الرئيسية » دراسات » الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 5

الكورد في العصر العباسي حتى مجيء البويهيين (132-334هـ / 749-946م) 5

تعتبر القبيلة الروزكية من اهم القبائل الكوردية التي استوطنت ارمينية، لاسيما في مدينة بدلير ونواحيها وفي المناطق الواقعة الى الجنوب من بحيرة وان ، حيث يذكر شرفخان البدليسي الذي هو من ابناء الروزكية وضليع باخبارها ، ان الاتحاد القبلي الروزكي توجه نحو مدينة بدليس وانتزعها من يد قبيلة الكردكسي (93) ، وانها -الروزكية- تحكم المدينة واطرافها منذ سبعة وستين عاماً (94) ، ومن الرواية نفسها نستنتج ان قبيلة الكردكي كانت تحكم مدينة بدليس قبل ان تسيطر عليها الروزكية، اي انها من سكانها، ويرى احد المؤرخين المعاصرين ان الكردكي هي من بقايا الكردوخيين الذين سكنوا المنطقة نفسها قديماً (95) .

شكل الارمن في الحقيقة ، الغالبية من سكان مدينة بدليس حتى في ايام البدليسي (96) ، وغير ان هذا لايمنع من استيطان الكورد بجانبهم وفي اطراف المدينة منذ القدم ، وذهب الى ذلك الرحالة التركي اوليا جلبي – القرن الحادي عشر الهجري ـ عندما زار المدينة ، بقوله (انهم من الكورد القدماء) (97) وسكنت قبيلة الحار بختية الكوردية في المنطقة الممتدة من جنوبي بدليس الى حدود الجزيرة (98) .

وسكن الكورد من قبيلتي البختية والبشنوية وغيرها في منطقة الزوزان (99) الواقعة في ارمينية جنوبا الى جنب مع الاغلبية الارمينية (100) ، حيث تمتعوا بها باستقلال ذاتي ، وكانت لهم قلاع وحصون عدة ، كقلعتي برقة وبشير للبشنوية ، وقلاع حزقيل واتيل وعلوس وباز الحمراء للبختية (101) . كما سكنت الزوزان قبيلة زومان الكوردية التي قال ياقوت عنها (انهم طائفة من الكورد لهم ولاية) (102) .

بالاضافة الى المناطق المحيطة ببحيرة وان ، سكن الكورد في مدن واماكن اخرى من ارمينية ، قريبة من اقليم اران وغير متصلة باراضي بلاد الكورد ، ففي القرن الرابع الهجري تواجدوا في مدينة برذعة ، وكان احد ابوابها يعرف باسمهم ويقوم عنده سوق الكركي في ايام الاحد (103) ، وفي هذا القرن ، تواجد الكورد في مدينة دبيل (دوين) ايضا (104) ، وكان هناك نهر في غربي دبيان عرف باسم ” نهر الاكراد ” (*) ، جاء ذكره اثناء عمليات الفتح الاسلامي للمنطقة (051) ، وهذا يفسر تواجد الكورد فيها منذ العصور التي سبقت الاسلام ، ويخبرنا فضل الله العمري باسماء اماكن اخرى من ارمينية كبلاد للكورد ، منها : بلاد كواردات الواقعة بين جولميرك وبلاد الروم ، وكان عددهم فيها نحو ثلاثة الاف (106) ، وبلاد الدينار التي تلي بلاد الجولميركية (107) ، لم يحدد العمري هذه المناطق ولم نجد مواقعها في كتب البلدانيين الاخرى .

