الرئيسية » دراسات » الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 15

الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 15

الحركات التي قام بها الكورد

قام الكورد، فضلا عن المساهمة في الحركات العامة المناهضة للدولة العباسية، باعمال وفعاليات خاصة بهم ضد ولاة الدولة وعمالها، ويمكن ادراج بعضها في عداد الثورات وان يطلق عليها تسمية (ثورة)، لانها ثورة بكل معنى الكلمة، حثتهم اليها عوامل سياسية واقتصادية وطبيعة علاقتهم مع السلطة المركزية، ودفعتهم الى اعلانها قوة الولاة العباسيين، الذين كانوا يضرب المثل ببعضهم في الشدة والبطش، كما لايمكن اغفال دور القبائل العربية المتمثل بمزاحمتها للقبائل الكوردية القاطنة بجوارها وجعلها ان تشق عصا الطاعة عن ولاة الدولة العباسية، لاسيما في نواحي الموصل المكتظة بالقبائل الكوردية والعربية المتعددة.

وقد تمثل البعض الاخر من هذه الاعمال والفعاليات في تجمع الكورد حول قائد لاجئ الى بلادهم او عامل متمرد على الدولة او نجدة من يستنجد بهم.

جاءت اشارات المؤرخين الى هذه الحركات والتجمعات في هوامش الاحداث الاخرى المرتبطة بها، فبالكاد لايوجد نص مستقل وخاص في جميع المصادر المتوفرة، يعالج تلكم الحركات والتجمعات بصورة شافية ومفصلة، وكل ما حصلت عليها من المعلومات عبارة عن نتف واستنتاجات مستقاة من ثنايا الروايات. -حركة الكورد في الموصل واعمالها سنة (148هـ/765م): اختلف المؤرخون في تحديد السنة التي ثار فيها الكورد بالموصل واعمالها، فالطبري يورد قصة تولي خالد بن برمك للموصل ضمن حوادث سنة (158هـ/775م) وفي سياق حديثه يتطرق الى (انتشار الكورد) فيها (1)، ويسرد الازدي وغيره القصة نفسها في حوادث سنة (148هـ/765م) (2)، اما ابن الاثير فيذكر ان تولي خالد ابن برمك للموصل كان بسبب حركة الكورد فيها، فولاه المنصور للقضاء عليها، وذلك في سنة (148هـ/765م) (3)، ويتحدث عن المحاورات التي جرت بين الخليفة المنصور والمسيب بن زهير حول تولي خالد في حوادث سنة (158هـ/775م) (4)،وان هذا الاختلاف هو الذي ادىّ الى وقوع بعض المؤرخين القدامى والمحدثين في الوهم عندما اعتبروا وقوع حركة الكورد في سنة (158هـ/775م) (5).

وفي الواقع فان الحركة حدثت سنة (148هـ/765م) كما عند الازدي وابن الاثير وغيرهما.

لاتورد المصادر التفاصيل عن حركة الكورد تلك، كجميع المسائل المتعلقة بتاريخ الكورد في تلك الحقبة ولا تذكر اسم القائم بقيادتها والاسباب التي دعته الى اعلانها (6).

استعمل المنصور القائد المحنّك خالد بن برمك على الموصل لتصفية حركة الكورد واعادة سيطرة الدولة عليها، فسار خالد الى الموصل وقضى على حركة الكورد فيها (7).

ـ حركة علي بن صدقة مولى الازد وابنه صدقة بن علي المعروف بـ(زريق) :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لايفرق المؤرخون -عدا الازدي- بين علي بن صدقة وابنه صدقة بن علي (زريق)، وهناك خلط واضح بين اخبار الشخصين وخلاف حول اصلهما، وينفرد الازدي بتقديم اخبار مفصلة عن الوالد والابن وياتي برواية مهمة عن اصلها، فنحاول اولا ان نميط اللثام عن اصل اسرة علي بن صدقة ومن ثم فصل اخباره عن اخبار ابنه زريق.

