الرئيسية » دراسات » الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 10

الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 10

الفصل الثالث

الكورد والحركات المناهضة للدولة العباسية

-اسباب قيام الحركات المناهضة للدولة العباسية:

تمكن الدعاة العباسيون من استقطاب الموالي وكسبهم الى جانب الدعوة العباسية، وكانت خطتهم تقضي بترحيب اية فكرة واية كتلة معارضة، وكذلك اثارة الاضطرابات ضد الدولة الاموية في اية منطقة استطاعوا (1)، ووقفوا في ذلك اكثر من اية دعوة اخرى، بعد ان وعدوا الموالي بنبذ سياسة التمييز بين رعايا الدولة وبالتالي تحقيق المساواة وتحسين اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية واتخاذ القرآن الكريم والسنة النبوية قانوناً بين المسلمين (2)، ومن جهة اخرى كان شعار الدعوة هو الرضا من آل محمد (ص)، وهذا مكنهم من ارضاء العلويين المحقين بخلافة المسلمين اكثر من غيرهم، وأخيرا حقق النصر للعباسيين وحلت الخلافة العباسية محل الخلافة الاموية، غير ان الذي حصل، كان على عكس ما توقعه الموالي والعلويون، فلم يف العباسيون بوعودهم التي قطعوها للجهة الساخطة على سياسة بني امية، لذا يكون طبيعيا ان يصبح العصر العباسي منذ بدايته عصراً للفوضى والاضطرابات، وعصرا للحروب والمعارك بين العباسيين واتباعهم من جهة وبين الاطراف المطالبة بحقها والساعية الى تحقيق شعائرها ومبادئها من جهة اخرى، فلم يطرأ تغيير على موقف الخوارج تجاه الدولة الجديدة، وكانت نظرتهم الى الخلفاء العباسيين كنظرتهم الى خلفاء بني امية في السابق وهي ان اختيارهم لم يكن اختيارا صحيحاً، فيوجب الخروج عليهم (3) فاستمرت حركاتهم في جهات الدولة المختلفة طوال العصور العباسية الاولى.

والعلويون هم الاخرون الذين خابت امالهم في الدولة الجديدة، من قبل العباسيين ابناء عمومتهم، فلم يمض اكثر من ثلاث عشرة سنة على قيام الدولة العباسية، حتى شهدت البصرة والحجاز اكبر ثورتين علويتين في تلك الحقبة (4) واعقبتهما ثورات علوية اخرى متفرقة في اماكن اخرى، كما ظهرت في بداية العصر العباسي بوادر حركة سرية ذات جذور.

علوية وهي الحركة الاسماعيلية ( الباطنية ) التي لم يكن خطرها على الخلافة العباسية اقل من خطر الدعوة العباسية نفسها على الخلافة الاموية ، وعبرت الحركة العلوية عن نزعتها من خلال حركة القرامطة ـ وهي الوجه العسكري للاسماعيلية ـ التي شغلت بال الخلافة منذ نهاية القرن الثالث الهجري ، وغدت من الد اعداء الخلافة واكثرها خطورة عليها (5).

اما الموالي من الفرس والكورد وغيرهما ، فكان مقتل ابو مسلم الخراساني الذى قال عنه صاحب الفخري بانه ” رجل الدولة وصاحب الدعوة وعلى يده كان الفتح ” (6) في سنة ( 137هـ / 755 م ) بمثابة ايذان لهم بعدم جدوى الانتظار على تحسين اوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية من قبل الحكام الجدد ، فقاموا بدورهم بثورات وحركات عدة، كرد فعل متوقع منهم على مقتل ابي مسلم ، فبعد اشهر قليلة من مقتله ثار سنباذ الذي كان من اصحابه وصنائعه (7) ، واعقبتها ثورات وحركات اخرى لهم ، وكان اخطرها حركة بابك الخرمي في بداية القرن الثالث الهجري ، التي مثلت اقوى رد فعل للشعوب القاطنة في اقليمي الجبال واذربيجان ، تجاه السياسة العباسية نحوهم.

وشهد اواسط القرن الثالث الهجري ثورة كبيرة للزنح في جنوبي العراق، التي فاقت خطورتها ، خطورة حركة بابك على الخلافة العباسية.

وكان الكورد بصفتهم احد اهم عناصر الموالي ، ليس من الغريب ان شاركوا مشاركة فعالة في اغلب هذه الحركات والثورات العقائدية والسياسية ، بقدر تشابه وقرب اهداف هذه الحركات من اهدافهم ، وان يلعبوا دورا بارزا في بعضها ويصبح بعض افرادهم قوادا وزعماء فيها.


1ـ الكورد والعلويون :

العلويون ، هم احفاد الخليفة الرابع علي بن ابي طالب ( رض ) قاموا بثورات وحركات عدة ضد الدولة العباسية ، لانهم اعتبروا انفسهم اكثر استحقاقاً من العباسيين ومن غيرهم بالخلافة ، وان العباسيين اغتصبوا خلافة المسلمين منهم ، فكافحوا كفاحا مريرا لنيلها واخراجها من البيت العباسي.

