الرئيسية » دراسات » الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 13

الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 13

وفي سنة(260هـ/874م) قتل محمد بن هارون بن المعمر ، اثناء ذهابه الى سامراء قتله ، رجل من اكراد مساور الشارى ، كان محمد بن هارون من قبيلة ربيعة فطالبت ربيعة بدمه فارسلت الدولة العباسية مسرور البلخي وقواد اخرين الى قتال مساور وقطع الطريق عليه(125) ولا يعرف التفاصيل التالية حيث لايضيف الطبري معلومات اخرى.

ان اهم ماتميز سياسة ومساور في هذه الآونة هي كثرة التنقل والترحال بين مدن الجزيرة وحلوان ، ولعله اراد من ذلك ان لايستقر في مدينة معينة يسهل القضاء عليه ، ثم ان متطلبات كفاح الخوارج ضد الدولة تقتضي ذلك، فمساور على علم تام بان ليس باستطاعته التورط في حروب مستمرة مع الدولة التي تمتلك جيوشا نظامية دائمة تتفوق على جيشه عدداً وعدة ، فنجده متجولا بين البوازيج معقله الرئيس ومدن من جنوبها وشمالها ففي سنة (261هـ/875م) حارب يحيى بن حفص بكرخ جدان وقتله، فارسل اليه عدوه اللدود مسرور البلخي ثم تبعته ارسال قوى اخرى تحت قيادة الموفق احمد بن المتوكل الا ان مساورا اكتفى بهذا النصر واختفى عن الانظار ، فلم يتمكن مسرور والموفق ملاحقته (126)

ـ وفاة مساور الشاري والصراع بين محمد بن خرزاد الكوردي ومنافسيه على رئاسة الخوارج:

توفي مساور فجأة سنة (263هـ/877م) بالبوازيج اثناء استعداده لمواجهة جيش الدولة العباسية الموجه اليه (127) ويظهر انه قبل وفاته قد تعهد برئاسة الخوارج الى محمد بن خرزاد فقام اصحابه باستدعاء ابن خرزاد وهو بشهرزور ليتولى رئاستهم الا انه رفض طلبهم وامتنع ، فاختار الخوارج ايوب بن حيان البجلي رئيسا لهم وبايعوه ، غير ان ابن خرزاد تخلى عن فكرته السابقة حول تولي رئاسة الخوارج فكتب اليهم من شهرزور بانه لايسعه اهمال الامر لان مساورا تعهد اليه برئاسة الخوارج من بعده فبايعه قسم منهم وامتنع الاخرون عن مبايعته وقالوا له قد بايعنا هذا الرجل ولا نغدر به (128) فسار ابن خرزاد اليهم وقاتلهم فقتل ايوب بن حيان وبايع اصحابه محمد بن عبد الله الوارقي فقتل ايضا ويبدو ان الخوارج قد اصروا على عدم مبايعة ابن خرزاد فبايعوا بعد مقتل محمد ،هارون بن عبد الله البجلي الذي كان رجلا بارعا فتمكن في مدة قصيرة توحيد صفوف الخوارج واعادة السيطرة على اعمال الموصل ، اما ابن خرزاد فعاد الى شهرزور (129).

نستطيع ان نقول من سياق الاحداث ان ابن خرزاد لم يقف مكتوف الايدي في شهرزور بل بدأ بنشر افكار مذهب الخوارج بين القبائل الكوردية هناك ومارس حكمه بصورة سلمية فلم يعمد الى القيام بالعمليات العسكرية ضد الدولة وبالمقابل لم تلجأ الدولة الى محاربته وذلك للطبيعة الجغرافية لمنطقة شهرزور بما فيها من جبال شاهقة صعبة الاختراق ولان شهرزور بلد كثير الاعداء من الكورد وغيرهم(130).

