الرئيسية » دراسات » الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 14

الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 14

فأن معرفة مذهب بابك بصورة صحيحة لامر مستحيل تقريباً وذلك لان كل ما لدينا عنه هو روايات المؤرخين المسلمين المتحيزة، غير ان بامكان الباحث من خلال الامعان في قراءة النصوص والروايات ان يستشف بعض الحقائق من ثناياها، فمثلاً ذكر اغلب المؤرخين المسلمين ان بابك والخرمية كانوا يقومون بقتل اسرى المسلمين في حين نجد انهم عاملوهم معاملة حسنة، فعندما فتح البذ كان بها اعداد غفيرة من اسرى المسلمين (177)، كما انهم لم يمنعوهم من القيام بممارسة شعائرهم الدينية من الصوم والصلاة وغيرها ، فيروي البغدادي ان البابكية ‘بنوا في جبلهم مساجد للمسلمين’ (178) اما ابن النديم فيقول ‘ ومع هذه الحال ، فيرون اعمال الخير وترك القتل وادخال الالام على النفوس (179).

ارهقت حركة بابك الدولة العباسية كثيراً واستنزفت قواها حتى اصبحت خطراً عليها، ولو لا قوة الخليفة المأمون (198- 218 هـ / 813- 833م)، ومن بعده الخليفة المعتصم (218- 227 هـ / 833- 842م) وتصميمها على القضاء عليها، لكان من الممكن ان تحقق الحركة بعضا من اهدافها السياسية، فالخليفة المأمون كان يرسل جيشاً تلو الاخر لقتال بابك دون ان يحقق نصراً حاسماً عليه طوال حكمه ، فارسل اليه في سنة (204هـ/ 819م) يحيى بن معاذ، فوقعت معركة بينهما ولم يحسم الموقف لاحدهما (180)، وفي السنة التالية ولى عيسى بن محمد بن ابي خالد ارمينية واذربيجان لمحاربة بابك وولى بعده زريق بن علي بن صدقة، غير ان الاخير تجنب ملاقاة بابك وتوجه نحو ارمينية (181)، بل حصل نوع من التعاون بينه وبين بابك ، ففي سنة (211هـ/ 825م) هاجم زريق الموصل ومعه اربعين الفا من اصحابه وحارب اميرها السيد بن أنس الازدي وقتله ، ولما بلغ المأمون بخبر قتل السيد اظهر غضباً شديداً وارسل محمد بن حميد الطوسي الى الموصل واذربيجان لحرب زريق وبابك (182)، فوصل الطوسي الى الموصل (212هـ / 826م) ، وبعد ان تخلص من امر زريق تفرغ لحرب بابك (183).

وصل الطوسي بجيش كبير الى هشتاد سر (184)، فاستعد بابك للمقاومة ‘وكمن لهم رجاله تحت كل صخرة’ فأوقعوا بهم وقتلوا عددا كثيرا منهم من بينهم محمد بن حميد الطوسي نفسه (185).

ولى المأمون بعد مقتل الطوسي، عبدالله بن طاهر بن الحسين اذربيجان لقتال بابك، وكان عبدالله بالدينور كارها للقيام بهذه المهمة، فخيره المأمون بين ولاية الجبال واذربيجان لحرب بابك او التوجه الى خراسان لقتال الخوارج فيها فاختار عبدالله خراسان وسار اليها (186)، وانيطت المهمة بعلي بن هشام فولى الجبال واذربيجان لحرب بابك، غير انه هو الاخر حاول الممالطة، بل اتصل بابك، فكشف امره وقتل بتوجيه من الخليفة المأمون(187).

باءت جميع محاولات المأمون بالفشل، وحركة بابك اخذة بالتوسع ، وادرك الخليفة هذه الحقيقة وهو مريض، فتعهد بالخلافة الى اخيه ابي اسحاق المعتصم، وكتب وصية له بين فيها خطر حركة بابك على الدولة وضرورة القضاء عليها حيث جاء فيها ‘ … والخرمية، فاغزهم ذا حزمة وصرامة وجلد واكنفه بالاموال والجنود، فان طالت مدتهم فتجرد لهم من معك من انصارك واوليائك’ (188).

