الرئيسية » الآداب » ـ كاساني .. وملحمة درو دينو وليلاني ـ القسم الرابع ـ*

ـ كاساني .. وملحمة درو دينو وليلاني ـ القسم الرابع ـ*

الأفق يمتد اتساعا والجبل يزداد ارتفاعا ، والدروب تضيق وتلف فتدور لتكوع ب / درو / التائه غما وحسرة … / ألا أيها / الجبل الشاهق انت !! وكحاجز جداري ممتد الى ما لا نهاية على مديّ البصر ، إن بشرقه اللامتناهي ، أو غربه المائل أبدا الى تلك الجذوة البرتقالية ، فتخالها ـ خالتا نازي ـ وقد هيأت التنور ، وتلك الجلة ـ تبك ـ وهي تندلع بوهج نيرانها احمرارا لتمتد عبر ـ قرشك ـ و ـ قورمكي دارا ـ فتتشكل تلك الوهجة ، ولاتدري من جديد اإزرقاق هو أم إخضرار ؟ .. صفار مائل للأبيض وانت أيها المعتوه وما ابيضاضه ؟ .. أجل أنه أبيض حليبي مكثّف ، كعصارة حليب ـ هشير كرك ـ وقد اعتصرت بلسما ، لا !! .. حليبا لعله .. إخرس أيها المجنون انت درو ؟ ! .. نعم .. نعم .. إنه أكسير ينضج التين في تيه شجرته ، وتلك اللثغة الطفولية وهو يعتصر حلمة صدر أمه .. درو !!أيها الهائج كثور وقد طفح به الألم وعصارة الحصار !! رباه !! يا الحكمة السرمدية .. يا ألما لا يعلم به سوى باطنه ؟! .. ألعله طقطقة ذلك النجار وهو يدكّ في خشبه معالجا وبطن ذلك الأمير* الذي ذهب في ألف غيبوبة حينما سمعت الأميرة المضحية ، نصيحة ـ بيرا مروف خور ـ !! اللعنة من جديد !! .. ـ خالدي إيسو مطرب ـ أن لقصصك أحيانا مضاهاة تتجاوز في تساليها ولياليك الألف يابن جارو ؟!! .. أم لعله هو ذلك الحداد ؟ !! .. أوف .. أفف ؟ ومن جديد إذن هي النار وذلك الكور المتدفق وهجا ، والحداد يطاوع حديده المكتسي احمرارا فيليّنه فأسا مرة .. مهدة مرة أخرى .. لا لا .. أنها تلك الآلة الملعونة وهي تدكّ الأرض من تحت أقدام ـ حسينو ـ وذاك البغل يجرجره ، فيحرث الأرض كتلا صلدة .. ومن جديد هو .. هي .. وهج ، تنّور حسبته ، أم كور حداد ؟ ! . هي هي التي تلفح وجهك بسخونتها فتحسّس بنفسك وذاك الخبز المتدلي بين يدي ـ كربوي فرنه جي ـ وقد حان موعد إيلاجه .. و .. تنور الفرن من جديد والهائج كما كور الحداد !! .. ويحي !! .. ما هذا الألم القاصم في ظهري ؟ !! .. قالها درو !! .. الألم يتحرك .. يمتد ويتسع مداه ، ليبدو كسلك رفيع محمّر وقد مهرت فيه يدا ـ حنه يي هرزخي يي حداد ـ والكور كما الببور ، ومن جديد وموشور الألوان المتراكب إزرقاقا ، اخضرارا ، إصفرارا باهتا و .. رباه !! الألم / السلك !! .. السّيخ بوهجه يخترق اعصابي .. شرايين دمي .. آخ !! .. أمي ؟ !! .. ردّت عليه أمه ـ ها كه ذب ـ وصرخت بأخيه حسو ـ حسو كوري من ما لاه ته خراه نه بي ـ .. و ـ درو ـ في محراب الألم الزاحف يمشي بها خطوة خطوة .. اليدان فيهما عين ذاك الوميض اللعين كما اللسعة عندما تجرأت ـ مريما ممرضه ـ في عيادة الدكتور علي ادريس ، حينما شكّت بمؤخرتك تلك الإبرة / الدبوس .. اللعنة على أبوك .. أمك .. جدك ، وانت تصرخ في وجهها وهي تضحك بغنج ومعنى ، خاصة عندما اعتلت بثوبك فوقا وانت !! .. انت !! .. انت ـ ده عيبه درو ـ قالها في نفسه ، وهو يحسّ من جديد بتلك الرعشة التي لم يستطع حتى هذه اللحظة رغم تكرارها من ايجاد أي تفسير أو معنى ، وبالتالي وصفه لشعوره .. أهي اللذة ؟ !! .. وقد صالت في جسده ؟ .. أم لعلها هي هي تلك الحالة الموسومة خصوصا وصدرك أيتها … ؟ .. استغفر الله العظيم !! قالها في سرّه .. ولما لا ؟ !! .. نعم أن صدرها وذينك الثديين الممتلئتين .. لا وحق الله !! .. المنتفختين ككتلتين بارزتين وهما يتراقصان متقدمتين جسدك مريم !! .. آه مريما زيرو !! .. علو من جديد !! .. أنت أيها الإبليس ، مالي وصدر المرأة أو وركها ؟ ! .. شفتاها .. ومن جديد ذلك الصراع المحتدم بينك وعصو ، وجدلية المرأة هل هي تولد من مؤخرتها أم من .. ؟ !! .. آه علو .. علو !! .. ثعلب ماكر أنت ؟ ! .. لاأدري .. رباه !! .. ماهذه القشعريرة الصامتة .. لا .. الصارخة والسلسلة المتقدة هياجا وهو يزحف أفقيا .. عاموديا .. سفليا ، فيرتعش لها كامل جسدي .. رباه !! وتاه المسكين من جديد !! .. ياالتيه المضني في أفك الشرور لحظة غياب الحقيقة في ثنايا حكايا تكما ـ خالدي جارو ـ وانت ـ خالدي إيسو مطرب ـ فقط .. فقط ، هي تلكم الثواني الخاطفة كبرق صاعق فتنجلي من جملة ما تنجلي بعضا من الحقائق الظاهرة وقراءات الثعلب علو ، فأتوه ، وليتوه معه كل حواسي ، فأتخبط من جديد بحثا في ثنايا ملامح ليلان !!.. رباه ليلان !! .. ويحي !! .. ويلي .. أبي !! أين هو أبي ؟ !! .. ليلان هلمّ؟ ! .. هلمّ ليلان والهذيان يزحف فيه زحفا وهو يهتز ويرتج .. أهو ـ عرد هزينكه ـ زلزال وقد دكّ في كامل جسدي ؟ ! .. أخذت الأم تولول من جديد .. شهيق متتال متسارع يلي ردّات الزفير الساخنة ورويدا رويدا هامت النفس في تيه الجبال وليالي الصيف الهادئة بنقاوتها والقمر يشعّ بسكون علياءه .. أنظر ؟ ! .. أنظر !! .. درو وتعمّق في تأمّل القمر ؟ ! … أترى ذاك الوجه المتطبع في سحنتها ؟ ! .. رباه !! .. نعم .. نعم علو أرى ؟ ! .. أنها السيدة مريم العذراء عند الأخوة المسيحيين .. و ـ زينا ممو ـ عندنا نحن الكرد … إلهي !! ربي ! الآن !! .. وتأمّل ـ درو ـ القمر مليّا وأخذ يحملق .. ليلان .. ليلان !! .. إن هذا الشعاع ليس سوى انعكاس بسيط يلاقح الأفق خيلاءا وكبرياءا ، كما وجمال محياك أيتها الرائعة أنت حبيبتي ليلان !! .. التيه تاه في علياءه ، والأم ازدادت في حيرتها وهي تلحّ على حسو أن يقرّ لها بالحقيقة ، حقيقة ليلان ومآلها ، وحسو يقسم بالله حينا و ب ـ قبا علي يي شير ـ حينا آخر بأنه لاعلم له البتة بأي من هذه المواضيع ….