نسب بعض المؤرخين صدقة بين علي (الابن) الى قبيلة الازد العربية (8)، بينما يذكر البلاذري انه كان مولى الازد (9)، اما الازدي فكان ادق من غيره واكد على ان علي بن صدقة (الوالد) مولى لال المختار من قبيلة الازد (10)، ويرى كسروي ان صدقة بن علي كان من كورد جبال الموصل (منطقة بهدينان الحالية) وانه سمّي بمولى الازد لارتباطه بالوجناء بن الروّاد الازدي (11)، غير اننا لانتفق مع الشطر الثاني من رأي كسروي، لان الازدي يقطع الشك في سبب ولاء صدقة الى قبيلة الازد ونتفق معه في الشطر الاول ولدينا دلائل عدّة تدعم رأي كسروي ومن ثم رأينا، اولها كان علي بن صدقة مولى لاحدى بطون قبيلة الازد، وموالي القبائل العربية في غالبيتهم لم يكونوا من العرب (12)، وثانيها ان المناطق التي ثار فيها واخضعها لحكمه كانت مناطق كوردية في الغالب وهي المناطق الجبلية بين الموصل واذربيجان (13)، واخيرا يقول الازدي عنه انه (كتب الى عشائره بالموصل.. فرحل وتوسط اذربيجان وجمع اليه من بها من عشائره (14)، ويقول على لسان احد اصحاب الوجوه في اذربيجان) اقم (الكلام موجّه الى صدقة بن علي) باذربيجان بالقرب من منزلك وضياعك بين اظهر عشائرك (15)، اما توما المرجي فيقول… لان الكورد في ذلك الزمان (يقصد بداية القرن الثالث الهجري) قاموا باعمال تخريبية وبالسلب والنهب (16)، وبما ان الكورد لم يقوموا باية حركة اخرى مضاّدة للدولة في هذه الاثناء، فمن المرجح انه يقصد من قوله حركة صدقة بن علي، والجدير بالذكر ان توما المرجي من اهل مركه (المرج) (17)، وكان من رجال القرن الثالث الهجري، اي كان معاصرا لاحداث حركة صدقه بن علي زمانيا ومكانيا ان صحّ التعبير، اذن هناك شاهد عيان يروي الاحداث لحظة وقوعها، وبناء على كل ذلك يمكن القول ان علي بن صدقة كان احد رجال القبائل الكوردية القاطنة في المنطقة الجبلية الواقعة بين الموصل واذربيجان .

قام علي بن صدقة ببعض الاعمال المضادة للدولة العباسية في عصر هارون الرشيد (170-193هـ/787-809م) ويروي البلاذري ان صدقة بن علي (والصحيح علي بن صدقة) (*) والوجناء الازدي قد عاثا في المراغة (18) وافسدا (19) ، ثم حارب علي اهل اورمية وتغلب على المدينة وبنى مع اخوته قصورا فيها (20) ، ان معلوماتنا عن علي بن صدقة يشوبها الاضطراب والانقطاع، ويظهر من اقوال توما المرجي والازدي انه قد استولى على المناطق الواقعة بين الموصل واذربيجان، فيقول الاول عن ابنه زريق (زريق واباؤه حكّام الموصل والشمال كله) (21) ، ويذكر الاخر انه .. كان ابوه ( اي ابو زريق علي بن صدقة) صعلوكا يغير ويفسد اوّى الى الجبل فجازه لنفسه وانتزعه من اهله (22) . وجهّ هارون الرشيد احمد بن يحيى الحرشي الى علي بن صدقة، فتوغل احمد بجيشه في عمق الجبال المتشعبة والخاضعة لسلطان علي بن صدقة، فاسره علي وقتله (23) .

اصبح علي بن صدقة بعد هذا الانتصار في موضع قوة، فلما توفيّ هارون الرشيد سنة (193هـ/809م) ، تغلب على الجبال المجاورة (24) .

قضى علي بن صدقة نحبه في بدايات عصر الخليفة المأمون فوليّ مكانه في رئاسة الحركة ابنه صدقة بن علي (زريق) ، فاستولى هذا على قرى ومدن اخرى في اذربيجان وارمينية (25) ، وحسب قول الازدي فان زريقا حارب صاحب الران (اران) وانتزع منه قرى ومراعي عدة وبعدها حارب اهل مدينة مرند (26) واستولى على الكثير من ضياعهم وهاجم الموصل في ثلاثين الف فارس وحاصرها ، وكان زريق قد نفّذ هذه الفعاليات في المدة الزمنية الواقعة بين وفاة ابيه سنة (305هـ/820م) (27) . اراد زريق بعد ان سيطر على اذربيجان ، ان يضم ارمينية الى ممتلكاته، فكاتب الخليفة المأمون وسأله في ان يوليّه ارمينية وحرب بابك الخرميّ بالكفاية غير ان المأمون سلم ولاية ارمينية الى عيسى بن محمد ، فغضب زريق من اجراء المأمون وجمع رجاله وكتب الى القبائل الكوردية الموالية له في اعمال الموصل ، فالتف حوله عدد كثير من الاتباع ، ثم توجهّ نحو اذربيجان وكاتب اصحاب الجموع والوجوه ورؤساء القبائل فاجتمع اليه الكثير منه ، فبلغ عدد المجتمعين حوله في الموصل واذربيجان حوالي خمسين الفاً بين فارس وراجل (28) .