بقي ابن خرزاد على هذه الشاكلة حتى سنة (267هـ/ 881م) حينما تيقن انه لديه من القوة ماتكفيه لمحاربة منافسه على رئاسة الخوارج فجمع اصحابه وسار الى الموصل ونزل بموضع واسط القريب منها ، وكان هارون حينذاك بمعلثايا (131) يستعد لحرب ابن خرزاد فلما سمع بنزوله عند الموصل توجه اليه ورحل ابن خرزاد نحوه ، فوقعت معركة بينهما عند قرية قريبة من بعذرة (باعذرا) استعملت فيها المبارزة وانتهت بهزيمة هارون ومقتل حوالي مئتي رجل من اصحابه بينهم عدد من الفرسان ، وعبر هارون نهر دجلة منهزما وقصد بني تغلب طالبا منهم العون والتأييد فاعانوه واجتمعوا حوله واراد هارون ان يستغل قوة رجال بني تغلب في خوض معركة اخرى مع ابن خرزاد فعاد الى الحديثة وجمع حوله المزيد من الاتباع ثم كاتب اصحاب ابن خرزاد واستمالهم فأتاه الكثيرون منهم ولم يبق مع ابن خرزاد سوى افراد قبيلته الشمردلية( 132)

كان محمد بن خرزاد ، رجلا خارجيا دينياً اكثر من كونه خارجيا عسكريا فكان يركب البقر لئلا يفر من القتال ويلبس الصوف الغليظ ويرقع ثيابه وكان كثير العبادة والنسك ويجلس على الارض ليس بينها وبينه حائل (133) فلم يتمكن من الحفاظ على ود اتباعه فغادر اغلبهم صفوفه لانه كان خشن العيش (134) وبدلا من ان يلاحق منافسه المنهزم ويكسب النصر النهائي ، عاد مسرعا الى شهرزور فلقي حتفه هناك على يد رجال القبيلة الجلالية الكوردية (135).

لايذكر ان الاثير سبب خلاف الجلالية مع ابن خرزاد ويظهر ان افراد قبيلة الجلالية كانوا من اتباع مساور الشاري في الاصل ، وبعد وفاته اصبحوا من اشياع هارون منافس ابن خرزاد على رئاسة الخوارج وربما كان خلافهم مع ابن خرزاد لذلك السبب.

ـ انفراد هارون بن عبد الله برئاسة الخوارج:

على العكس تماما من ابن خرزاد كان هارون رجلا سياسيا بارعا استفاد من اخطاء منافسه واستعاد قواه ، ورجع بحركة مساور الى ماكانت عليه من قبل ، فبعد ان تخلص من ابن خرزاد وانفرد برئاسة الخوارج بدأ باعادة السيطرة على اعمال الموصل ، ووضع على نهر دجلة نقاط تفتيش لاخذ الزكاة والضرائب من السلع التجارية المارة بها كما ارسل نواب له الى قرى المنطقة ليأخذوا الاعشار من غلاتها (136)لغرض الاستفادة منها لتمويل الحركة ولعل اهم نصر لهارون في هذه الاونة هو نجاح محاولته لكسب حمدان بن حمدون التغلبي الى جانبه ومن رؤساء القبائل المتنفذين في المنطقة وجد الامراء الحمدانيين ، ومن ثم دخول الموصل بمساعدة مباشرة منه سنة(272هـ/885م) (137).