*************************
انقشع الغيم بعيد مزنة ربيعية حادة ، ولينقلب معه مزاج الطقس الذي يشي بدفء مائل لحرارة صيفية مبتداة ، ما أحال ـ علو ـ لارتداء شورته الرياضي الجديد ، وانتعل خفافته ذي اللون البني الباهت ومن فوقها صدرية المدرسة التي اقتربت أيام رميها في البيت ، وهرول الى المدرسة لاستكمال حصتيّ بعد الظهر وهو يردد نشيد المحفوظات التي سيليها درس الرياضة بمعلمها البائس .. اللعنة على المزنة الحادة ، التي تحوّلت فيها قطرات المطر الى حبيبات برد كبيرة تصطدم بالأرض مصدّرا أصواتا متتالية ، ومعها زحف الهواء البارد في الفرصة مابين الحصتين ، احتار ـ علو ـ ماذا يفعل ؟ !! .. اشتدت البرودة كثيرا فانزوى من أثرها ـ علو ـ في اقصى زاوية صالون المدرسة بجانب باب الإدارة ، ورجفة البرودة تزحف بتصاعد في اوصاله … نهض بتثاقل وبصعوبة وصل باب الردهة حيث الطريق الإسفلتي الوحيد في البلدة .. المطر مازال ينهمر بغزارة والمياه تسيل بلا أدرية فوق سطح الأرض في تماش واضح لشكل ومستويات تعرجاتها .. فكّر ـ علو ـ .. لو أنه ركض صوب البيت !! .. ولكنها الماء .. المياه ستغمر خفافته الحمراء شبه البنية الجديدة .. هذه الخفافة التي يعوّل عليها كثيرا وفصل الصيف قاب قوسين وملعبهم الكروي القديم / الجديد … بدأت الرذاذت تخفّ ومعها انحسرت حبّات البرد وسط هيجان ريح متصاعد أفقيا فتكشف معها جزء من السماء ، تلاه انقشاع ملحوظ للغيم وبحدة ، ولاح في أقصى الشمال قوس القزح يشي بألوانه الجميلة والمتداخلة ، وبان الشمس قليلا من جهة الغرب ، وإن كان الرذاذ ما زال يتقاطر ، أنه / روزا داوه تا كورا يه / يوم عرس الذئاب .. دلف خارجا وحاول أن يركض بأقصى سرعة صوب البيت ، ولم يخط سوى خطوات قليلة حينما تناهى الى مسمعه تلك الضوضاء بضجيجه القوي.. هدير متواصل ومتتال أشبه بقرقعة قوية ، ظنّها بداية صوت للرعد المرافق لبرق لربما وقد سقط قريبا .. تأمّل جهة مركز البلدية بجوار مبنى القائمقامية .. أنها طائرات !! ..طائرات .. طيارة .. طيارة .. عاد الى ردهة المدرسة وهو يصيح بفزع وخوف يمازجهما دهشته من رؤية طائرات حقيقية … خرج الجميع الى باب الردهة وهرعوا الى ماوراء المدرسة وهم يتابعون الطائرات في تحليقها العلوي واتجاهها الشرق / غربي ، وتلك الحركة .. اللفة شبه الدائرية ، ولتعود من جديد وإن لم تكن بخط شبه مستقيم أدراجها الى شرقها البائس وهي تطير من فوق بيت ـ لحدو نعمان ـ وتزحف فتزحف محلّقة ولربما حاملة لموت أو تدمير ، لابل لعله حرق ما اكتمل في الصولة الأولى ..