سار زريق بجموعه الى غربي اذربيجان ونزل باردبيل ثم غادر المنطقة تجنب حرب بابك وتوجهّ نحو ارمينية فحط الرحال عند مدينة برذعة، ثم رجع اخيرا الى اذربيجان (29) . بلغ المأمون بخبر انصراف زريق عن ولايتي اذربيجان وارمينية وتجنبه حرب بابك الخرمّي ، فاستحضر السيد بن أنس الازدي، واعلمه السيد بجميع الاعمال العدائية التي قام بها زريق ضد الدولة، فولاه المأمون على ارمينية واذربيجان وقتال زريق (30) .

كان زريق ينوي ان ينفرد بولايتي ارمينية واذربيجان حتى لو كان ذلك عن طريق مواجهة عسكرية مع الدولة من جهة ، وان يتجنب قتال بابك من جهة ثانية ، فكان عليه ان يواجه السيد بن أنس عامل الخليفة المأمون ، فواجهه فعلا والتقى به على شاطيء الزاب الاعلى وهزمّه وذلك في سنة (206هـ/821م) (31)

تجدد القتال بين زريق والسيد مرة اخرى، عند قرية باجبارى (32) ، ولولا وصول احمد بن عمر العدوي لحقق زريق انتصارا اخر ، حيث ان احمد بن عمر منعهما من القتال وقال لهما (فان قاتلتم والا كنت مع المظلوم..) (33) ، فوافق السيد على مبادرة احمد بن عمر العدوي ووافى زريقا فاجتمعا وأصطلحا (34) .

وفي سنة (209هـ/824 م) ولي المأمون ابراهيم بن الليث اذربيجان لحرب زريق لكن ابراهيم لم يتمكن من عمل شيء ازاء زريق (35) ، ومن جانب اخر تجدد القتال بين زريق والسيد بن أنس ، وكان سببه ان السيد قام بحبس سليمان وزيد ابني عمران ، فكاتبا زريقاً لمهاجمة الموصل ، فهاجم زريق الموصل وقاتل السيد الا ان يحيى بن القاسم منع الطرفين من القتال واصلح بينهما (36) .

كان الاتفاق بين زريق والسيد هشاً ، فلم تمض سنتان حتى تجدد الخلافات بينهما ، حيث سار زريق على رأس اربعين الف فارس وراجل الى الموصل ونزل بسوق الاحد وخرج اليه السيد باربعة الآف ، فأقتتل الطرفان لمدة طولية، وانتهى بمقتل السيد بن أنس الازدى (37) .

اظهر المأمون غضبا شديدا حينما سمع بمقتل السيد، فوجه فورا محمد بن حميد الطوسي الى الموصل واذربيجان لقتال بابك وزريق معاً (38) ، فوصلها محمد في سنة (212هـ/ 827م) ومعه ابن المقتول محمد بن السيد وجيش كبير مكون من رجال القبائل العربية ، وخرج زريق من جانبه من الموصل ونزل بالجانب الشرقي من الزاب الاعلى ، واراد الطوسي حسم الموقف بصورة سلمية فبدأ بمراسلة زريق ودعاه الى طاعة الخليفة ، فامتنع زريق واستعد للقتال ، وجرى قتال شديد بينهما اندحر فيه زريق واحتمى بالجبال ثم كاتب الطوسي وطلب منه الامان ، الا ان الطوسي خدعه والقى القبض عليه وارسله مقيداً الى المأمون ، فكتب المأمون الى محمد بن حميد الطوسي ليصادر جميع اموال زريق واصحابه من الرساتيق والاموال والضياع (39) .

