذا الطرح يشكل هروباً إلى الأمام من المشكلات التي يعاني منها الإقليم وخاصة في مواجهة مشكلات البطالة وغياب إستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والفساد المنتشر في الإقليم والحزبية الضيقة المهيمنة على الحياة السياسية والحكم في الإقليم
ثالثاً: الموقف من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمشكلات الناجمة عن تعطل هذه العملية.
بعد مرور تسع سنوات على إسقاط الدكتاتورية الغاشمة لم تستطع الحكومات العراقية المتعاقبة وضع إستراتيجية للتنمية الوطنية على صعيد العراق كله, كما لم تكن لديها أي سياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية عقلانية يمكن أن تساهم في تنشيط الاقتصاد الوطني العراقي أو تعيد بناء ما خرب من المشاريع الاقتصادية والعملية التنموية ولم تتجل حتى السياسات غير المناسبة والسيئة لاقتصاد العراق التي وضعها بول بريمر في خطط أو برامج تفصيلية تسهم في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي يعاني منها العراق حالياً والمتراكمة والمتفاقمة في آن. والعمل الفعلي الذي أنجز لتوفير الأموال للحكومة العراقية وزيادة السيولة النقدية برز في مجال استخراج وتصدير النفط الخام. وهو القطاع الذي يعتبر بقرة حلوب لاستهلاك الحكومات العراقية المتعاقبة منذ اكتشاف النفط وبدء إنتاجه في البلاد حتى الوقت الحاضر دون أن تبرز مظاهر توجيه موارد النفط المالية والنفط الخام والغاز الطبيعي صوب التنمية الصناعية المساهمة في إغناء الثروة الوطنية والدخل القومي وتحديث زراعة البلاد وتنويعها.
نحن أمام اقتصاد مخرب حطمته سياسات البعث غير الوطنية وحروبه الدامية وتدمير ما بني من مشاريع في فترة البعث ذاتها وما نشأ منها قبل ذاك. ولم تفعل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط الدكتاتورية إلى تنشيط القطاع الصناعي غير النفطي ولم تساهم في معالجة البطالة عبر التصنيع, بل عمقت من إشكاليات الاقتصاد العراقي عبر التشغيل الواسع في أجهزة الدولة العسكرية والدوائر الحكومية بحيث تكدس في العراق جيش جرار من البطالة المقنعة المرهقة للاقتصاد الوطني ومعاملات الناس. لقد تحقق تحسن في رواتب ومعيشة هذه الجمهرة الواسعة من الموظفين والبرجوازية التجارية والعقارية وكبار موظفي الدولة, ولكن لم يتحقق أي نمو حقيقي في البرجوازية الصناعية والزراعية, كما لم يتحقق نمو ملموس في الطبقة العاملة في هذه المجالات الأساسية للاقتصاد الوطني.
لقد تراجعت البطالة وتراجع الفقر نسبياً من خلال استخدام موارد النفط المالية في التوظيف في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية وفي قطاع الخدمات, الذي ما يزال متخلفاً ويعاني من نقص شديد, ومن فساد منهك ومفتت لقدرات البلاد المالية والفنية وتشريد الكوادر العلمية والفنية إلى خارج البلاد.
وإذا كان إقليم كردستان العراق قد حقق نتائج طيبة وملموسة في مجال الخدمات والبنية التحتية, ومنها الكهرباء والمال وإقامة الشوارع والجسور والعمران الواسع وتقليص الفقر وزيادة عدد المدارس والجامعات ..الخ, فإنه يشترك مع بقية أنحاء العراق في فقره التام للصناعة وتحديث الزراعة ومكافحة البطالة المقنعة, بل اتسعت الأخيرة إلى حدود مرهقة لميزانية الإقليم وقدراته الاستثمارية. فالفلسفة الاقتصادية للحكومتين غير متباينة في الموقف المناهض للتصنيع وتحديث وتنشيط القطاع الزراعي من جهة, والسعي لزيادة حجم الاستيراد السلعي الاستهلاكي والكمالي على حساب موارد الدولة والتنمية ومكافحة البطالة المقنعة والمكشوفة.
ما العمل؟
لا يمكن معالجة مشكلة واحدة ونسيان المشكلات الأخرى, إذ لا بد من التعامل مع مشكلات العراق كسلة واحدة تعالج بصورة مشتركة مع بعضها ومتناسقة ومتفاعلة بحيث يساهم البدء بحل هذه المشكلة أو تلك في حل المشكلات الأخرى.