تولى المعتصم الخلافة سنة (218هـ / 833م)، ودخلت حركة بابك مرحلة خطيرة، فضلا عن اذربيجان ، انضم الكورد وغيرهم من سكان الدينور وهمذان ونهاوند والصيمرة وماسبذان الى الحركة وتجمعوا بهمذان (189)، فاراد الخليفة الجديد القيام بما اوصى به المأمون من الايقاع بالخرمية وتشتيت صفوفهم، لاسيما بعد دخول سكان اقليم الجبال اليها، فلا غرو ان يصبح خوف المعتصم من انتشار الخرمية احد الاسباب التي ادت به ان ينقل عاصمته من بغداد الى سامراء ، لكي يكون فوقهم ويراقب تحركاتهم عن كثب (190).

ارسل المعتصم خيرة جيوشه الى الخرمية المتجمعين في همذان ، بقيادة هاشم بن باتيجور ، فكانت بينه وبينهم وقعة هزم فيها هاشم (191)، واصر المعتصم على ارسال المزيد من الجيوش اليهم، ويقول الدينوري بهذا الصدد ‘ لم تكن همته غيره ‘ (192)، اي غير بابك، حيث ارسل بعد هاشم قوادا اخرين، كان اخرهم اسحاق بن ابراهيم الذي تغلب عليهم وقتل منهم حوالي ستين الفا حسبما تذكر المصادر، وهرب الناجون منهم الى بلاد الروم (193)، يقودهم نصر الكوردي (ثيوفوب) (194).

عصمت الكوردي ودوره في حركة بابك :

كان عصمة احد امراء الكورد في اذربيجان وصاحب مدينة مرند (195)، دخل في طاعة بابك في حقبة ما قبل سنة (220هـ / 835م) واصبح قائداً من قواده (196)، وكان محمد بن البعيث اميراً اخر لاذربيجان وله قلعتا تبريز وشاهي (197)، استمال الى بايك واصبح حليفا له، ووعده بانه يقدم المؤن الى سراياه عند مرورها بضياعه، فارسل بابك وفق عهد ابن البعيث له سرية عسكرية تحت قيادة عصمت الكوردي اليه، فنزل عصمت بسريته عند ابن البعيث بقلعة شاهي (198)، وحدث في هذه الاثناء ان ارسل المعتصم جيشاً كبيراً بقيادة الافشين واخر بقيادة طاهر بن ابراهيم الى ابن البعيث، الامر الذي جعل من ابن البعيث ان يتخلى عن بابك وينقض عهده معه، فكتب استعطافا الى المعتصم واعلن طاعته له وابدى استعداده في محاربة بابك والخرمية ، ولاظهار ذلك تقرب من عصمت الكوردي وتصاهر معه واستدرجه الى منزله، ثم القى القبض عليه وارسله الى المعتصم (199)، فلاطفه المعتصم وسأله عن طرق ومعاقل البلاد التي سيطر عليها بابك، فاعطاه عصمت معلومات مفصلة عنها، ثم ادخل في السجن ، وبقي به حتى عصر الخليفة الواثق (227- 232 هـ / 842- 847م) (200)، وبذلك طعن بابك من الخلف والحق به ضرراً لايعوض، حيث فقد احسن اعوانه واحداً من اعظم قادة سراياه، فضلا عن اطلاع المعتصم على خفايا بلاد اذربيجان (201) .

دامت الحروب بين بابك وجيوش الدولة العباسية لمدة ثلاث سنوات (220- 223 هـ / 835- 838م) ، وكان في الحقيقة حربا ضروسا وصعبا على الجيش العباسي النظامي، ذلك لان الخرمية كانوا قد تحصنوا في الجبال العالية المنيعة، ولهم معرفة بطرقها ومسالكها واماكن الحرب فيها وبرعوا في الحروب الجبلية واستخدموا الكمائن فتمنكوا من قهر جيوش عباسية عدة، فكانت حربا لم ير مثلها شدة (202)، غير ان البراعة العسكرية للقائد التركي الافشين وتصميمه على القضاء على حركة بابك ، فضلا عن كثرة عدد افراد جيشه، ادى بالنهاية الى التغلب عليهم واحتلال البذ المعقل الرئيسي لهم (203).