ـ المهدي الكوردي:

من المسائل المسلم بها، ان المصادر العربية الاسلامية قلما تتطرق الى الاخبار المتعلقة بالكورد وبلادهم، لاسيما فيما يخص المناطق الجبلية النائية في اقليمي الجزيرة الفراتية وارمينية، فمن خلال دراستنا وجدنا ان هناك احداثا ومسائل شتى وقعت في تلك المناطق، لم تشر المصادر الاسلامية اليها بعبارة او بكلمة، بينما نجد المصادر البيزنطية والسريانية قد تحدثت بشيء من التفصيل عنها. الشيء الذي نقصده هنا هو ان الرهاوي المجهول (*) وابن العبري يتحدثان عن المهدي الكوردي الذي ادعى النبوة بين كورد الجزيرة، ونظرا لاهمية الموضوع من جميع النواحي وندرة المصادر السريانية التي اشارت الى هذه المسالة، وتعذر المعنيين بتاريخ الكورد الحصول عليها، واتماما لفائدة البحث وجدنا من الافضل نقل النص كما دونه الرهاوي، والتعليق عليه فيما بعد .

كان في ذلك الزمان قوم يدينون بالوثنية وهم الاكراد الموجودون الى اليوم وهؤلاء بدأوا باحتلال الحصون ثم انضموا الى الدين الاسلامي بعد ان فقدوا رؤساءهم كما هو مكتوب ها هنا ، انهم مجموعة من الشعوب الارمينية والفارسية الوثنية (40) ، ثم اصبحوا امة خاصة معروفة ويسمون الان باسماء الحصون التي استولوا عليها (41) ، وكان يتداول بينهم حديث ناتج عن تكهن وتقليد ابائهم مفاده ان ملكا سيظهر منهم يدعى المهدي ، وانه حسب مضمون اسمه سيهدي الشعوب الى الايمان وكانوا يدعونه الهاً، وانه سيخلف ملكه لاخر وهكذا الى غير نهاية، ففي هذا الزمان اذن ظهر رئيسهم المهدي الذي تكلمنا عليه وظنوا انه هو ذاك الذي ينتظرونه، وكان غير قابل للمس منهم ويضع برقعا على وجهه ويدعو نفسه نبياً الهياً (42)، وكل يوم كان يزداد عدد الموالين له وتأتيه الاموال بوفرة فاجتمع اليه فئات كثيرة من شتى الشعوب الفارسية والعربية والوثنية تراودهم فكرة النهب والسلب، وجعل سكناه في جبال منيعة من بلاد الاكراد، وحلت رهبته على الجزيرة وارمينية واجتاح بيت زيدي (بازيدى) (43) وطور عابدين (44)، وكانت سيوفهم ترتوي من الدم غير مشفقين على كل الاصناف، وكانت الشعوب كلها سواء لديهم في القتل واذ كانوا يدينون بالمجوسية (الزرادشتية) فكانوا يعتبرون غريبا كل من لايتخذ المهدي نبيا الهياً، وخاف الملك المأمون نفسه منهم، وحينما دخلوا بلاد طور عابدين ودير قرتمين والقرى المجاورة واخذوا يعيثون فيها فسادا، تشجع الحسن (45)، حاكم تلك البلاد وجابههم ولاسيما انه كان يرى العذابات التي يسومونها الرهبان، لان الحسن كان سليم النية تجاه المسيحيين، فانقض عليهم بغتة، وشاء الله ان يحل الارتباك بين صفوف الاكراد، فولوا الادبار، واضطر المهدي الذي كانوا يؤلهونه الى رفع البرقع عن وجهه والهرب من امام الحسن، فنجا مع افراد قلائل الى بلاد اسحاق بن اشود (46)، ودخل عند اسحاق الى الحصن واجتمع الاكراد حول الحصن اما اسحاق فاسرع حالا وقبض على المهدي وقطع رأسه (47)، وفي الليل اخذ الرأس وكل ما استطاع اخذه من المال والناس وهرب من قدامهم وعاد الى حصنه وترك اولاده في ذلك الحصن وذهب الى حاكم الجزيرة، ولما انبلج الصبح ودخل الاكراد الى الحصن ولم يجدوا فيه سوى جثة المهدي، احرقوا منازل اسحاق ثم رحلوا وأتوا وكمنوا امام الحصن الذي كان فيه اولاد اسحاق وامرأته، واذ احست بذلك امرأة وثنية اذاعت في القرية فدخل سكان القرية الى الحصن، وكان لامرأة اسحاق أخ راهب قد دخل الحصن هو ايضا، ولما وصل الاكراد قتلوا كل من كان خارج الحصن وشنوا هجوما على الحصن واخذوا يرشقونه بالحجارة حتى شرعت الغرف الداخلية تنهار، وبينما كانوا على وشك الاستسلام الى . الاكراد الذين اضرموا النار في باب الحصن، اذا بذلك الراهب يمد يده فيتناول رمحا ثم يلقي بنفسه من السور، ولما واجه فيالق الاكراد توجه نحو رئيسهم الذي اقيم خلفا للمهدي وطعنه بالرمح وصرعه، ولما كان الظلام قد بدأ يخيم على الارض استطاع الراهب الهرب والنجاة، وشاء الله ان يحضر اسحاق على رأس الجنود الذين جلبهم معه، وانقض بغتة على الاكراد واباد الكثيرين منهم وفر الباقون وتبددوا، كانت هذه نهاية المهدي المفجعة، واقاموا رئيسا عليهم شخصا اسمه هارون وبعده قام بابك، وهكذا تعاقبوا حتى اليوم وهم ينتشرون ويسيطرون على الحصون المنيعة في البلدان الفارسية (48).