نسي ـ علو ـ وسط هذا الزحام والضجيج ، البرد والشورت وكذلك درس الرياضة ، وبدأ الهمس والغمز ومن ثمّ الطائرات ومصدرها وجميعهم يعلم بأنها طائرات عراقية لربما تاهت أو فرّت من المقاومات الأرضيّة ، أو لعلها تناور وهي تقصف قرى كردستان العراق ، أو وهذا أقرب الى الواقع ، لعلها العوامل الجوية السيئة وقد حالت من دون عودتها بيسر الى قواعدها ، ووسط هذه المعمعة في الأقاؤيل كما الخيالات الفسيحة ، انطلقت الشلل والجماعات الصغيرة في سرد قصصها وحكاياتها ، ليحدّ من تدفقها واستمراريّتها قرع ذلك الجرس النحاسي اليدوي ، إيذانا بالإنصراف الذي بدأته طوابير التلاميذ ، إلا علو الذي تسمّرفي مكانه وهو يحدّق في قوس قزح وقد تدرّجت ألوانها وتلك القصص المتتالية وعملية القفز ، أو النط من فوق حلقاتها الموشورية والوانها الزاهية ، ومن ثمّ آلية التحوّل الجنسيّ الذكوريّ / الإنثويّ ، على حدّ تعبير وحكايا القصّ الشعبي المتداول ، وبعفوية كانت قدماه تزحف به وإن ببطء شديد ، وفي زاوية المدرسة لمح ـ علو ـ ـ درو ـ قادما من ناحية طريق ـ كر زرك ـ وبدا ـ درو ـ وكأنّه قد خرج لتوّه من ـ الجمّ ـ .. ثيابه مبللة بالكامل والماء يتقاطر من كلّ جسمه وبيده ـ كور زه ك زه تر حكي دارين تري ـ وقد اقتطعها من الكروم المتاخمة لمزرعة المدرسة اللئيمة ، ترجاه ـ علو ـ أن يعطيه بعضا منها ، إلا أنه أبى قبل أن يسمع منه الأغنية الجديدة التي ألّفها منذ قليل … ـ صبرك يا أيّوب ـ .. قالها علو : .. هيّا اسمعني إياها ؟ !! .. تابع .. تلفّت ـ درو ـ حواليه ومن ثم أنشد يقول : ……
/ خمخمي باراني /
/ أز قربان ليلاني /
/ خمخمي باراني /
/ تيروك بيره باراني /
/ تيروك بيره باراني /
/ أز كوري بيم كاساني /
هلّل ـ علو ـ وقال : وحقّ الله أنها رائعة ، درو ـ ؟ !! .. ومتى ألّفتها ؟ !! .. ردّ ـ درو قائلا : عندما كان ـ تيروك ده باري ـ إحتميت منها تحت أساسات البيت الجديد الذي يبنيه ـ برهو حيماطي ـ لنفسه وبدأت الكلمات تتخاطر الى ذهني .. ناوله ـ درو ـ رزمة من ـ ترحك ـ .. سأله ـ علو ـ وهل رأيت الطيارتين ؟ ! .. نعم .. نعم .. أجابه درو وتابع .. حتى لقد ظننت بأنّ واحدة منها ستقع على الأرض !! .. أولاد الق .. أتعلم بأنّهم يقصفون ـ جيايي بي خير ـ .. ردّ ـ علو ـ : نعم .. نعم .. وأردف .. واضحة أنها كانت طيارات عراقية .. لاحت من ـ درو ـ التفاتة حيث شرائط قوس القزح ، الذي بدأت ألوانها تتناثر وتتبعثر ومن خلفها ذاك الشريط الدخاني الأبيض المتسلسل ، وهي تمتدّ طولا من خلف تلك القطعة المعدنية في سباقها مع الريّاح وقال مخاطبا علو : أنظر !! أنظر علو ؟ .. انها طيارة نفّاثة .. ترى أين هي الآن ؟ .. تطلّع ـ علو ـ في الأفق وقال : نعم نعم ، إنها طائرة نفاثة وهي تسير على الحدود ، إنها الآن فوق ـ آفا مه زن ـ .. أي حدود ؟ .. سأل ـ درو ـ .. أجاب ـ علو ـ : .. حدود تركية والعراق وسورية … اللعنة ـ علو ـ ستجعل من نفسك فهمانا ، وتعرف بحدود تلك الدول أيضا ؟ !! مثل ـ بافي درويش ـ وأمّه ـ عيني ـ … ولما لا ؟ ! .. فقصصهما الشيقّة يسردها كل ليلة ـ درويشي عيني بنفسه في داركم على مدار العام !! …