تنقطع اخبار هارون لمدة اربع سنوات من بعد دخوله الموصل غير ان الشيء الذي يجب ان نشير اليه هو انه قد اصبح مع امراء بني حمدان الحكام الفعليين للموصل ففي سنة (176هـ/889م) جمع انصاره وتحرك من الحديثة نحو الموصل بسبب مقتل احد رجاله على يد عامل اسحاق بن كنداج على الموصل ، فخرج اليه اعيان الموصل وطلبوا منه الامان وتبرأوا من قتل صاحبه واقنعوه على الرحيل عن المدينة (138) وعندما عبرجماعة من بني شبيان نهر الزاب الاعلى وقصدوا نينوى ، تصدى لهم هارون وحمدان بن حمدون ومن معهم من متطوعة اهل الموصل وطردوهم (139) ولما ولي المعتضد الخلافة في سنة (279هـ/ 892م) اقلقته الاعمال التوسعية لهارون الشاري وحمدان بن حمدون ، فخرج في سنة (281هـ/894م) الى الموصل قاصدا حمدان لمحاربته والقضاء على التحالف القائم بينه وبين هارون الشاري فلما علم الكورد والعرب من اتباع هارون وحمدان بتوجه المعتضد اليهم ، تجمعوا وعبأوا عساكرهم وتحالفوا انهم يقاتلون على دم واحد (140) فسار اليهم المعتضد وهو في طريقه الى الموصل على رأٍس جيش كبير فاوقع بهم عند كرخ جدان وقتل عدد منهم وغرق عدد اخر منهم في نهر الزاب الاسفل ، فبعث المعتضد بكتاب الى نجاح الحرمي الخادم يبشره بالانتصار (141) ثم سار الى الموصل ومنها الى قلعة ماردين معقل بني حمدان فهرب منها حمدان واستخلف بها ابنه عبد الله بن حمدان واستولى عليها المعتضد وامر بتهديمها ثم ظفر بعبد الله واسره وبعد فراغه من امر حمدان سار الى الحسنية وما حولها وهدم بها قلاع للكورد(142).

عاد المعتضد الى بغداد بعد ان حقق الاهداف التي جاء من اجلها واستخلف على الموصل نصر القشورى لجباية اموالها وتعيين عمال الخراج عليها، فارسل نصر احد عماله مع ثلة من اصحابه الى معلثايا لجباية خراجها فاصطدم عامل نصر بجماعة من الخوارج من اصحاب هارون الشاري ووقع القتال بينه وبين الخوارج واستمر حتى الليل فارتبك عامل نصر واصحابه وتفرقوا وقتل من الخوارج قائدا اسمه جعفر وهو من اشهر قادة هارون ولما علم هارون بمقتله تأثر كثيرا وامر الخوارج بالتوجه الى قتال نصر والانتقام منه (143) والجدير بالاشارة ان ابن الاثير لايذكر شيئا عن حياة السياسية لجعفر وكيفية انضمامه الى هارون الشاري ويكتفي بذكر اسمه الاول فقط ،غير اننا وجدنا تفاصيل اخرى عنه يوافق ماذكره ابن الاثير ، مع بعض الاختلافات وذلك في كتاب الكورد في بهدينان لانور المائي الذي ينقل معظم روايات كتابه من مصدر مجهول لدينا (144) ونفهم من حديث صاحب المصدر ان جعفر (بن كيخواناس الكوردي) كان يحكم قلعة اردمشت (145) في تلك الآونة وانضم الى حركة هارون الشاري ، وكانت قلعة اردمشت من بين القلاع التي هدمها الخليفة المعتضد عندما قصد ماردين وحارب حمدان بن حمدون وان جعفراً قتل في الواقعة نفسها وطوف برأسه في البلاد قبل ان يعلق بالموصل وهنا يختلط بين الحادثتين (*) القريبتي العهد من بعضهما ويجعلهما واحدة (146). ويقدم ياقوت معلومات اضافية تؤكد مااشار اليه المصدر المجهول حول جعفر مع اختلافات قليلة فيذكر ان اهل قلعة اردمشت قد عصوا على المعتضد وتحصنوا بها فقصدها المعتضد بنفسه وحاصرها فاضطر اهلها الى تسليمها اليه فهدمها(147).