لا يحدد الرهاوي السنة التي ظهر فيها المهدي الكوردي، غير ان ابن العبري يتحدث عن ظهور المهدي في حوادث سنة (1140) يونانية التي تقابل سنة (214هـ/829م)، اي قبل ان تصبح حركة بابك الخرمي، حركة عامة بالنسبة للكورد باربع سنوات، فكما بينا في موضوع الكورد وحركة بابك الخرمي، ان عدداً كثيراً من الكورد في مختلف مدن ومناطق اقليم الجبال قد انظموا الى حركة بابك الخرمي في سنة (218هـ/833م) وتجمعوا بهمذان (49)، ومما يسترعي الانتباه من النص هو ان كلا من الرهاوي المجهول وابن العبري يعدان بابك من الكورد ويعتبران حركته امتداداً لحركة المهدي الكوردي.

ويبادر الى الذهن سؤال لافت للنظر، وهو ان فكرة ظهور المهدى بين المسلمين تخص الشيعة وحدهم، وان كورد الجزيرة لم يكونوا من الشيعة يوما ما، فكيف يظهر بينهم من يدعي انه المهدي؟ ربما تكون الاجابة سهلة اذا علمنا ان الكورد الذي امنوا بالمهدي واجتمعوا حوله، كانوا لايزالون على ديانتهم القديمة اي الزرادشتية، كما يظهر بوضوح من النص، رغم ان الاسلام قد انتشر في الجزيرة العليا واعتنقه كورد اخرون، وان ظهور منقذ العالم (المهدي المنتظر) فكرة زرادشتية ايضا.

ان حياة المهدي الكوردي ومجريات دعوته تحمل بين طياتها حقائق تاريخية كثيرة وتتطلب الاستقصاء والبحث في التواريخ السريانية المحلية والدوريات الكنسية .

الكورد وحروبهم مع اسرة ابي دلف:

هاجرت اسرة ابي دلف العجلي من الكوفة الى نواحي همذان واصفهان في اواسط القرن الثاني الهجري، وكان عيسى بن ادريس بن معقل العجلي الشخص الاول من الاسرة بعد استيطانها هناك، بنى مدينة الكرج في برية اصفهان ونزلها، واتم ابنه ابي دلف القاسم بن عيسى بناء المدينة وجعلها شبيهة بالبلدة (50).

كان ابو دلف اميرا شجاعاً وشاعراً جواداً ومن خيرة قادة المأمون ثم المعتصم، واشار بعض المؤرخين اثناء سرد سيرته ومجالساته ببغداد الى معاركه واشتباكاته مع الكورد في مناطق نفوذه دون ان يحددوا سنة وقوعها (51).

ويروي ابن خلكان وغيره ان الكورد قطعوا الطريق على ابي دلف في عمله، فلاحقهم وطعن فارسا منهم بسهم، فنفذ السهم الى فارس اخر وراءه، فمات كلاهما (52).