****************************************
كانت الغيوم قد بدأت تتفرق في السماء ، والمياه انساحت لتتجمع في جداولها ، وهي تنحدر صوب ال/ جمّ / والنجوم قد بدأت بكواكبها تغزو السماء بوهجها ، وديريك حبلى بقصة الطيارتين ومآلهما ، ومع سدول ساعات الظلام الأولى ، ومن ثمّ هدير ـ موطوري سه قه تين ـ وتلك اللمبات المعدودة المتدلية من أعمدة خشبية باهتة صامتة أخذت تلمع بتكاسل واضح وفي أزقة محددة ، وعلى هدي دفء المدافئ في البيوتات ، ومنها بيت ـ قادي ـ ، كان أول من قرع الباب هو ـ صبحي يي أنو دينو ـ تلاه ـ درويشي عيني ـ و ـ يوسف ي عمر يي عربانه جي ـ ومن الطبيعي أن تكون حدث الطيارتين سيد الموقف كما ومحور القيل والقال ، وإن كان جميع الرواة والمتحدّثين متفقون على أولوية ثابتة وهي أن الطائرات هي عراقية المصدر وعسكرية أيضا ، وكانت في مهمات قتالية ، ومن ثم لتتفرّع التفاصيل ، فمن قائل : بأن الطيارتين قد أفرغتا حمولتهما من القنابل في ـ جمي سفان ـ في النقطة الفاصلة بين قريتي ـ حاجي هارونا ـ و ـ كركا ميرو ـ خلف منزل ـ عبد الوهاب ميرو ـ ، وآخرون أكدوا بأن القنابل إنما أفرغت في أعالي ـ جمي سفان ـ فيما وراء قرية ـ موزلان ـ بالقرب من بليسييي ـ وقد صدق معظمهم من حيث تلقي ـ جمي سفان ـ للقنابل ، وإن اختلف الموقع ، والدليل على ذلك هي كميات الأسماك التي نفقت وطفت فوق سطح الماء ، وأخذت تنساب في مسيرتها وخطّ سير المياه حتى وصلت بعضها قرية ـ سويديكي ـ وقسم منها نزل مبكرا للبيع في سوق ـ ديركا حمكو ـ … قطع متوالية الحدث / الحديث درويشي عيني مخاطبا ـ قادي ـ .. وكم هي الساعة الآن ؟ .. ألم يحن موعد بثّ الإذاعة ؟ .. تطلّع قادي في ساعته وقال : بعد خمسة دقائق ، ومن ثم نهض الى ذلك الرفّ البارز كعرش يتربع فوقه المذياع يغطّيه تلك القطعة القماشية المطرزة برسومها المنقوشة أزرقا وأحمرا ، باخضرار غامق يشوبه دائرة شبه كروية صفراء تبدو لأول وهلة وكأنها بلا معنى ، وإن كان الرسم ، أو لنسمها اللوحة بحد ذاتها مجرّد ألغاز ، بل طلاسم مفككة ، عرفت المطرّزة أو النقاشة ، لا بل لعلّها حدّدت أحجام اللغز مع كل لسعة إبرة أو لقطة حاكتها بخيوطها الملوّنة .. ازاح قادي القماش ولفّها بغناية ، ومن ثمّ ضغط على كبسة أو مفتاح ، تلاها طقة مفتاح آخر وبدا يحرّك ذلك الدولاب الصغير ببطء شديد ، فتتماوج مع حركتها أصوات متداخلة ومترافقة مع موسيقى حينا ، لا تلبث أن تغيب وسط شوشرة