وسأحاول هنا تبيان وجهة نظري في سبل حل المعضلات الثلاث الواردة في أعلاه كوجهة نظر قابلة للنقاش والتعديل والتبديل والتغيير أو الإغناء بما يسهم في تكوين رؤية وطنية مشتركة للعراق الراهن.
أولاً: العراق بحاجة إلى مجموعة من المسائل المتشابكة خلال السنة القادمة بغض النظر عن استمرار الحكومة الراهنة أو استبدالها بحكومة أخرى, إذ إن القضية لن تغير من الأمر شيئاً ما لم تتخذ الإجراءات لممارسة ما يلي:
** ستبقى المشكلات قائمة وتتجدد الصراعات السياسية والنزاعات, التي يمكن أن تتحول إلى دموية, إن استمر حكم المحاصصة الطائفية في البلاد وإلغاء هوية المواطنة العراقية الحرة والمتساوية. وبالتالي لا بد من إدراك حقيقة إن الطائفية السياسية اللعنة الفعلية الراهنة النازلة على رؤوس الشعب العراقي التي لا بد من التخلص منها.
** لا بد من تشكيل لجنة من مختلف القوى والأحزاب الحاكمة وغير الحاكمة لإجراء تعديل فعلي في الدستور العراقي بما يساعد على تخليصه من الفكر الطائفي السياسي وتكريس فلسفة الديمقراطية في الحياة السياسية العراقية, أي الشرعية الدستورية والحياة الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والفصل بين الدين والسياسة والتداول السلمي والديمقراطي للسلطة السياسية.
** إعادة النظر في قانون الانتخابات لإزالة كل الشوائب التي لحقت به عبر التعديلات التي جرت عليه والمرفوضة من المحكمة الاتحادية.
** الانتهاء من وضع وإقرار قانون الأحزاب السياسية العراقية على وفق الأسس الديمقراطية الحديثة.
** وضع القوانين المنظمة للعلاقة بين إقليم كردستان والدولة الاتحادية بما يحقق مضمون الفيدرالية ويبعد التجاوز المتبادل على الحقوق والصلاحيات ويعزز الوحدة الوطنية والدولة العراقية ومضامين الفيدرالية الديمقراطية.
وضع وإقرار قانون ديمقراطي للإعلام والإعلاميين وحماية الصحفيين من أية تجاوزات أو تجاوز على القانون.
** التخلي عن الطائفية السياسية في الحكم وفي توزيع المناصب الوزارية والدوائر الحكومية والأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمساواة التامة بين أبناء وبنات القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية غير العنصرية وغير الطائفية.
** وضع القوانين الملزمة بالمساواة التامة بين المرأة والرجل وتمتعها بحقوقها المسلوبة كاملة غير منقوصة وإزالة الغبن المديد والجاري حالياً وعملياً على حقوق وحريات المرأة.
** الاتفاق على إجراء انتخابات عامة جديدة بعد الانتهاء من هذه الإجراءات الضرورية لقيام نظام سياسي وطني ديمقراطي وليس طائفي سياسي محاصصي.
** وبغض النظر عن شكل الحكومة التي ستقام, سواء أكانت حكومة شراكة وطنية وتحالفات سياسية واسعة أو محدودة فلا بد من أن تبتعد عن السياسات الفردية والاستبداد وتأخذ بجماعية مجلس الوزراء واحترام إرادة الشعب واحترام البرلمان والقضاء العراقي من جانب السلطة التنفيذية.
** التزام الحكومة الجديدة بتفعيل المادة 140 من الدستور والانتهاء من مشكلة المناطق المتنازع عليها لصالح وحدة العرق ووحدة شعبه وسلامة دولته وتطور قومياته.
** العمل من أجل إزالة عدم الثقة التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة لصالح خلق ثقة جديدة ومتبادلة بين أطراف العملية السياسية, وبتعبير أدق الثقة بالحياة الديمقراطية والدستورية وتجنب المخاتلة والنفاق والادعاء والتآمر المتبادل.
هذا هو السبيل الوحيد لضمان الخلاص من الأزمة الراهنة سياسياً واجتماعياً والبدء بمعالجة القضايا الأخرى.