افلت بابك من قبضة الافشين ولجأ الى ارمينية (204)، وكاتب ملك الروم ثيوفيل ابن ميخائيل (Theephllius) ودعاه الى مهاجمة الديار الاسلامية (205)، وكاتب الافشين في الوقت نفسه الكورد من سكان ارمينية والبطارقة باعتراض الطريق على بابك في حالة لجوئه اليهم (206) ، ويظهر ان الكورد لم يستجيبوا لدعوة الافشين، الا ان سهل بن سنياط وهو من بطارقة ارمينية، اطلع الافشين على مكان اختفاء بابك فاسره الافشين وبعث به الى المعتصم ، فنكل به وصلب بسامراء سنة (223هـ / 838 م) ، وبمقتله تم القضاء على حركته (207) .

الكورد وثورة الزنج (255- 270 هـ / 869- 883 م) :

الزنج جماعات من العبيد الافارقة، موطنهم الاصلي يشمل الاجزاء الشرقية من افريقيا كالحبشة والصومال وزنجبار (208)، جلبوا الى العراق بطرق مختلفة كالاسر في المعارك او التجارة وغيرها وسخروا للعمل في الاقطاعات الزراعية في جنوب العراق لكسح السباخ وتجفيف الاهوار والمستنقعات وجعلها صالحة للزراعة (209)، والثمن الوحيد لكل هذه الاعمال الشاقة هو القليل من الطعام المكون من التمر والدقيق والسويق (210) الذي لايفي بحاجاتهم الجسدية وبظروف عملهم المضني ، فكانوا على اهبة الاستعداد لتقبل اية فكرة او دعوة من شأنها ان تنقذهم من جور اسيادهم.

ادرك علي بن محمد المعروف بصاحب الزنج بذور التذمر لدى الزنج فقادهم الى اكبر ثورة لهم ضد اسيادهم بغية تحريرهم من العبودية وتحسين حالتهم الاجتماعية والاقتصادية ، فاول عمل قام به هو ادعاءه النسب العلوي (211)، لكي يبرقع بثوب ديني ويشق طريقه بين جماعات الزنج المتذمرين (212) .