وبالامكان الجمع والتوفيق بين الروايات المختلفة حول جعفر ، وذلك على اساس ان جعفراً قد التحق بهارون الشاري قبل سنة (281هـ/894م) وحكم في قلعة اردمشت حليفا له وحينما هدم المعتضد قاعة ماردين وقصد قلاعاً اخرى في المنطقة لهدمها والقضاء على اصحابها ، هرب جعفر من قلعة اردمشت قبل ان يصلها المعتضد وبوصول المعتضد اليها اضطر اهل القلعة الى تسليمها اليه فهدمها وان جعفر بن كيخواناس الكوردي قد لقي حتفه في المعارك الدائرة بين الخوارج من اتباع هارون الشاري واصحاب نصر القشوري في سنة (282هـ/895م).

ترك مقتل جعفر تأثيرا عميقا في نفس هارون ـ كما اسلفنا ـ فصمم على الانتقام من نصر القشوري واستعد لقتاله ، فكتب اليه نصر للعدول عن قراره . وهدده بقرب الخليفة المعتضد عنه ، غير ان تهديدات نصر لم تثن هارون عن ما صمم بتحقيقه ، فرد على كتاب نصر بكتاب ، ورد فيه “وما غرك الا ما اصبت به صاحبنا (جعفر بن كيخواناس الكوردي) فظننت ان دمه مطلول او ان وتره متروك لك ، كلا ان الله من ورائك واخذ بناصيتك ، ومعين على ادراك الحق منك (148) .

عرض نصر القشوري الكتاب على الخليفة المعتضد ، فقرر الخليفة فورا تولية الحسن بن علي الموصل واعمالها واوصاه بقتال هارون وامر قادة الجيش والامراء في الموصل واعمالها بالانصياع الى طاعة الحسن ، فاجتمع الجميع حول الحسن . فسار الحسن بجيش كبير وعبر الزاب الاعلى الى الخوارج ، فالتقى بهم في موضع قريب من المغلة (*) ، فوقع قتال شديد ، وكانت الغلبة لهارون واصحابه في بداية القتال ، غير ان ثبات الحسن ورجوع اصحابه اليه اديا الى انهزام هارون ومقتل عدد كثير من اصحابه ، كما هرب عدد كبير اخر منهم الى نواحي اذربيجان (149) ، وكان بين الهاربين ابراهيم الكوردي والد ديسم صاحب اذربيجان (150) .

دخلت حركة هارون بعد هذه الواقعة في مرحلة الضعف والانحلال ، وفقدت خيرة عناصرها من الفرسان اما هارون نفسه فتحير في امره وبدأ يتنقل بين معلثابا والموصل وحزة خوفا من ملاحقته ، من جانب اخر كان اكثر اصحابه لما رأوا قوة الخليفة المعتضد وتصميمه القضاء على حركتهم ، كاتبوه وطلبوا الامان منه فأمنهم الخليفة ، فلم يبق مع هارون سوى عدد قليل من اصحابه ، الى ان تمكن الحسين بن حمدان التغلبي من القضاء على حركة هارون ، واسر هارون نفسه وارساله الى بغداد (151) ، فلما صلب نادى بأعلى صوته (لأحكم الا الله ولو كره المشركون) (152) . – حركة الكورد اليعقوبية من بين القبائل الكوردية الساكنة في المرج شرقي الموصل ، تأثر افرادها اكثر من تأثر افراد القبائل الكوردية الاخرى بمذهب الخوارج الواسع الانتشار في منطقتهم وقاموا بحركة خارجية خاصة بهم دامت حوالي خمسة عشر عاماً ، وليس غريبا ان يطلق عليهم “اليعقوبية الشراة” (153) .

يرى السامر ان اطلاق هذا اللقب عليهم لايعني انهم تحولوا للمذهب الخارجي وانما هو دليل على معارضتهم للسلطة المركزية التي عبر الخوارج تعبيرا حازما على عدائهم لها (154) .

