الرئيسية » مقالات » وخزة ضمير (29) عداوة لدودة لصديق حميم

وخزة ضمير (29) عداوة لدودة لصديق حميم

بعضهم يحضر فقط ليكون حضوره مؤلما ويشيع الخور في ذاكرة الوهن، لا يعنيه سوى أن يزيد الأحزان والأوجاع، يقول فيك ما لم يقله مالك في الخمر، ويتحول ذلك الصديق بإحساساته الفاجعة من صديق حرف ورؤيا ونبض قلب إلى عدو قاس، فيخبرك بلا هوادة ولا سابق إنذار أنك لست بصديقه، وأنك من ألد أعدائه، وبأنه لم يقل فيك بعدُ ما تستحق من جارح الكلام، فيفيض عليك بمشاعره الراقية إحساسات مميتة، إنها مميتة فعلا لأنه لا سبب يدعو لذلك!! ولكم أن تتخيلوا أن تلكم الطعنة والضربة القاسية من أقرب الأصدقاء ومن كنت تظن أنه أخلصهم وأنقاهم وأصفاهم ودا.

غريب جدا هذا التطرف وهذا التحول المقيت. أيكون ذلك؟ لكم أن تتخيلوا حجم الكارثة النفسية التي تحدث نتيجة ذلك، يسرح بك الفكر ليجوب عوالم من الرؤيا التي صنعتها مع ذلك الصديق، حوارات مفعمة بالود، وتبادل التهاني والتعازي في المناسبات السعيدة والحزينة، تقف إلى جانبه، ويقف إلى جانبك، يحبك وتحبه، لقد كنتما رائعين، واللغة المتجمدة في علب البريد الإلكتروني حافلة بكل تلك المشاعر المقتولة بجرة روح مشاكسة، لا تعرف طعما للمنطق ولا حدودا للاختلاف في الرأي، إن كان هناك اختلاف في الرأي أصلا، وما المانع أن نختلف في قضايا كثيرة؟ أليس لي ولك عقلان وتفكيران متمايزان؟ فعلينا أن نكمل نقصنا، لنكون أفضل من أجل فهم هذا العالم وطبيعة هذه الحياة.

لقد عانى كثيرون من تبدل الإخوان وتغير مواقفهم، ولكنك لن تصدم إذا ما عرفت أن هذا كائن وحادث منذ أن تشكل أول مجتمع بشري على هذه البسيطة، وخلف إحساسا بالظلم قاسيا، فلقد كان صديقا قريبا من روحك وعقلك، تبثه أشجانك وتشركه في أسرارك، يعلم عنك ما لم يعلم به المقربون، ولذلك قالت العرب: “رب أخ لك لم تلده أمك”، وعليه لم يكن الأصدقاء الحقيقيون كثرا في هذا العالم، ولله در هذين البيتين المنسوبين للإمام علي بن طالب، واللذين يتحدثان عن فكرة التبدل والتقلب:

ولا خير في ود امرئٍ متلونٍ

إذا الريح مالت مال حيث تميل

فما أكثر الأخوان حين تعدهم

ولكنهم فـي النائبـات قليـل

فقد حاز الأصدقاء موقعا متميزا في النفس تفزع إليه في كل ملمة وحادث جلل، ولكم أن تتأملوا علاقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الصحابي الوحيد الذي حاز مرتبة خاصة بصحبة أشرف الخلق في أحلك الظروف وأشدها.

وأخيرا أذكرك القارئ العزيز بقول القرآن الكريم الذي تحدث عن أهم أساس في العلاقة بين الأصدقاء، وهو قوله: “والإخلاء بعضهم لبعض عدو إلا المتقين”، فمن هو الصديق التقي النقي الصافي الذي تبحث عنه وتثق فيه، لا شك بأنه ندرة وقلة قليلة، فأقل شيء مطلوب منه إن لم يمدحك ويخلص لك في النصيحة أن لا يجعلك من ألد أعدائه، احتراما إنسانيا لكل ذكرى جميلة جمعت بين اثنين.

لعلكم تجدون ذلك الصديق الذي تبحثون عنه، أما أنا فلقد فقدت صديقا عزيزا كنت أظنه يجري في دمائي كالروح للجسد، فهل سأثق بعدها بمعسول الكلام الناعم الذي ينذر بالشر الوبيل، فلم يعد قلبي يحتمل انكسارا جديدا؟