الكورد في اقليم فارس (108):

سكن الكورد في حقبة البحث ، بالاضافة الى موطنهم الاصلي ، مدنا واقاليم اخرى كثيرة ، لم تكن معروفة ببلاد الكورد في اي عصر تاريخي ، سواء كان ذلك قبل الاسلام ام بعده ، ويبدو انهم تركوا بلادهم الاصلية لاسباب اقتصادية وسياسية وغيرها ، دفعتهم الى التوجه نحو الاقاليم المجاورة في حقب تاريخية مختلفة . ومن الجدير بالذكر ، ان قسماً غير قليل من هؤلاء المهاجرين كانوا من القبائل الرحالة وبقوا على حالهم في مواطنهم الجديدة ، لذا يعتقد بان العامل الاقتصادي المتمثل بالبحث عن المراعي في اماكن جديدة ، كان له الاثر الاكبر في احداث مثل هذه الهجرات ، ويأتي العامل السياسي في الدرجة الثانية ، لاسيما اذا علمنا ان بلاد الكورد غدت ميدانا للحروب والصراعات المستمرة بين البيزنطيين والفرثيين ومن بعدهم الساسانيين ، ومن الطبيعي ان هذه الظروف محفزة لهجرة القبائل الكوردية الرحالة منها بالدرجة الاولى ، الى اماكن اخرى اكثر امانا ، ويأتي اقليم فارس الواقع في جنوب شرق بلاد الكورد في مقدمة الاقاليم التي هاجرت اليها القبائل الكوردية (109) ، ولكن لايعلم متى وكيف وصلت اليها ، ومن المحتمل ان هذه الهجرات قد وقعت في القرون الميلادية الثلاثة الاولى ، ويتساءل احد المؤرخين الكورد المعاصرين عن الاسباب التي دعت الكورد الى الهجرة الى اقليم فارس (110) .

ان اقدم نص متوفر يلقي الاضواء على هذه المسألة، ينقله الطبري ويرجع الى القرن الثالث الميلادي اثناء انتقال السلطة من الفرثيين الى الساسانيين، وذلك من خلال الرسالة التي ارسلها اردوان الخامس اخر ملوك الفرثيين مع رسوله الى اردشير ابن بابك الساساني مؤسس الدولة الساسانية ، حيث جاء فيها ‘ايها الكردي المربي في خيام الاكراد ، من اذن لك من التاج الذي لبسته ” (111) ، الشيء الذي يهمنا من هذه الرواية هو ان الكورد ، او بالاحرى القبائل الكوردية الرحالة ، قد وصلت الى اقليم فارس قبل هذا التاريخ .

وفي بداية العصر الاسلامي ، كان الكورد في اقليم فارس ، من اهم العناصر الفعالة المشاركة في مقاومة الفاتحين المسلمين ، اذ واجهوهم مواجهة شديدة ، وهناك روايات كثيرة تؤكد ذلك ، فعندما قصد سارية بن زنيم الذئلي مدينتي نسا وداريجرد – من مدن فارس – في سنة (23هـ /644م) وقاتل الجيش الساساني المرابط هناك ، ” تجمعت اليهم اكراد فارس ” (112) وفي السنة نفسها توافد الى مدينة بيروذ بالاهواز” اهل فارس والاكراد’ لنجدة اهل المدينة والكيد من المسلمين (113) ، اما بعد انتهاء عمليات الفتح ، فان اخبار تواجدهم فيها متواصلة في القرون الاربعة الاولى للهجرة (114) .

لعل ابن خرداذبة (القرن الثالث الهجري ) او بلداني تحدث عن كثرة القبائل الكوردية في فارس، حيث وصف زمومهم (115) الاربعة وهي زم البازنجان وزم ارادم بن جواناه وزم الكوريان وزم السوران (116) ، اما الاصطخرى، فاسهب في وصف زمومهم واحيائهم (117) ، وكذلك تنظيماتهم الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة علاقتهم مع الدولة العباسية واشتراكهم في الحوادث الواقعة في فارس واصفهان ، وعدد ثلاثة وثلاثين حيا منهم ، ويقول اما احياؤهم فتكثر عن الاحصاء ، يقال انهم يكثرون عن خمسمئة الف بيت شعر (*) ينتعجون المراعي في الشتاء والصيف ، وكانوا من الكثرة الى حد لايمكن احصاؤهم الا في ديوان الصدقات (118) .