قويّة و ـ براظيط ـ متحرك يمطّ حينا ، ويتمدّد طويلا حينا ، ليصخب في غالب الأحيان ، وقد تسمع من بين ضجيجها لربما صوت ينادي .. هنا لندن .. أو القاهرة .. بيروت .. الخ .. ومع تحرّك الدولاب ـ كما يحبّ علو أن يسمّيها ـ كانت الإبرة الحمراء تتحرّك معها يمينا أو شمالا ، وشيئا فشيئا يبطئ ـ قادي ـ من حركة الدولاب ويحركها بتركيز شديد ولترتفع معها موجات التشويش حتى تصل بضوضاءها بيوتات الجيران ومعها يتسرب صوت خافت ، وبهدوء لافت ، وكأن الساكن في جوف هذا الصندوق أو الناطق من خلاله ، يحسّ بصعوبة تلقي نبرات صوته من قبل المستمع ، وبهدوء تام وأعصاب مشدودة والجميع ملتفون حول العلبة الصارخة بتشويشها ، ليلتقطوا جملتين فتتوه منهم الثالثة وهكذا .. الى متى ستظلّ هذه الإذاعة هكذا ؟ .. قالها ـ يوسفي عمر ـ ليردّ عليه ـ درويشي عيني ـ .. أو تظن بأن الأمر هو بيدهم يوسف ؟ .. الله وحده يعلم الى كم كهف يغيّر المساكين مواقعهم ليسمعونك ما تلتقطه الآن !! .. ولربما يكون القصف من فوق رؤوسهم أيضا .. ومع هذا هم مصمّمون على أن يوصلوا رسالتهم .. و … صمت الجميع ليتلقّطوا الخبر .. نعم .. أنه عن سرب الطائرات التي هاجمت مجموعة من القرى الكردية المطلّة على نهر دجلة في المثلث الحدودي العراقي التركي السوري ، حيث تصدّت لها المضادّات الأرضية للبيشمركة ، لتفرّ الطائرات وبعضها دخلت الأجواء السورية ، ورمت بأحمالها من قنابل الموت هناك .. هم .. هم !! .. همهم ـ درويشي عيني ت … إذن هي نفسها تلك الطائرات الجبانة كانت !! ..
اللعنة !! ….
**********************************************
كانت لـ ـ عيني ـ ولدين هما درويش و سعيد ، ويقال والعهدة على الرواة ، بأنه كانت لديها ابنة أيضا وقد تزوجت في اصقاع ـ زاخوكا بهدينا ـ ومنذ زمن بعيد وقد انقطعت أخبارها عنهم ، وقد كان سرّـ عيني ـ وبالتالي ولديها درويش وسعيد ، لابل مثار فخرها وصيتها ، كاد أن يبقى سرّا فيما بين البيوتات الجزيريّة ، أو ممن هم في تماس مباشر مع الأخوين ، لتمنحهما تلك الخصوصية مزيدا من الإحترام والتقدير ، وعلى الرغم من أن الأخوين هما من أمّ وأب واحد وكذلك التشابه الشكلي فيما بينهما خاصة لون العينين المائلتين الى لون تحتار فيه والتوصيف سوى تقريبها وتشبيهها بلون رماد ـ تفك ـ الموقد أو التنور ، وقد امتاز الإثنان بقامة طويلة وجبهة عالية وإن كان سعيد أكثر سمنة من أخيه ، ولعلها طبيعة عمل الإثنين ومهنتهما المختلفة ، هي من أهم العوامل والأسباب في ذلك ، فقد امتهن درويش العتالة ، أما سعيد فقد اختار تجارة الحبوب ، ولهذا السبب استأجر محلاببابين يطلّ أحدهما على الزقاق المؤدي الى السوق ، والآخر يطلّ على طريق عين ديوار مقابل