اندلعت ثورة الزنج سنة (255هـ / 869 م) في المنطقة الواقعة بين مصب دجلة (شط العرب الحالي) وواسط حيث تكثر الاهوار والمستنقعات (213) ، وصمدت حوالي اربعة عشر عاماً بوجه الدولة العباسية وهددتها من الصميم (214) ، فلم تمض سنة على اندلاعها حتى احتل الزنج مدن الابلة (215) ، وعبادان والاهواز وهزموا جيوش عباسية عدة (216)، وفي سنة (257هـ / 871 م) سقطت البصرة بايديهم بعد قتال دام مع اهلها(217) وفي سنة (262هـ / 776م) اصبحت المنطقة الواقعة بين البصرة والاهواز وواسط في حوزتهم (218). يرجع اتصال الكورد بثورة الزنج الى بداية اندلاعها ، حينما كاتب محمد بن عبيد الله بن ازاد مرد الكوردي على بن محمد صاحب الزنج ودعاه الى التحالف معه ضد يعقوب الصفار ، واعقبت ذلك مكاتبات اخرى (219) . ولايعرف رد صاحب الزنج على المكاتبات الاولى لابن ازاد مرد ، ويظهر انها قوبلت بالرفض من قبله بدليل عدم ذكر لاخبار تحالفهما في المصادر ، ومن المعروف ان صاحب الزنج لم يحبذ التحالف مع قوى اخرى مناهضة للدولة العباسية كيعقوب الصفار والكورد والشيعة العلوية وهي احدى نقاط ضعفه ومن اهم الاسباب المؤدية الى فشل ثورته في نهاية المطاف ، فلو قام التحالف المتين بين هذه القوى المعارضة ، لكان كفيلا بالقضاء على الدولة العباسية (220) . كاتب ابن ازاد مرد صاحب الزنج مرة اخرى في سنة (262هـ /876م) للغرض السابق نفسه واكد له انه سيتولى له كورة الاهواز ويحارب يعقوب الصفار حتى يستوي له الامر فيها ، فوافق صاحب الزنج هذه المرة ، حيث اغرته وعود ابن ازاد مرد ، شرط ان يتولى علي بن ابان المهلبي وهو من اكابر قواد صاحب الزنج ، كورة الاهواز ، ويصبح ابن ازاد مرد نائباً له عليها (221) . ارسل علي بن ابان المهلبي وفق الاتفاق اخاء الخليل بن ابان في جيش من الزنج الى السوس (222) ، وامده ابن ازاد مرد بجيش آخر من اصحابه بقيادة ابي داود الصعلوك ، واتفق الجانبان على حرب الجيش العباسي المتواجد في تلك الجهات ، اما من جانب الدولة العباسية ، فقد ارسل مسرور البلخي ، احمد بن ليثويه على رأس جيش كبير الى السوس للقضاء على تحالف ابن ازاد مرد والزنج ، فوصل السوس قبل ان يصلها الخليل وابو داود الصعلوك وقطع الطريق عليهما وهزمهما شر هزيمة ، فلما علم علي بن ابان بخبر هزيمة اصحابه توجه الى الاهواز منجداً ابن ازاد مرد ، فاستقبله الاخير ومن معه من رؤساء الكورد ، فساروا معاً الى ان وافيا عسكر مكرم (223) ، ثم انفرد ابن ازاد مرد بالسير نحو رامهرمز وبعث القاسم بن علي وحازم الكوردي الى علي بن ابان فاتوا عليا وعلموه ان ابن ازاد مرد في الطاعة (224) . لم يستقر ابن ازاد برامهرمز كثيراً ، وسار الى تستر ودخلها باذن من علي بن ابان شرط ان يخطب لصاحب الزنج على منابر مساجدها ، ولكي يتأكد علي بن ابان من نية بن ازاد مرد ارسل رجلاً يدعى بهبوذ الى تستر لحضور صلاة الجمعة والاتيان بخبر تعهد ابن ازاد مرد له ، ولما حضر بهبوذ الصلاة قام الخطيب ودعا للمعتمد والصفار وابن ازاد مرد (225) ، مقوضاً بذلك تحالفه مع صاحب الزنج الذي لم يكن ينطوي منذ البداية على الاخلاص لاختلاف المبادئ والاهداف (226) ، فابن ازاد مرد لم يكن صادقاً في ولائه لصاحب الزنج ، ولعله اراد من ذلك مراوغة يعقوب الصفار وصاحب الزنج معاً ، لكي يستقيم له الوضع بالاهواز . رجع بهبوذ بالخبر الى ابن ابان ، فجهز الاخير جيشاً من اصحابه وامرهم بالسير الى الاهواز فسار الزنج اليها ونهبوا مدينة عسكر مكرم في طريقهم ، وعندما علم احمد ابن ليثويه بسير الزنج اليه ، غادر الاهواز وتوجه نحو تستر ، فاوقع بها بابن ازاد مرد فتمكن ابن ازاد مرد من الافلات والسير نحو رامهرمز ، اما قائده أبو داود الصعلوك فوقع في اسر ابن ليثويه (227) . لم ينس علي بن ابان خداع ابن ازاد مرد له ونكثه بالعقد المبرم بينهما ، فكان قد احتجن على محمد ضغناً في نفسه (228) وكان ابن ازاد مرد على علم بذلك فاراد التخلص من شر ابن ابان وتهدئة الوضع المتفاقم بينهما بصورة سلمية ، فكتب الى ابن صاحب الزنج المعروف بـ (انكلاي) ودعاه الى ايصال امره الى ابيه صاحب الزنج ، ليمنع قائده علي ابن ابان من اتخاذ اي اجراءات لمهاجمة رامهرمز ، وابدى استعداده للانضمام الى صاحب الزنج وتسليم رامهرمز اليه في حالة تلبية مطلبه (229) وكان علي على علم بوساطة ابن ازاد مرد لدى انكلاي ، فزاده ذلك غضباً عليه واصراراً على الثأر منه ، فكاتب بدوره صاحب الزنج واطلعه على الاعمال العدائية التي قام بها ابن ازاد ضدهم ، واستأذن منه مهاجمة رامهرمز وان تجعل الذريعة مسألة حمل خراج ناحيته اليه ، فأذن له صاحب الزنج (230) . بدأ علي بن ابان بمضايقة ابن ازاد مرد ، فدعاه اولاً الى ارسال خراج رامهرمز الى صاحب الزنج ، فابى صاحب الزنج وامتنع ، فوجد علي بن ابان مبرراً للسير اليه ، فسار نحو رامهرمز ودخلها واستولى على ما فيها من الاموال ، ولم يكن لابن ازاد مرد القوة الكافية لردع الزنج وابعادهم عن المدينة ، فهرب منها وتحصن بمعاقله البعيدة في اربق (231) والبيلم (232) ، اضطر الى قبول شروط علي بن ابان ، اذ حمل اليه مئتي الف درهم ، فارسل علي المال الى صاحب الزنج وكف عن مضايقة ابن ازاد مرد (233) . ابن ازاد مرد وكورد الداريان والزنج (266هـ / 880م) :- لم يتخل ابن ازاد مرد عن اهدافه الرامية الى ابعاد الزنج عن الاهواز وبالتالي الاستقلال بالحكم فيها ، فبعد ان ارسل المال المطلوب منه الى ابن ابان طالبه بارسال المساعدة العسكرية اليه للايقاع بالكورد المتواجدين في الداريان ، وجعل الغنائم التي سوف يحصل عليها له ولاصحابه (234) ، فكتب علي بن ابان الى صاحب الزنج ليستأذن منه القيام بهذه المهمة ، فأبدى صاحب الزنج رغبته ووافق على طلبه ، على ان لا يذهب بنفسه ولايرسل الجيوش اليه حتى يتوثق منه باليمين والرهائن ، فوجه ابن ابان اخاه الخليل وبهبوذ الى ابن ازاد مرد، فعرضا عليه شروط صاحب الزنج ، فوافق ابن ازاد مرد على الشرط الاول واعطاهما الامان والعهود ، ورفض الشرط الثاني (235) وهذا يدل على عدم اطمئنانه من الزنج ورغبته في الايقاع بهم (236) . سار جيش الزنج ومعهم اصحاب ازاد مرد حتى وافوا الداريان فخرج اليهم الكورد وعارضوهم ، فنشب القتال بين الطرفين ، وكانت الغلبة في البداية للزنج ، غير ان اصحاب ابن ازاد مرد خذلوا الزنج وانضموا الى كورد الداريان ، فتمكن الطرفان من الحاق الهزيمة بالزنج وقتلوا عدداً كثيراً منهم (237) ، اما الفارون فوقعوا في الكمين الذي نصبته لهم جماعة اخرى من اصحاب ابن ازاد مرد ، فعارضوهم واوقعوا بهم واخذوا دوابهم ، ورجع من نجا من الزنج الى الاهواز باسوأ حال (238) . وصل خبر هزيمة الزنج الى ابن ابان ، فكتب الى صاحب الزنج بما ناله الزنج على يد ابن ازاد مرد ، فغضب صاحب الزنج غضباً شديداً ورد بكتاب عنيف جاء فيه قد كنت تقدمت اليك الا تركن الى محمد بن عبيد الله وان تجعل الوثيقة بينك وبينه الرهائن ، فتركت امري واتبعت هواك فذاك الذي ارداك واردى جيشك (239) . وهدد ابن ازاد مرد بالانتقام منه واكد له انه لم يخف علي تدبيرك على جيش علي بن ابان ، ولن تعدم الجزاء على ما كان منك (240) . نستطيع ان نصف محمد بن عبيد الله بن ازاد مرد الكوردي بانه لم يكن الرجل الذي بمقدوره مداراة صاحب الزنج وعدم الاستسلام لتهديداته ، فكان ليس لديه من القوة والعزم والثقة بالنفس ما تؤهله للصمود بوجه صاحب الزنج ، وكانت المقدرة العسكرية والمواهب الذاتية التي يجب ان تتوفر في شخصية القائد ، لم تكن موجودة لديه بالمستوى الذي كان يتطلع اليه تحقيقاً لاهدافه ومشاريعه ، فلما وصله الكتاب من صاحب الزنج ارتبك من الخوف واجابه معلنا التضرع والخضوع له وارجاع جميع ما غنمه من الاموال والدواب اليه ، وادعى انه قاتل الكورد الداريان واخذ منهم جميع ما غنموه من متاع الزنج (241) . لم يقتنع صاحب الزنج بادعاءات ابن ازاد مرد وتبريراته لاعماله السابقة ، وهدده بتوجيه جيش كبير لقتاله ، فاضطر ابن ازاد مرد الى اغراء بهبوذ ومحمد بن يحيى الكرماني بمبلغ من المال لكي يقوما بدور الوساطة بينه وبين صاحب الزنج (242) . قام الاثنان بدورهما ، واقنعا صاحب الزنج وعلي بن ابان عدم مهاجمة رامهرمز مقابل الخطبة لهما على منابر مساجد المدن الخاضعة لسيطرة ابن ازاد مرد ، وابدى ازاد مرد من جهته الموافقة على شروط صاحب الزنج ، فجعل يراوغ في الدعاء له على المنابر (243) . لم يكن ابن ازاد مرد متأكداً من حسن نية صاحب الزنج تجاهه ، وكان عليه ان ينتظر وصول جيش الموفق طلحة الى الاهواز لاخلائها من الزنج ، فلم يطل انتظاره كثيراً ، ففي سنة (267هـ /881م) ارسل الموفق عمالاً له الى مدن كورة الاهواز ليروج ارسال الاموال اليه تمهيداً للتوجه اليها بغية تطهيرها من الزنج ، فارسل احمد بن ابي الاصبغ الى ابن ازاد مرد ، فسار احمد اليه وبلغه ان الموفق سوف يعفو عنه ويغمد عن ممالاته لصاحب الزنج في حالة ارسال اموال ناحيته اليه ، فوافق ابن ازاد مرد على ذلك وسار الى الموفق ومعه الهدايا من المال والدواب (244) .