الجدير بالاشارة ان المصادر لاتذكر شيئاً عنهم بعد القرن الرابع الهجري فالمصادر البلدانية المتاخرة لاتضيف شيئاً جديداً يتعلق باخبارهم في القرون اللاحقة وتكتفي بنقل مادونه الاوائل عنهم ، الامر الذي يؤدي بنا الى ان نشك في تواجدهم بهذه الكثرة التي وصفها الاصطخرى وغيره ، على الرغم من تأسيسهم لامارة كوردية في فارس واصفهان (امارة الشوانكاره) في اواسط القرن الخامس الهجري (119) ، فلا يستبعد ان هاجروا فارس الى مناطق اخرى ، وبعض هذه الهجرات قد حدثت فعلا في القرن الرابع الهجري ، حيث يذكر الاصطخرى ان قبيلة البازنجان المتواجدة في نواحي اصبهان ، كانت في الاصل فرعا من زم البازنجان في فارس (120) .

يرى احد المؤرخين الكورد المعاصرين ان عدم بقاء الكورد بأقليم فارس بهذه الكثرة في العصور المتأخرة ، قد يعود الى قيامهم بثورات ، احتاج اخماد نارها الى جهد ومشقة ، ومن ثم تهجيرهم الى خارج هذه المناطق (121) ، غير انه على الرغم من ذلك قد بقوا بصورة اقل من قبل، واستمر بقاؤهم الى مستهل القرن السابع الهجري ، ففي هذا القرن انتهى وجودهم في فارس بفعل مجيء التتر (المغول) الى المنطقة واحتياجهم للعالم الاسلامي ، اذ ابادتهم سيوف التتر بما حكم به عليهم مولج الليل في النهار (122) .

وصفوة القول ان عامل الهجرة، فضلا عن عوامل اخرى مجهولة، قد ادت الى اضمحلال اعدادهم في اقليم فارس تدريجياً، ابتداء من القرن الرابع الهجري ، واستمر وضعهم على هذه الحالة الى القرن السابع الهجري ، حيث انتهى وجودهم نهائياً جراء الاجتياح التتري والانصهار في البودقة الفارسية.

الحواشي




(93) الشرفنامة، ص 387 .

(94)م . ن ، ص 391 . الف البدليسي كتاب في سنة ( 1005 هـ / 1596 م ) اى وصول الروزكية الى بدليس يصادف سنة ( 222هـ / 836 م ) .

(95) جمال رشيد : دراسات كوردية في بلاد سوبارتو ، ص 87.

(96) الشرفنامه، ص 370.

(97) سياحتنامه: ص 118.

(98) الفارقي: تاريخ الفارقي، ص 49 ـ 51 . عبد الرقيب يوسف : الدولة الدوستكية ، ص35 ـ 36 .

(99) الزوزان: كلمة كوردية تعني البلاد الباردة ( كويستان)، ويقول ياقوت انها كورة بين جبال ارمينية واخلاط واذربيجان وديار بكر والموصل، وفيها قلاع كثيرة حصينة . معجم البلدان، 3/ 158 .

(100) م . ن. ص.

(101) م . ن،1 /429 ، 3/ 158. البغدادى : مراصد الاطلاع، 1/ 200.

(102) معجم البلدان ، 3 / 159.

(103)الاصطخرى: مالك الممالك ، ص 183. ابن حوقل : صورة الارض، ص 291. وبرعذة: مدينة كبيرة حصينة وهي قصبة الران . الحميرى : الروض المعطار ، ص 78.

(104) المقدسي: احسن التقاسيم ، ص 377. ودبيل : في اقصى شرق ارمينية وعلى الحدود مع اقليم اران . معجم البلدان ، 2/ 394 .