لايعلم بالتحديد تاريخ بدء الحركة ، غير ان مسرور البلخي اوقع بهم في سنة (258هـ /872م) وهزمهم وقتل عددا منهم (155) وهذا يعني ان حركتهم قد بدأت قبل هذا التاريخ ، ويرى احد الباحثين ان الكورد اليعقوبية كانوا من بين الجماعات التي وقفت الى جانب مساور الشاري ، ودليله على ذلك هو ان مسرور البلخي كان على رأس الحملة التي ارسلها المعتمد لقتال مساور ، فأوقع مسرور بالكورد اليعقوبية ايضا لانهم من اصحابه (156) .

اننا نرى ان حركة اليعقوبية كانت حركة خاصة بافراد القبيلة ، واخبار حروبهم مع الدولة العباسية تؤكد ذلك ، لكن هذا لايمنع من انضمامهم الى حركة مساور في البداية ، ثم الانفصال عنها قبل ان يوقع بهم مسرور البلخي (157) .

ينقطع اخبار : حركة اليعقوبية حتى سنة (266هـ/ 880م) ويبقى تاريخها خلال هذه الحقبة مجهولا لدينا ، ويعود الطبري ويذكر ان القائد التركي اسحاق بن كنداج اوقع باليعقوبية وهزمهم ونهب اموالهم (158) وبعد انقطاع طويل اخر في اخبارهم ، نجد انهم يتواجدون بالمرح سنة (273هـ/ 886م) فلما استولى محمد بن ابي الحاج على الموصل واخرجها من يد اسحاق بن كنداج ، ارسل غلامه المدعو فتح في الف من اصحابه الى المرج لجباية خراجها ، فسار اليها واليعقوبية موجودون فيها ، فاجتمعوا واستعدوا لمواجهة فتح ، فحاول فتح تهدئتهم واكد لهم بانه لايمكث لمدة طويلة في المرج فسكنوا الى قوله وتفرقوا وتوجه بعضهم الى سوق الاحد ونزلوه ، غير ان فتحا خان عهده معهم وسار اليهم في صبيحة اليوم التالي وحاصرهم ونهب اموالهم وممتلكاتهم ، فلاذ رجال اليعقوبية بالفرار الى اصحابهم النازلين بسوق الاحد ، فاتفقوا وعادوا الى قتال فتح “وحملوا حملة رجل واحد” عليه وهزموه وقتلوا قرابة ثمانمئة من اصحابه ، وفر الباقون وتفرقوا في القرى متنكرين وعادوا ادراجهم الى الموصل (159) .

لم نعد نسمع شيئا عن اليعقوبية بعد انتصارهم هذا ، ويبدو انهم قد تركوا ديارهم في المرج خشية من ثأر ابي الحاج لهم ، ونستطيع القول انهم توجهوا شمالا نحوا طراف جبل الجودي وبدأوا بالاستقرار فيها مع بدايات القرن الرابع الهجري جنبا الى جنب مع قبيلة الجورقان (كوران) (160) .

– الكورد وحركة بابك الخرمي (201 – 223هـ/ 816-838م) :-

تمثل حركة بابك الخرمي اكبر رد فعل للموالي تجاه الحكم العربي الاسلامي في العصر العباسي ، عبروا فيها عن استيائهم من سياسة القواد والولاة العباسيين وعن توجهاتهم الدينية والسياسية ، فهي حركة دينية – سياسية (161) ، وتميزت عن الحركات الاخرى بسعتها وبراعة القيادة فيها وبتوحيد خططها وباتصالها السياسي (162) .

كان بابك في بداية امره من اصحاب جاويدان بن سهل صاحب البذ ، وبعد وفاة جاويدان انتقلت زعامة الخرمية اليه ، ولايعلم شيئا عن جاويدان ومن قبله وكيفية حكمهم في البذ في القرن الثاني الهجري وقبله ، وتذكر المصادر حركات اخرى للخرمية في النصف الثاني من القرن نفسه في اذربيجان ومناطق اخرى ، لكنها كانت حركات صغيرة قصيرة الامد قمعت فور قيامها (163) .