وينقل الاصطرخي معلومات في غاية الاهمية عن المعارك الدائرة بين آل ابي دلف وكورد زم جيلويه (زم الرميجان)، ويقول ان جيلويه كان في الاصل من زم خمايجان في كورة الاصطخر، فانتقل منها الى زم الرميجان، وخدم رئيس الزم سلمة بن روزيه، فما مات روزيه تغلب جيلويه على زمه حتى نسب الزم اليه (53)، ثم اخذ جيلويه يتوسع في مناطق نفوذ زمه في نواحي اصفهان، فجعله ذلك في اصطدام مع آل ابي دلف التي كانت اكبر اسرة عربية متنفذة في تلك النواحي، فجرت معارك بينهما، قتل في احداها معقل بن عيسى اخو ابي دلف قتله جيلويه، وفي احدى المعارك اللاحقة، انتقم ابو دلف من جيلويه وقتله وحز راسه واستولى على مناطق نفوذه، فبقيت زم جيلويه بايدي آل ابي دلف الى ان انقضت ايمامهم (54).

ويضيف الاصطرخي ان زم جيلويه وقع في يد عمرو بن الليث الصفار (265-289هـ/879-902م) بعد ان هزم احمد بن عبد العزيز العجلي، ويظهر ان اولاد جيلويه واحفاده استرجعوا الزم الى نفوذهم فيما بعد (55).

الحواشي:

ـــــ

(1) تاريخ الطبري، 8/55.

(2) تاريخ الموصل، ص207-208. البيهقي: المحاسن والمساوئ، القاهرة (د.ت) ، 2/4.

(3) الكامل، 5/25-26.

(4) م.ن ، 5/43.

(5) ابن خلدون: العبر، 3/202 (يتحدث عن حركة الكورد في كلتا السنتين. سليمان الصائغ: تاريخ الموصل، 1/73. محمد جمال الدين سرور: الحياة السياسية في الحضارة العربية الاسلامية، ص210.

(6) يورد انور المائي حركة الكورد بالموصل بهذا الشكل في سنة (149هـ/767م) عظم الشأن كوهدمز امير قلعة شاباني في سنديا، فاستولى على بهنزاد (لعلها باعذرة) ود اسن الى زيبار فخاف منه الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور فارسل وزيره خالد بن برمك على رأس جيش لجب، فلما رأى الامير الداسني (السندي) انه لاطاقة له به اخذ يفاوضه من اجل الصلح على ان يترك له الجبال ويرضى عنه بدفع الاتاوة والاعتراف بخلافة المنصور (الاكراد في بهدينان، ص94). والجدير بالاشارة الى ان هذه الاضافات لم تلق اي دعم من المصادر الاسلامية المتوفرة.

(7) الكامل، 5/26. ويورد ابن خلكان قصة تولي خالد للموصل بصورة مغايرة للاخرين فيقول (كان ابو ايوب المورياني (وزير الخليفة المنصور) قد غلب على المنصور فاحتال على خالد البرمكي بان ذكر للمنصور تغلب الكورد على فارس (تصحيف والصحيح الموصل) وان لايكفيه امرها سوى خالد فندبه اليها فلما ابعد خالد عن الحضرة، استبد ابو ايوب بالامر. وفيات الاعيان، 1/332.

(8) تاريخ اليعقوبي، 2/463. الكامل 5/214.

(9) فتوح البلدان، ص405.

(10) تاريخ الموصل، ص312.

(11) شهرياران كمنام، تهران 1957م، 2/156. (باللغة الفارسية).

(12) الصابي: رسوم دار الخلافة، ص122.

(13) تاريخ الموصل، ص356. الكامل، 5/214. شهرياران كمنام، 2/157.

(14) تاريخ الموصل، ص356.

(15) م.ن، ص 357.

(16) كتاب الرؤساء، عربّه ووضع حواشيه الاب البيرا ابونا، الموصل 1966م، ص 233.

(17) تقابل الان اراضي قضاء عقرة التابعة للموصل.

(*) لايفرق البلاذري بين علي بن صدقة وابنه زريق، ويذكر ان صدقة بن علي (زريق) قام بهذه الفعاليات في عصر الخليفة هارون الرشيد، فكما بينا ان القائم بهذه الفعاليات هو علي بن صدقة لانه كان هو المعاصر لهارون الرشيد وليس ابنه. (18) المراغة: تقع في جنوب شرق بحيرة اورمية على نهر صافي، وكان في العصر الاسلامي من اشهر مدن اذربيجان. معجم البلدان، 5/93. البغدادي: مراصد الاطلاع، 3/125.

(19) فتوح البدان، ص405.

(20) م.ن.ص مينورسكي: دائرة المعارف الاسلامية مادة اورمية، 1/674.

(21) كتاب الرؤساء، ص223.