من الملاحظ ان الكورد قلما مالوا الى ” الدعوة العلوية ” وشاركوا في حركاتها ، ويعتقد ان ذلك يعزى الى كون اكثر الحركات العلوية ، تتصف بانها متفرقة زمانيا وبعدم تنظيمها وافتقارها الى برنامج ثوري عملي ، كما ان معظم حركاتهم وقعت في اماكن بعيدة عن بلاد الكورد ، لذا كان من الصعب عليهم الاشتراك فيها وان يرحبوا بافكارها واهدافها ، واكثر من هذا ، نجد ان بعض الكورد كانوا كالخوارج في بغض علي (8) ، وحسب قول المسعودي ان بعضا من الكورد ” رأيهم رأي الخوارج والبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما ” (9).

يظهر ان هذه القاعدة لاتنطبق على جميع الكورد ، فبعضهم قدتشبع فعلا بعلي بن ابي طالب ، لاسيما بعد هروب افراد من البيت العلوى الى المناطق الكوردية ، والاقامة بين سكانها ، وبالتالي نشر مبادئ الدعوة العلوية بينهم ، ففي القرن الرابع الهجري كان سكان مدينة ” بير ” في شهرزور من الشيعة الصالحية الزيدية اسلموا على يد زيد بن علي (10) ، كما ان امراء بني حسنويه كانوا على المذهب الشيعي ، بدليل ان الامير بدر بن حسنويه دفن في مشهد الامام علي بن ابي طالب بالكوفة (11) ، ولايستبعد كون بعض القبائل الكوردية في اقليم الجبال على مذهب امرائهم ، فالرعية على دين ملوكها (12) ، وقد اشار حمد الله المستوفي الى ان الكورد من سكان نهاوند كانوا على المذهب الشيعي الاثني عشري (13) ، كما ان قبيلة ” جاوان ” الكوردية التي كانت تقطن في اقليم الجبال في القرن الرابع الهجري (14) ، ثم هاجرت نحو العراق وأسست مدينة الحلة مع قبيلة بني اسد وسكنتها معها في اواخر القرن الخامس الهجري (15) ، كانت على المذهب ” الامامية الاثني عشرية ” (16) ، ونلاحظ في الوقت الحاضر ان قسما من الكورد مايزالون على المذهب الشيعي ، وهم اللور ، ويمكن ان يكونوا على هذا المذهب ايضاً في القرن الرابع الهجري ، على الرغم من عدم وجود نص تاريخي لدينا يظهر تشيعهم انئذ ومن المعروف ان بلاد اللور خضعت للامارة الحسنوية.

اما اشتراك الكورد في الحركات العسكرية للعلويين ، فلا يتوفر سوى نص وحيد ينفرد مطهر المقدسي في نقله وهو خروج الرافع بالله العلوي باذربيجان في عصر الخليفة المعتمد ( 256 ـ 279هـ / 870 ـ 892 م ) ، وتجمع الكورد حوله (17).

لم نعثر على تفاصيل هذه الحركة في المصادر الاخرى ، ويحتمل انها حركة لشخصية علوية محلية ، ولم تشكل خطرا على الدولة العباسية.


2ـ الكورد والدعوة الاسماعيلية ( الباطنية ) :

شهد القرن الثاني الهجرى ، ظهور احدى اقوى الحركات ( الدعوات ) الدينية ـ السياسية ، تلك هي الحركة الاسماعيلية (*) ، التي تمكن دعاتها من الجمع والتوفيق بين مختلف التيارات الفلسفية والمذهبية (18) ، واتخذت اشكالا وصورا متعددة في نظرياتها ، وللتعبير عن شعائرها ومعتقداتها ، فكانت دائبة على ضم فرق جديدة الى صفوفها واضافة اراء جديدة الى مبادئها (19).

ان اهم مايميز الاسماعيلية عن غيرها من الحركات هي الحفاظ على السرية التامة حول مبادئها ، وعدم افصاحها الى غيرها ، فلا يمكن لاحد الوقوف على مبادئها واغراضها الا زعماؤها الاقلون وقادة افكارها (20) ، وكذلك عدم اللجوء الى الخيار العسكري المسلح ، فكانت في العصور العباسية الاولى حركة سرية سلمية (21).

ترجع جذور الحركة الاسماعيلية الى زمن جعفر الصادق المتوفى سنة (148هـ / 764) (22) ، فبعد ان يئس الفرع العلوي من البيت الهاشمي في تحقيق اهدافه الرامية الى ارجاع الخلافة اليه ، لجأ الى سبل ووسائل اخرى غير عسكرية تتخذ من الدين ونظرية الامامة منطلقا لها ، وهكذا ظهرت الاسماعيلية التي اتخذت من نظرية الامامة وحق العلويين الشرعي في الخلافة اساسا لبرنامجها الفكري ووسيلة للدعاية السياسية (23) ، غير انها اصابها التطور من خلال الاستفادة من افكار ومعتقدات ذات اصول غير عربية (24) ، وصارت مع الزمن تدل على اصحاب مذاهب دينية مختلفة واحزاب سياسية واجتماعية متعددة واراء فلسفية متنوعة (25).