ان السبب المباشر لقيام حركة بابك – حسب ماترويه المصادر – هو ان حاتم بن هرثمة الذي عينه الخليفة المأمون واليا على ارمينية في سنة (201هـ/ 816م) قد تمرد بسبب مقتل ابيه هرثمة بن اعين من قبل المأمون في سنة (200هـ/815م) حيث بدأ يعد العدة للعصيان وكاتب بابك والخرمية والبطارقة والاحرار ودعاهم الى الخروج عن طاعة الدولة العباسية وهون امر المسلمين عندهم ، فاستغل بابك هذه الفرصة لاعلان حركته . (164) .

لاتشير المصادر الاسلامية الى اصل بابك العرقي (القومي) لكننا نستدل من حديث بعض المصادر السريانية كالرهاوي المجهول وابن العبري ، انه كان من الكورد (165) ، كما ان المؤرخ الارمني (ليو) يذكر بان سكان منطقة البذ – معقل البابكية – كانو يسمون بالكورد وك ، ويربط ليو هذه التسمية بكلمة الكورد ويؤيده في ذلك احد المؤرخين (166) ، وبالامكان ايضا الربط بين الكلمتين (الكورد وك والكورد) وبين (الكردكية) التي يقول المسعودي عنها انهاو اللودشاهية كانتا من اهم الفرق الخرمية ومنهما معظم الخرمية في القرن الرابع الهجري (167) ، اما اليعقوبي فذكر ان الخرمية خرجت من رستاق (قرية) القامدان التي كان سكانها من الكورد واخلاط من العجم (168) ، وبالاستناد الى الدلائل تلك ، لس ببعيد ان يكون بابك كورديا ومن بين الباحثين الكورد هناك من يعتقد ذلك (169) .

ساهمت امم كثيرة في حركة بابك ويأتي الكورد في مقدمتهم الذين كونوا العنصر الاساس لها ، فأشتراكهم فيها يكاد يكون عاما (170) ، اما الامم الاخرى كالفرس والارمن والترك فيأتي دورهم بالمرتبة الثانية ، فالفرس لم يكونوا من ساكني المناطق التي شملتها حركة بابك بصورة اغلبية ، اما الارمن فقلما انضموا الى حركة بابك ولم تؤيده الا فئة قليلة منهم (171) ، كما اصبحت مناطق عديدة من بلاد الكورد ميدانا لوقائعها ، ويرى سون ان الكورد الشماليين الذين دعموا بابك لم يكونوا قد تحولوا من الزرادشتية التي كانوا يعتنقونها اصلا ، لذلك كانوا على استعداد تام ليلقوا بثقل سلاحهم ازاء اية دولة تفرض عليهم حكاما جددا او ديناً جديدا (172) .

لايمكننا الركون الى الاشاعات والادعاءات التي الحقها المؤرخون بالخرمية انصار حركة بابك (173) ، من اباحة النساء والمحرمات وقتل الاسرى والفتك بالاهالي وكل العقائد المستكرهة المستهجنة (174) ، فهي ادعاءات لاتليق واهداف الحركات الثورية ، فمن المعروف ان غالبية المؤرخين المسلمين ان لم نقل جميعهم كانوا من علماء الدين الاسلامي ، قبل ان يكونوا مؤرخين ، الفوا في علوم القرآن والحديث والفقه الاسلامي بجانب معالجتهم للتاريخ ، فيأتي تناولهم وتحليلاتهم للاحداث التاريخية معبرة عن وجهة نظرهم كمسلمين ، هذا عن الحوادث السياسية البحتة ، اما فيما يخص المسائل الدينية والعقائدية التي تمس الاسلام وتسيء الى السلطة الزمنية المتمثلة بالخلافة العباسية ، فينبغي ان لانتوقع منهم غير الصاق التهم باصحاب ومعتنقي تلك المذاهب والمعتقدات ، وكان نصيب حركة بابك من هذه التهم اكثر من غيرها ولعل ما قاله احمد علبي عن ثورة الزنج ينطبق على حركة بابك ايضا فهو يقول “اليست الثورة خروجا على المنطق السائد … وزعزعة للنظام الاجتماعي المهيمن ، فكيف ننتظر من الذين جاءوا لتنهال بمطرقتها عليهم ان ينصفوها … وان الذبح والاغتصاب والتنكيل والتمثيل وتهما غيرها لاتحصى قد الصقت بالثورات قديما وحديثا” (175) لذلك

