الرئيسية » مقالات » بؤس سياسة المالكي و تلغيم المشروع الفدرالي في العراق

بؤس سياسة المالكي و تلغيم المشروع الفدرالي في العراق

من المفارقات الفاضحة أن نقف اليوم موقف السلب والنفي من ثقافة الفدرالية و التعددية السياسية و فلسفة ممارسة الحق الدستوري و تداول السلطة، علی ما يفعله دولة رئيس الوزراء، “حارس وحدة العراق وهويته” و “حامي العروبة والإسلام” بتهويماته النضالية، لكي يهاجم الجهات التي تعمل علی سحب الثقة منه‌.
من يکون قادراً علی إلقاء خطب مطولة حافلة بالشعارات المستهلكة لكي يشنّ فيها حرباً ضد خصومه المتحالفين معه و لا يقدر علی اجتراح الإمكانات لتأمين فرص العمل و أسواقه و شبكاته، أو لتحسين شروط العيش لأوسع الفئات من الشعب العراقي ومن يأتي بحجج مموهة أو مغلوطة أو واهية ترمي الی التغطية والمساویء، بإتهام الغير و حمل المسؤولية عليه، و ذلك للهروب من استحقاقات الكيانات، بإختراع أعداء، هدفه دفع عجلة تفاقم المشكلات و استعصاء الحلول نحو الأمام و همّهُ إنتاج أناس هم أعداء للفهم، يدرّبهم علی إتقان لغة التصديق و التصفيق والتهليل، كأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر. و هذا هو مصدر التخلف والفقر والتسلط والإستبداد.
الكوردستانيون ما زالوا جزء مهم من العراق ولهم الحق الكامل في التمسك بالوسائل الديمقراطية لمجابهة خصومهم السياسية، إن سعيهم لمصالحهم الذاتية في إطار اللعبة الديمقراطية بإستعمالهم أساليب ديمقراطية ودستورية لا يقلل من شأن حقهم الديمقراطي.
من يريد أن يستخدم هذا الإختلاف كورقة توظيف للتمحور الخلاف الحالي حول قضية الخلاف الكوردستاني العربي يسعی الی تعميق ثقافة الصِدام مرة أخرى وإلى تضييق فرص الحوار للحيلولة دون تفاقم الاختلافات و لا يريد في النهاية أن يقبل المحاولة الجدية لتقليل فرص تكون الدكتاتورية من جديد.
صحيح بأن كل مجتمع يخلق نماذجه، لكن التجارب المريرة كشفت بأن نموذج كالمالكي الذي يدعي، كونه “قائد ملهم”، بوصايته السلطوية و أحلامه المستحيلة بإمتلاك مفاتيح الجنان وسلّم النهوض للعراق، لايمكن أن يجلب للعراق سوی الخسائر والكوارث. ما يحتاجه العراق هو نماذج فاعلة، ديمقراطية، مبدعة، خارقة، كوسموبوليتية، كالسياسي نيلسون مانديلا أو كصاحب العقل الإقتصادي كارلوس غصن، رجل أعمال لبناني-برازيلي، أو كالبنغالي محمد يونس، مؤسس بنك جرامين، الذي حاز علی جائزة نوبل للسلام، أصحاب المبادرات الحية والاستراتيجيات الفعالة في التدخل، التي تسهم في تحسين ظروف الحياة والعمل والخدمات.
نحن نعلم بأن الإصلاح يقتضي إعادة النظر في مسألة المصداقية المعرفية، بعيدة عن التعامل مع المعرفة بصورة أحادية نخبوية و هو يقتضي أيضا تشكل ثقافة مضادة للهدر، تفتح الإمكان لاستغلال الموارد بصورة مثمرة و فعالة، بالإضافة الی خلق الفرص لأفراد المجتمع للمشاركة في إغناء و تطوير صيغ العقلنة وقيم التواصل و قواعد الشراكة الحقيقية.
فبعد ست سنوات من صناعة القرار بعقلية المتفرد کرئيس للوزراء في العراق ، لم نری في عراق المالكي تقدم غير التراجع نحو الخلف، فهو الذي عطّل إرادة الإصلاح والتغيير، و أخفق في بناء مؤسسة حية يؤمِّن حياة المواطن العراقي، ناهيك عن تأمين الظرف المعيشي المقبول، لأنه و للأسف لم يكن علی إستعداد في إمتلاك عدة فكرية سواء من حيث الرؤی والمفاهيم، أو القواعد والآليات أو الطرق والوسائل. ففي النظم الديمقراطية يمكن أن تجمع هذه النقاط و لتمارس حق سحب الشرعية أولاً والثقة أخيراً من حكومة، التي جلبت للعراق أسم الدولة الفاشلة.
إنه هروبه من مجابهة الذات و ممارسته لأقصی درجات المكيافيلية في التهاجم علی خصومه بثنائيات لا يمكن أن تترجم سوی في أعمال القمع والعنف والإرهاب. هدفه هو إقامة نظام شمولي يقوض بحزبه و معسكراته العقائدية حيوية الكيانات العراقية المختلفة، التي يريدها هو أن تدين و تنتسب أو تتبع للزعيم الحاكم بأمره وهنا يتجلى بؤس التزييف في تجريد الذات الإنسانية من كل مقوماتها الفكرية ومن قدرتها على الوعي بحقيقة أوضاعها.
في السابق أعتقد دعاة الوحدة في العالم العربي بأن قضيتهم هذه هي مفتاح حل لجميع مشكلاتهم الموروثة، فكانت النتيجة المزيد من الفرقة والشرذمة. واليوم يريد السيد نوري المالكي لتلغيم المشروع الفدرالي أن يستنسخ هذه الورقة لإدارة فكرة الوحدة العراقية بطريقة غير تداولية، و يتعامل معها بصورة فئوية عنصرية أو أحادية تبسيطية، متجاهلاً بأن عمل التوحيد ماهو إلا بناء متواصل يُصنع و يُشكل بالخلق المستمر لمجالات ووسائط تتيح التداول والتبادل و إنتقال للأفكار والخبرات و الأشخاص والخبراء و لايعلم بأن العولمة بثوراتها الرقمية و إنفجاراتها التقنية تسهام بشكل فعال في توحيد المصائر، بحيث بات من المتعذر علی أي شعب أو رئيس أن ينفرد في معالجة المشكلات و إيجاد الحلول للأزمات الداخلية مها والخارجية، بل بات من المتعذر علی أي مجتمع أن يضمن أمنه العسكري و الغذانءه‌ أو البيئي علی أرضه وحده دون شراكة الآخرين.
وختاماً: لنعترف بالحقائق لكي نحسن صنع حقيقتنا، فلکل شيء زمنه و لكل سياسي موقعه و دوره و إيقاعه، بقدر ما يسهم بتشكيل خريطة الواقع السياسي بعلاقاته و تراكيبه أو تجاوزاته‌ و تراكباته.