الرئيسية » مقالات » المرجعية الشيعية والفكر القومي

المرجعية الشيعية والفكر القومي




لقد أثارت مقالتي السابقة ( المرجعية الشيعية بين العروبة والاسلام) نقاشا حادا بين المؤيدين والمعارضين وكُتبت عنها مقالات عديدة ظناً من السادة القرآء أنني أميل لمرجعية دون سواها أو أتحامل على مرجعية بعينها, فأنا معَ أو ضد الفكرة ولست ضد الأشخاص.

لقد كان الغرض من المقالة هو تصحيح مسار الفكرة بين الاسلام والعروبة ، واقصد بذلك هو تسليط الضوء على الانتماءالحضاري للاسلام بدلا من الانتماءالقبلي او القومي او الإثني الذي يتشبث به البعض.
لقد كان للفكر القومي إنعكاساته على العقل السياسي والعقل الديني بأعتبارهما عقلان إجتماعيان يتأثران بالأفكار التي تدور في المجمتع وبما أن الإنسان ابن بيئته البار فقد إنفعل بهذه الأفكار, ومع إنتقال العقل العراقي من الوعي القومي الى والوعي الديني, إلا أن الأول ترك ترسباته في العقل. فحصل خلط بين مفهوم الانتماء الحضاري والانتماء القومي للإسلام والتشيع.
فلا تعارض بين الانتماء الحضاري للإسلام والعروبة, فالعرب هم مادة الاسلام، بل التعارض هو الثاني اي بين القومية والاسلام وهي فكرة جاهلية لا تمت للإسلام بصلة . وهذا هو الفارق بين المسارين ، وكذلك الحال بالنسبة للتشيع فهناك إنتماء حضاري للتشيع وإنتماء إثني قومي , فالمشكلة ليست في العنصر، بل بالعنصرية وليست في القوم بل في القومية.
فمن حقّك أن تفخر وتفاخر بقوميتك شرط ألا يكون على حساب ظلم آخرين أو التعريض بهم. ومن هنا يجب أن نفهم ان عربية التشيع ينبغي الا يفهم منها التعصب للعرب وتفضيلهم على غيرهم من الأقوام، بل هي ردٌ على من يتهمون التشيع بالفارسي والشعوبي. فقد سُئل الامام زين العابدين عن العصبية، قال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها: ان يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية ان يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية ان يعين قومه على الظلم, والعنصرية والعصبية نوع من الظلم.
وسئل الإمام الصادق عن شئ قريب من هذا فأجاب ليس من العصبية ان يحب الرجل قومه ولكن العصبية ان تجعل شرار قومك خيرا من خيار قوم آخرين / حسن العلوي الشيعة والدولة القومية ص ١٩ .
وحينما اقول الانتماء الحضاري للتشيع بمعنى ان التشيع والعروبة يكمل بعضهم الآخر وليس هو إعتراف بفضل العرب على (الفكرة) اي التشيع أو الإسلام, فشرف حمل الفكرة يعود على الاسلام , وإنما تشرف العرب بالاسلام وليس العكس، وهذا عكس الانتماء القومي الذي يعتبر الاسلام صنيعة عربية وماركة مسجلة باسم العرب ، لذا تعتقد بعض الاحزاب القومية ان الاسلام هو نتاج العروبة،ولولا العرب لما انتصر الاسلام. ويؤمنون إيمانا راسخاً ان كل من يعارض هذه الفكرة فهو غير عربي ويوصف بالشعوبي ( ضد العرب) ، ولعل الدكتاتور ( صدام) كان من المهووسين بهذه الفكرة ،فراح يقول ان العرب لهم الفضل على كل الأقوام التي دخلت الاسلام, فالإسلام هو نتاج عربي / راجع نظرة في الدين والتراث – صدام حسين/ . وهي فكرة مقتبسة عن ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/29-30) حيث يقول: الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم:عبرانيهم ، وسريانيهم ، رومهم ، وفرسهم ، وغيره, وفكرة تفضيل العرب على غيرهم ملئت كثير من كتب المتأخرين ودعَّموها بأحاديث ملفقة ومكذوبة عن النبي ومنها (أحبوا العرب وبقاءهم، فإن بقاءهم نور الإسلام وإن فناءهم فناء الإسلام). (إذا ذل العرب ذل الإسلام).. (لا يبغض العرب إلا منافق).. (حب العرب إيمان وبغضهم نفاق).. (لا يبغض العرب مؤمن) والكثير الكثير من هذه النصوص,ولعل القارئ للتاريخ سيجد نصوص تمجد بالفرس أمثال الحديث الملفق( لو كان العلم بأطراف الثريا لناله رجال من فارس) و أخرى تمجد البربر وغيرهم, وأحاديث تفضل بعض البلدان على بعض( راجع تاريخ دمشق , بن عساكر فضل الشام ), وبالمقابل هناك أحاديث تحط من قدر وقيمة الأقوام الأخرى كالمصريين والمغاربة الخ,وكلها تنسب للنبي(ص). كل هذا لو راجعه القارئ الكريم لوجده من آثار الحقبة الأموية أو الصراع الطائفي الذي شوه الأسلام بشكل كبير, وللأسف راح ينخر جسد العقيدة الى يومنا هذا.من هنا ترسخت هذه الفكرة عند البعض في اللاشعور وراحوا ينظرون الى المرجع العراقي والمرجع الإيراني والأفغاني والبقية تأتي.
و الذي نتحدث عنه في هذه المقالة لا دخل له في موضوع الفخر بالعروبة أو النيل منها, فلا غبار على الإنسان حينما يفتخر بأصله دون أن التعريض بالآخر .
نحن نفتخر باننا عرب ونفتخر بأن محمد صلى الله عليه وآله عربي والقرآن عربي وهذا لا خلاف عليه بل الخلاف في تسييس الفكرة وإخضاعها الى منطق قومي بعيد عن الأدبيات الاسلامية التي تتحدث عن عالمية وإنسانية الفكرة فقد قال الباري عزوجل ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم/ الحجرات 13.
يريد الاسلام ان يعلمنا ان الذي احق ان ينبع هو الرسالة لانها اكبر من الرسول والدعوة اكبر من الداعية .
وأن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أي بما يقدم للفكرة والعقيدة.
وهذا هو الفعل الذي يريده الإسلام وما عداه ردود أفعال لا قيمة لها , وهناك سؤال أوجهه الى المدافعين عن فكرة المرجعية العراقية,هل طرحت فكرة المرجع العراقي كفعل حضاري يستمد شرعيته من الإسلام أم هي رد فعل لما يحدث في العراق؟ فأذا كانت رد فعل فمعناه أنها لا تستطيع الاستمرار والديمومة وتنتهي بأنتهاء المؤثر وتزول بزوال المسبب, وبالتالي لا يمكن أن نعتمد عليها كفرة قادرة على قيادة المجتمع, فهي وليدة ظرف معين وليست وليدة فلسفة عميقة وراسخة.
وأخيراً اقول ان صناعة الكراهية والعنصرية لا يمكن أن تكون سماوية أو مقدسة, فمحاولة البعض سبغ القدسية على أفكارهم هو نوع من الخداع والتضليل وإستغفال الآخرين.فالمؤمنون إخوة ( إنما المؤمنون إخوة) إلا اللهم أن تخرجوا جميع المراجع العجم من الايمان, ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) .

– 22-06-2012