الحواشي:

125ـ تاريخ الطبري ، 9 /508 الكامل / 5/ 372.

126ـ تاريخ الطبري ، 9/ 512 الكامل / 6/7 البداية والنهاية ، 11/ 32

127ـ الكامل ، 6/15 البداية والنهاية ، 11/ 36.

(*)يظهر ان محمد بن خرزاد كان على رأس فرقة من الخوارج في شهرزور تابعة لحركة مساور او مرتبطة بها بصلات وثيقة قبل وفاة مساور.

128ـ الكامل 6/ 15.

129ـ م،ن، ص.

130ـ م،ن، 6 /36.

131ـ عن موضع معلثايا ينظر :ص(61).

132ـ الكامل 6/ 36 . ابن خلدون العبر ، 3/ 229 لم يرد ذكر لاسم قبيلة او عشيرة الشمردلية في كتب البلدانيين خلال هذه الحقبة او بعدها ويشير ابن الاثير بوضوح الى عشيرته من الشمردلية فمن المرجح انها كانت عشيرة او قبيلة صغيرة قليلة الشأن.

133ـ الكامل 6/ 35

134ـ م،ن، 6/ 36

135ـ م،ن،ص، ابن خلدون : العبر ، 3/329.

136ـ الكامل ، 6/ 36 العبر 3/ 329.

137ـ تاريخ الطبري 10 /9 الكامل 6/ 60 البداية والنهاية 11/ 56.

138ـ الكامل 6/ 66 البداية والنهاية 11/ 56.

139ـ الكامل 6/72 العبر 3/ 345.

140ـ تاريخ الطبري :10/ 37 الكامل 6/ 77 مؤلف مجهول : العيون والحدائق ، ج4 ، ق1 ، ص141.

141ـ تاريخ الطبري ، 10 /37 وينظر : الملحق رقم (3).

142ـ تاريخ الطبري ، 10/ 38 الكامل 6/ 77 العيون والحدائق ، ج4 ق1 ، ص141 البداية والنهاية ، 11 /70.

143ـ الكامل ، 6/ 79.

144ـ الكورد في بهدينان ، ص97 وينظر : ص( ) هامش .

145ـ اردمشت : قلعة حصينة تقرب من جزيرة ابن عمر في شرقي دجلة وعلى جبل الجودي . معجم البلدان ، 1/ 146.

(*)يتحدث ابن الاثير عن مسير الخليفة المعتضد الى الموصل وهدمه لقلعة ماردين وقلاع اخرى في المنطقة في حوادث سنة (281هـ/894م) وعن المعركة التي وقعت بين الخوارج واصحاب هارون الشاري ومقتل جعفر فيها في حوادث سنة (282هـ/895م).

146ـ الكورد في بهدينان ، ص97.

147ـ معجم البلدان ، 1/ 146.

(148) الكامل ، 6 / 79.

(*) لم نعثر على ترجمة لها في المعاجم البلدانية .

(149) الكامل ، 6/ 79.

(150) مسكويه : تجارب الامم ، 2 /31. الكامل ، 6 /286. ابن خلدون : العبر 3/ 348. وينظر : ص ( ) .

(151) تاريخ الطبرى : 10/ 43-44 . تاريخ ايليا برشنايا ، ص 177. الذهبي : دول الاسلام ، حيدر اباد الدكن ، 1364هـ ، 1/ 124. ابن كثير : البداية والنهاية ، 11/ 73.