الحواشي :

(176) سون : رحلة متنكر ، 2/ 135.

(177) تاريخ اليعقوبي ، 2/ 474. تاريخ الطبري ، 9/ 55. الكامل ، 5/ 245.

(178) الفرق بين الفرق ، ص 252.

(179) الفهرست ، ص 406.

(180) تاريخ الطبري، 8/576. الازدي: تاريخ الموصل، ص 353. الكامل،5/196.

(181) تاريخ خليفة بن خياط ، ص 473. تاريخ الموصل ، ص356. الكامل ،5/208

(182) تاريخ الموصل ، ص 378. الكامل ، 5/214.

(183) تاريخ الطبري ، 8/619. تاريخ الموصل ، ص 256. الكامل ، 5/208 .

(184) هشتادسر: يظهر من حديث الطبري انها ناحية بالقرب من البذ، ويبدو انها كانت في مكان مرتفع يليها واد . تاريخ الطبري ، 9/23، 28، 44.

(185) الدينوري : الاخبار الطوال ، ص403. تاريخ اليعقوبي ، 2/463. مسكويه : تجارب الامم ، 6/462. الكامل ، 5/218

(186) تاريخ الطبري ، 8/ 622. تاريخ الموصل ، ص 395. الكامل، 5/218 .

(187) تاريخ خليفة بن خياط ، ص475. تاريخ الطبري، 8/626 .

(188) تاريخ الطبري ، 8/ 649. الكامل، 5/227 .

(189) تاريخ اليعقوبي ، 2/ 471. الذهبي : العبر في خبر من غبر، 1/373 .

(190) تاريخ الطبري ، 9/ 17. الكامل، 5/236 .

(191) تاريخ اليعقوبي ، 2/471 .

(192) الاخبار الطوال ، ص403.

(193) تاريخ الطبري ، 8/668. الكامل ، 5/231.

(194) فازيليف : العرب والروم ، ص113.

(195) مرند : عن مدينة مرند ينظر : ص35.

(196) تاريخ اليعقوبي ، 2/473. تاريخ الطبري ، 9/12 . الكامل ، 5/234.

(197) قلعة شاهي : تقع جزيرة شاهي في وسط بحيرة اورمية وعرضها نحو فرسخين/ حوالي 12 كم. تاريخ الطبري ، 9/12، 164. تقع قلعة شاهي في جزيرة شاهي وماتزال القلعة والجزيرة تحملان الاسم القديم شاهي . النقشبندي : اذربيجان ، ص44، 92.

(198) تاريخ اليعقوبي : 2/473. الكامل ، 5/234. ابن خلدون : العبر ، 3/208 . النقشبندي: اذربيجان ، ص104.

(199) تاريخ اليعقوبي ، 2/473. تاريخ الطبري ، 9/12.

(200) تاريخ الطبري ، 9/12 . الكامل ، 5/234.

(201) د. حسين قاسم العزيز : البابكية او انتفاضة الشعب الاذربيجاني ضد الخلافة العباسية ، بيروت ، 1966م ، ص211..

(202) الاخبار الطوال ، ص404.

(203) تاريخ الطبري ، 9/31 . الكامل ، 5/240.

(204) تاريخ الطبري ، 9/47 . الكامل ، 5/244.

(205) تاريخ الطبري ، 9/56 . الكامل ، 5/247.