(*) يعتقد د. احمد عثمان ابو بكر ان نهر الاكراد المذكور في الصادر ، هو نهر الكر الحالي . مجلة المجمع العلمي العراقي، الهيئة الكوردية ، مج 13، بغداد 1985 م ، ص 371. ويذهب النقشبندي الى غير ذلك ويرى ان نهر الاكراد هو احد روافد نهر ارآس ويقع في غرب مدينة دبيل (دوين) كما جاء في رواية البلاذرى وهو نهر كارني في المصادر الارمينية ، اما نهر الكر فيقع في شرق المدينة بمسافة بعيدة . اذربيجان ، ص 34 ـ 35. ونلاحظ من خارطة لسترنج رافداً صغيراً ينبع من الجهات الغربية لبحيرة (كوكجة) ويجري غرب دبيل ويصب في نهر اراس عند جنوب غرب المدينة، ويظهر ان هذا النهر هو الذي اطلق عليه البلاذرى نهر الاكراد. ينظر: بلدان الخلافة الشرقية، خارطة ص 114.

(105) البلاذرى: فتوح البلدان ، 1 /273 . معجم البلدان، 1/ 146.

(106) صبح الاعشى ، 4/ 377.

(107) م . ن . ص.

(108) يحدها من الشرق خوزستان ، ومن الغرب كرمان، ومن الشمال اصفهان ومفنازة خراسان ومن الجنوب بحر فارس (الخليج)، من اهم مدنها شيراز وارجان واردشير خرة واصطخر ودار ابجرد ، معجم البلدان ، 4/ 266 .

(109) لانتحدث عن الكورد في الاقاليم الاخرى كخراسان وكرمان وبلاد الشام ومناطق الثغور والباب والابواب والبيلقان وغيرها، وذلك لقلة عددهم وندرة اخبارهم فيها ينظر عنهم: السعودى: التنبيه والاشراف ، ص 94 ، ابن حوقل: صورة الارض، ص 296، 370.

(110) محمد جميل روزبياني: امارة الشوانكاره مجلة كاروان ، العدد (30)، ص 99.

(111) تاريخ الطبرى، 2/ 39.

(112) ابن الاثير: الكامل ، 3/ 24.

(113) م. ن، 3/ 21.

(114)ينظر: تاريخ الطبرى، 7/ 327 ، 9 / 140 ، الكامل ، 4/ 87 . 4 /306 5/ 274 . الاصطخرى : مسالك المماليك ، ص99 ، 145 .

(115) زموم : مفردها زم او رم)، وهي محال القبائل الكوردية في مصايفهم ومشاتهم. معجم البلدان 3 /71. وبقيت هذه الكلمة في اللغة الكوردية بصيغة (رمه ، رموه)، الروز به ياني : امارة الشوانكاره، ص 98. وتراد منها كلمة ( هه وار ) في المعنى .

(116) المسالك والممالك، ص 47. ويقول الروز به ياني: لعل الكوريان هي قبيلة الكوران والسوران هي السهرانية (السورانية). امارة الشوانكارة، ص 99.

(117 ( الاحياء عند العرب بمعنى الزموم عند الكورد. ياقوت : المشترك ، ص 221.

(*) اذا كان كل بيت منها يتكون ـ في المتوسط ـ من خمسة افراد فيكون مجموع الكورد في فارس مليونان ونصف مليون نسمة، وهذا مبالغ فيه بلاشك، غير ان في الوقت نفسه دليل على كثرتهم في فارس.

(118) مسالك الممالك ، ص 99، 144 ـ 145. وينظر ايضاً : المقريزي : الملوك لمعرفة دول الملوك ، القاهرة 1934 م ، ج1، ق 1، ص 4.

( 119) ابن حوقل : صورة الارض ، ص 236.

(120) حول امارة الشوانكاره الكوردية ينظر: ستانلي لين بول: الدول الاسلامية، ترجمة محمد صبحي، سنه 1973 ص 387. الروز به ياني: امارة الشوانكار ، ص 98 ـ 107.

(121) مسالك الممالك ، ص 99.

(122)د. محسن محمد حسين: الكرد وبعض مصادر تاريخهم الاسلامي ، مجلة كاروان ، العدد (24) ، ايلول 1984 م ، ص 139.

(123) شيخ الربوة الانصارى: نخبة الدهر، ص 179. الكرد وبعض مصادر تاريخهم الاسلامي، ص 140.

الاثنين 14-05-2012

AL taakhi