(22) تاريخ الموصل، ص358.

(23) م.ن.ص.

(24) م.ن.ص.

(25) م.ن.ص.

(26) مدينة مسرند ينظر: الفصل الاول.

(27) يتحدث الازدي عن الحوار الذي جرى بين الخليفة المأمون والسيد بن أنس الازدى حوادث (سنة 205هـ/820م) حيث اخبر السيد بن أنس المأمون عن الاعمال التي قام بها زريق بعد وفاة ابيه. تاريخ الموصل، ص356.

(28) تاريخ الموصل، ص356.

(29) م.ن، ص 357.

(30) م.ن ، ص 358.

(31) م.ن ،ص 359.

(32) باجباري: قرية كبيرة واقعة في شرقي الموصل بنحو ميل. معجم البلدان، 1/312. مراصد الاطلاع، 1/146.

(33) تاريخ الموصل، ص 366.

(34) تاريخ الموصل، ص366.

(35) تاريخ الطبري، 8/601، تاريخ الموصل، ص366. الكامل، 5/208.

(36) تاريخ الموصل، ص 371-372.

(37) م.ن، ص 373. الكامل ، 5/214.

(38) تاريخ الطبري، 8/619. تاريخ الموصل، ص378. الكامل ، 5/215.

(39) تاريخ الطبري، 8/619. تاريخ الموصل، ص381-383. الكامل ن 5/5 21-216.

(*) الف راهب من اهل الرها مجهول الهوية (النصف الاول من القرن السابع الهجري) كتابا تاريخيا باللغة السريانية يتناول فيه بعض الحوادث التاريخية المتعلقة باقاليم الجزيرة وارمينية والشام، والكتاب مترجم الى اللغة العربية، تاريخ الرهاوي المجهول، عربه ووضع حواشيه الاب البير ابونا، بغداد 1986م.

كما نقل ابن العبري اخبار المهدي الكوردي في كتابه: تاريخ الدول السرياني (بالسريانية)، ص144، وكذلك ميخائيل السرياني في تاريخه.

(40) ربما يقصد انهم من الساكنين في البلاد الفارسية (ايران) والبلاد الارمينية (ارمينيا).

(41) كانت للكورد قلاع وحصون عديدة في مناطق مختلفة من اقليم ارمينية والجزيرة الفراتية ومعروفة باسماء القبائل التي تحكمها، ينظر عنها: معجم البلدان ، 1/432، 3/158-159. البغدادي: مراصد الاطلاع، 1/2 ، 152.

(42) ويضيف ابن العبري ان المهدي كان يدعي انه المسيح و(الروح القدس)، تاريخ الدول السرياني، ص144. وينظر الملحق رقم (4).

(43) بازيدى: قرية كبيرة في غربي دجلة بالقرب من جزيرة ابن عمر، وعندها يلتقي نهر الخابور بنهر دجلة، معجم البلدان، 1/320. الحميرى: الروض المعطار في خبر الاقطار، ص74.

(44) طور عابدين: بلدة صغيرة من اعمال نصيبين في بطن الجبل المشرف عليها. معجم البلدان ،4/48. مراصد الاطلاع، 2/896.

(45) لم نقف على ترجمة له في المصادر الاسلامية.

(46) اسحاق بن احود الارمني لدى ابن العبري، تاريخ الدول السرياني، ص144.

(47) يذكرنا ذلك بقصة بابك الخرمي مع سهل بن سنباط احد بطارقة ارمينية فحينما لجأ بابك الى بلاد سهل، غدر به سهل واخبر الافشين على مكان اختفائه.

(48) تاريخ الرهاوي المجهول، ص39-41، ويقارن مع ابن العبري: تاريخ الدول السرياني، ص144، والمحلق رقم (4).

(49) المقدسي: البدء والتاريخ، 6/114. ابن العبري: مختصر تاريخ الدول، ص139، محمد خضرى بك: تاريخ الامم الاسلامية، مصر 1934م ص198.

(50) السمعاني: الانساب، 10/379.

(51) ابن طيفور: كتاب بغداد، القاهرة 1949، ص 138.

(52) وفيات الاعيان، 4/75. ابن حجة الحموى: المختار من كتاب ثمرات الاوراق، القاهرة (د.ت)، ص56.

(53) مسالك الممالك، ص144.

(54) م.ن، ص145.

(55) م.ن، ص145.


AL Taakhi
الاثنين 18-06-2012