(206) الاخبار الطوال ، ص405. تاريخ الطبري ، 9/47 . الكامل ، 5/244.

(207) بقيت الخرمية في القرن الثالث والرابع الهجريين في مناطق عديدة من بلاد الكورد ، ينظر : مروج الذهب ، 3/359. ابن النديم: الفهرست، ص406.

(208) فيصل السامر : ثورة الزنج ، بغداد 1971م ، ص22.

(209) الدوري : دراسات في العصور العباسية المتأخرة ، ص 76.

(210) تاريخ الطبري ، 9/413. مؤلف مجهول : العيون والحدائق، ج4، ق1، ص50. والسويق مايتخذ من الحنطة والشعير. لسان العرب ، 10/170.

(211) زعم صاحب الزنج انه علي بن محمد بن احمد بن علي بي عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب . تاريخ الطبري ، 9/410.

(212) تاريخ اليعقوبي ، 2/507. تاريخ الطبري ، 9/410.

(213) دراسات في العصور ، ص80. ثورة الزنج، ص95.

(214) احمد علبي : ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد ، بيروت 1971م ، ص87.

(215) الأبلة: بلدة على شاطيء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل الى مدينة البصرة وهي الاقدم من البصرة . البكري: معجم ما استعجم ، 1/98. معجم البلدان ، 1/77 .

(216) تاريخ الطبري ، 9/ 471 – 472. ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة، 3/24.

(217) تاريخ اليعقوبي ، 2 /509 . الكامل ، 5/362 . شرح نهج البلاغة ، 3/021 (218) ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد ، ص 101 . (219) تاريخ الطبري ، 9 /527 . الكامل ، 6/9 . (220) ثورة الزنج وقائدها ، ص120.

(221) تاريخ الطبري ، 9 / 527 . الكامل ، 6/9 . نافع توفيق العبود : آل المهلب بن ابي صفرة ، بغداد 1979 ،ص 234 . (222) السوس : تعريب الشوش وهي بلدة بخوزستان قريبة من تستر . معجم البلدان ، 3/280-281 . (223) عسكر مكرم : بلدة بخوزستان منسوبة الى مكرم بن معزاء الحارثي ، وهي من المدن التي استحدثها المسلمون ، معجم البلدان ، 4/123

(224) تاريخ الطبري ، 9 / 528 . (225) م . ن . ص . الكامل ، 6/10 . (226) السامر : ثورة الزنج ، ص 118 . العبود : آل المهلب بن ابي صفرة ، ص 235 .

(227) تاريخ الطبري ، 9 / 554 ، الكامل 6 / 23 . (228) تاريخ الطبري ، 9 / 554 . الكامل ، 6/023 (229) تاريخ الطبري ، 9 / 554 . الكامل ، 6/023 (230) تاريخ الطبري ، 9/0554 الكامل ، 6/023 (231) اربق : بلدة في نواحي رامهرمز . معجم البلدان ، 1/137 . (232) البيلم : لايذكر ياقوت موقع هذه البلدة ويحتمل انها بلدة اخرى بجوار اربق . (233) تاريخ الطبري ، 9/0554 الكامل 6/023 (234) تاريخ الطبري ، 9/0555 ، الكامل 6/023 (235) تاريخ الطبري . 9/555 . الكامل ، 6/023 ابن خلدون : العبر ، 3/0319 (236) العبود : آل المهلب بن ابي صفرة ، ص 0238 (237)العيون والحدائق ، ج4 ، ق1 ، ص 089 ابن تغري بردي : النجوم الزاهرة ، 3/042 (238) تاريخ الطبري ، 9/0555 الكامل ، 6/023 آل المهلب ، ص 0239 (239) تاريخ الطبري 9/0555 (240) م . ن .ص . (241) م . ن . ص 9/556 . الكامل ، 6/024 (242) تاريخ الطبري ، 9/0556 الكامل ، 6 / 024 (243) تاريخ الطبري ، 9/556 ، الكامل ، 6/024 (244) تاريخ الطبري ، 9/577-578 . الكامل ، 6/31 . السامر : ثورة الزنج ، ص 138 . احمد علبي : ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد ، ص 132 وعن نهاية محمد بن عبيد الله بن ازاد مرد الكوردي ينظر الفصل الثاني ، موضوع الكورد والامارة الصفارية .

Al Taakhi
الأربعاء 13-06-2012