(152) الكامل 62 /79.

(153) الكامل ، 6/ 61.

(154) الدولة الحمدانية ، ص 84. (155) تاريخ الطبري : 9 /490. الكامل ، 5 /367.

(156) د. كامل عبد اللطيف ، حركات الجزيرة الفراتية (218- 263هـ/) ، مجلة كلية الاداب ، جامعة البصرة ، العدد (15) ، 1979م ، ص 148.

(157) ظل قسم من اليعقوبية مع مساور الشاري حتى وفاته . تاريخ ايليا برشنايا ص172.

(158) تاريخ الطبري ، 9/ 551 . الكامل ، 6/24.

(159) الكامل ، 5 / 367.

(160) المسعودي : مروج الذهب ، 2/135. وحول قول المسعودي في ان اليعقوبية والجورقان كانوا من النصارى ينظر : النقشبندي : الكرد في الدين 94-95.

(161)runer baun

, MediavaI Isalm ,p.205.

(162)الدورى : دراسات في العصور العباسية ، ص 230.

(163) ينظر : تاريخ الطبرى ، 8/ 143 ، 266 ، 339 . الكامل ، 5 /62، البذ : بلدة بين اذربيجان واران على مقربة من نهر اراس . معجم البلدان ، 1/ 61 .

(164) ابن قتيبة : المعارف ، تحقيق ثروت عكاشة ، القاهرة 1969م ، ص389. تاريخ اليعقوبي ، 2/ 462.

(165) تاريخ الرهاوى المجهول ، ص 41. تاريخ الدولة السريانية ، ص144 . وينظر الملحق رقم (4) والفصل الرابع ، ص ( ) .

(166) د. حسين قاسم العزيز : ملامح من نضال الشعب الكوردي في القرن التاسع ، مجلة شمس كردستان ، العدد (1) السنة الثانية ، بغداد 1972م ، ص7 ، نقلا عن ليو : تاريخ ارمينيا (بالارمنية) ، يريفان 1947م ، 2/ 426.

(167) مروج الذهب ، 3/ 359.

(168) البلدان ، ص 39.

(169)جمال نه به ز واخرون ، بة ر كوتيكي خمرماني كوردناسى لة ئة وروثا ، ص 58.

(170) بندلي جوزى : من تاريخ الحركات الفكرية ، ص 83.

(171) الدورى : العصر العباسي الاول ، ص234. شاكر مصطفى : في التاريخ العباسي ، ص 266 .

(172) رحلة متنكر ، 2/ 135 . يتضح لنا من قول ابن النديم ان الخرميين لم يكونوا مسلمين حيث يقول “انهم كانوا من المجوس في الاصل ثم حدث مذهبهم ” الفهرست ، ص 406 ، ويقول البغدادي ” والبابكية ينسبون اصل دينهم الى امير كان لهم في الجاهلية اسمه شروين … ويزعمون ان شروين افضل من محمد وسائر الانبياء .. وهم يعلمون اولادهم القرآن لكنهم لايصلون في السر ولا يصومون في شهر رمضان ولايرون جهاد الكفرة ” . الفرق بين الفرق ، ص 252. (173) مثلا يقول البغدادي : وللبابكية في جبلهم ليلة عيد لهم يجتمعون فيها على الخمر والزمر ويختلط فيها رجالهم ونساؤهم ، فاذا اطفئت سرجهم ونيرانهم افتصن فيها الرجال والنساء على تقدير من عزيز ” . الفرق بين الفرق ، ص 252.

وينظر : ابن النديم : الفهرست ، ص 406. ابن الاثير : الكامل ، 5/ 184.

(174) رحلة متنكر ، 2/ 135.

(175) ثورة العبيد في الاسلام ، بيروت 1985م ، ص 102.

الاثنين 11-06-2012

Al Taakhi