اعتقدت الاسماعيلية بان الامامة انتقلت من جعفر الصادق الى ابنه اسماعيل وان جعفرا نص على ذلك بنفسه (26) ، وان اسماعيل لم يمت في حياة ابيه (27).

تتلخص اهداف الاسماعيلية في اسقاط الخلافة العباسية واحلال الخلافة العلوية محلها، محققة بذلك وحدة الخلافة الاسلامية (28) ، ويرى الدوري ان الاسماعيلية استهدفت قبل كل شيء احداث ثورة اجتماعية واعتبار الدين الاسلامي اساساً للنظام القائم وذلك بتوحيد جميع العناصر المتذمرة في جو من التعاون والحرية الفكرية وتقويض المجتمع واقامة آخر لا استغلال فيه ولا يحكمه مذهب او عنصر معين (29).

يعد عبد الله بن ميمون بن ديصان من اكبر منظمي الدعوة الاسماعيلية وواضعي.

الحواشي

(1)فاروق عمر: طبيعة الدعوة العباسية، بيروت 1970م، ص223.

(2)عبد العزيز الدوري: دراسات في العصور العباسية المتأخرة، (د.ت) ص10. وينظر:ص ( ).

(3)احمد امين: ضحى الاسلام القاهرة (د،ت)، 3/337.

(4)حول هاتين الثورتين ينظر: تأريخ الطبري، 7/522-71هـ الكامل، 5/2-17.

(5)بندلى جوزي : من تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام ، ص165.

(6)ابن طباطبا الطقطقي : الفخري في الاداب السلطانية ، القاهرة 1962م ، ص 108.

(7)م. ن ، ص 136.

(8)ابن الاثير : الكامل ، 6 / 286.

(9)مروج الذهب ، 2 / 135.

(10)مسعر بن مهلهل : الرسالة الثانية ، ص 59. وزيد بن علي هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ( زيد الشهيد ) و ( 80ـ 121هـ / 699 ـ 739 م ) ثار بالكوفة في خلافة هشام بن عبد الملك وقتل في سنة ( 121هـ / 739 م ) او سنة ( 122هـ / 740 م ). ينظر عنه : الكامل ، 4 / 240 ـ 248.

(11)ابن الجوزي : المنتظم ، حيدر اباد ، الدكن 1357هـ /272. الكامل ، 7/267. ابن كثير : البداية والنهاية ، 11/ 354.

(12)الشهرستاني : الملل والنحل ، مط. الحجازى ، القاهرة ( د. ت ) ، 2 / 54.

(13)نزهة القلوب ، ص 83.

(14)مروج الذهب ، 2/135.

(15حول تاريخ قبيلة جاوان وكيفية استيطانها في الحلة ينظر: مصطفى جواد : جاوان ، القبيلة الكردية المنسية ، بغداد 1973 م.

(16)ابن بطوطة : رحلة ابن بطوطة ، ص 147. لايعرف بالتحديد تاريخ وسبب تشيعها.

(17)البدء والتاريخ ، 6/125.

(*)نظرا لاهمية موضوع الاسماعيلية وجدنا انه من الافضل تقديم نبذة عنها.

(18)ينظر : هيوار : دائرة المعارف الاسلامية ، مادة الاسماعيلية ، 1/377 وما بعدها.

(19)الدوري : دراسات في العصور العباسية المتأخرة ، ص 126.

(20) بندلي جوزي : من تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام ، ص 121.

(21)اصبحت الاسماعيلية حركة سياسية عسكرية في العصر البويهي والسلجوقي، وامتلكت قلاعاً وحصوناً عدة ودخلت في صراع مرير مع السلاجقة.

(22)جعفر الصادق: جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين (80-148هـ/699-765م) سادس الائمة الاثني العشرية عند الامامية.

خير الدين الزركلي: الاعلام، 2/126.

(23)الدوري: دراسات في العصور العباسية المتأخرة، ص126.e.Gustave.127.P1966،.A.S.U، Medievai Isiam، ven Grunr Baun

(24)البغدادي: الفرق بين الفرق، بيروت 1977م، ص271. دراسات في العصور، ص126، بندلي جوزي: من الحركات الفكرية، ص118.

(25) من تاريخ الحركات الفكرية، ص 121.

(26)الاشعرى: مقالات الاسلاميين، استانبول 1929م، 1 / 26، الاسفراييني: التبصير في الدين، القاهرة 1940م، ص 23. الملل والنحل، 1 / 278.

(27) نشوان الحميري: الحور العين، طهران 1972م، ص62.

(28)موسى القبال: اهداف الدعوة الاسماعيلية في مصر والشرق الاسلامي، مجلة المؤرخ العربي، العدد (1)، بغداد 1957م، ص 221.

(29) دراسات في العصور، ص155.

الأربعاء 30-05-2012

Al Taakhi