ثانياً: يبدو لي بأن رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق والقوى السياسية الفاعلة في الإقليم كافة من جانب والحكومة الاتحادية والقوى السياسية الحاكمة والفاعلة في العملية السياسية العراقية من جهة أخرى تتحمل مسؤولية التعامل الإيجابي الفعال مع الدستور العراقي, الذي أقر الفيدرالية الكردستانية, على أفضل وجه ممكن والبدء بوضع القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. وأرى بأن حكومة الإقليم يفترض أن تأخذ بالاعتبار المسائل الأساسية التالية:
1. إن الدستور العراقي يوزع الحقوق والصلاحيات والمسؤوليات بصورة عقلانية يفترض أن تتجلى في القوانين المنظمة للعلاقة بما يسهم في تعزيز الدولة والفيدرالية في آن واحد وبعيداً عن التجاوز المتبادل.
2. أن يتوقف المسؤولون في الإقليم عن التهديد بالانفصال كلما وقع خلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, إذ لا بد من حل تلك الخلافات عبر الطريق السلمي والديمقراطي والاستعانة بالمحكمة الاتحادية في هذا الصدد.
3. يشكل اقتصاد إقليم كردستان العراق جزءاً عضوياً من الاقتصاد العراقي, وبالتالي لا بد أن تشكل إستراتيجية التنمية في الإقليم جزءاً عضوياً منسقاً وموحداً من إستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العراقية وليس منفصلة عنها, إذ إن السوق الكردستاني العراقي هو جزء من السوق العراقي وليس منفصلاً عنه. وهذا يتطلب تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بما يحقق وحدة عملية إعادة الإنتاج في إطار الاقتصاد العراقي ويوحد الموقف من الاتفاقيات الدولية السياسية والاقتصادية وخاصة الاتفاقات النفطية. فالتجرية العملية برهنت بما لا يقبل الشك بأن الاتفاقيات التي وقعها الإقليم والتي تعتمد على المشاركة في الإنتاج لم تكن في صالح الاقتصاد الكردستاني والاقتصاد العراقي, بل حملتهما خسائر مالية كبيرة وعلى مدى بعيد, وهي متعارضة مع الدستور العراقي الذي أكد أن الثروة النفطية هي ملك الشعب العراقي وتخضع لسياسة الدولة العراقية الاتحادية. لقد كان الطابع السياسي للاتفاقيات هو الحاسم في عقدها ولم يسهم في تعزيز أو إضعاف الفيدرالية ولكنه أضعف العلاقة العضوية الضرورية بين الإقليم والدولة العراقية وأخل بالدستور العراقي.
لا شك في أن قوة الدولة العراقية التي تنهض على أسس ديمقراطية وحياة دستورية هي قوة للفيدرالية وضعفها هو ضعف للفيدرالية على الصعيدين الإقليمي والدولي وعلى الصعيد الداخلي, كما إن قوة الفيدرالية التي تستند إلى الحياة الديمقراطية والدستورية هي قوة للدولة العراقية أيضاً, وهو الأمر الذي يفترض أن يشكل أساساً للعمل المشترك في العراق وليس الصراع بين الإقليم والدولة الاتحادية.

ثالثاً: ليس في المقدور تحقيق التقدم في العراق ومعالجة المشكلات الكثيرة من دون البدء ببناء اقتصاد إنتاجي متين ومتجانس ومتفاعل بين اقتصاد الدولة واقتصاد إقليمها للتخلص من واقع الاقتصاد النفطي الريعي والاستهلاكي والاستيرادي والمكشوف كلية على الخارج في آن. وهذه العملية يجب أن تحتل مكان الصدارة للدولة الديمقراطية المفقودة حالياً في العراق. ويتطلب الأمر وضع إستراتيجية تنمية لقطاع النفط والقطاعين الصناعي والزراعي وقطاع التجارة الخارجية والبيئة في إستراتيجية متكاملة لعموم الاقتصاد العراقي والمجتمع بما يخدم عملية التنمية الاقتصادية والبشرية الشاملة والعامة التي حرم منها العراق طيلة العقود العشرة المنصرمة. إن التغيرات الاقتصادية العميقة هي التي تسمح بتغيير بنيتي الاقتصاد والمجتمع ووعي الفرد والمجتمع في آن, وهي العملية المفقودة حالياً.
إن معالجة هذه المشكلات الثلاث وبطريقة ذكية وعقلانية يمكنها أن تساهم بفعالية في معالجة الأزمة الخانقة والمركبة والمعقدة التي يعاني منها المجتمع وكذلك الدولة والنظام السياسي القائم.

كندا في 24/6/2012 كاظم حبيب