بيت ـ حاوي يا خياط ـ الآزخية ، أمّ صامو ، والعلاقة بين الأخوين كان فيها كثير من المدّ والجذر ، وفاق وخلاف ، مراضاة ولربما زعل ، ويوم بعد آخر كانت أمور سعيد تتحسّن بينما أمور أخيه درويش فهي يومية .. وغالبية الديركيين يعون مدى محبة الأخوين ولهفتهما على بعضهما ، بالرغم من الجفاء الظاهر ، ولعلها من كيد النساء كما كان كلّ واحد منهما يبرّر للآخر .. ولعله لهذا السبب اختار سعيد السكن بجانب ـ كانيا عسكرييه ـ على عكس درويش الذي فضّل السكن خلف بيت ـ أجدان علي ـ في الزقاق مقابل دار ـ خجيجا بيرك ـ والذي ـ دار خجيجا ـ لربما كان من أحد الأسباب التي أعادت مأثرة ـ عيني ـ وبالتالي قصص شجاعتها ، خاصة وأنها ـ عيني ـ كانت قد اختارت العيش في دار ولدها البكر درويش ، وحينها كان ـ درويش ـ لديه من الأولاد ابنتين ، وفي ليلة هادئة من ليالي ـ ديركا حمكو ـ والذي يأوي فيها ناسها مثل هذا الوقت من العام مبكرين الى بيوتاتهم ، ولم يكن قد مضى على صلاة العشاء كثير من الوقت ، وحينها كانت هناك بيوت كثيرة تغادر ديريك ساء من الموظفين او الجنود والدرك ، وقد أشيع بأن الفرنساويين سيغادرون قريبا ولربما سيلّ الإنكليز الموجودين أساسا في العراق وعلى مسافة غير بعيدة ، بالرغم من مطلب غالبية الناس بجلاءهم جميعا وفي تلك الفترة كان مدير المال في ديريك ، ذلك الشاب الوسيم وزوجته العروس الشابة ، واحد من ناشطي جلاء القوات الأجنبية ، وما زالت ـ عيني ـ تتذكّر لهفتها ـ الزوجة الشابة ـ على تعلّم اللغة الكردية ، الى أن كان ذلك المساء البائس ، وليتها لم تقدم .. كان المحيط كلّه هادئا وناسها قاب قوسين من النوم ولعل أغلبهم كان بالفعل قد نام .. صوت أقدام دبّت في الزقاقمتجهة صوب دار ـ خجيجا ـ ظنّت ـ عيني ـ بداية !! لعلهم بعض من الأهالي يسعون في طلب ـ خجيجا ـ لولادة امرأة ما .. وما أن فتح الباب حتى دوى إطلاق نار وصرخة قوية بدت أن مصدرها هي العروسة الشابّة ، وهي تصرخ وتناجي زوجها و .. هرولة في الزقاق .. أسرعت عيني بكل قوتها ، خطوات وكانت في الزقاق ، العروس و ـ خجيجا ـ اسرعتا الى الشابّ المضرّج بدماءه .. شبحان يركضان صوب بيت ـ سه قه تين ـ تناولت ـ عيني ـ ال ـ ملهيب ـ من خلف الباب وأسرعت راكضة وراءهما .. التفت أحدهما صوبها وأطلق طلقتين ولكن هيهات .. تابعتهما وهي تركض وتركض .. دنت منه وبضربة ملهيب واحدة على ظهره ، ارتمى على الأرض وسلاحه بيده وصاح في رفيقه / وه ره ك هل ملعوني عيني تتقتلني .. / .. عرفته من صوته .. ـ هي بي بافي بي باف .. أف توييسيس مه ليسي .. وتابعت وهي ترفع ملهيبها ـ صه يي كوري صه يا ـ طلقات عديدة انهمرت عليها من دون أن تصيبها ولكنها شتّتت ذهنها ، وتمكّن ـ سيس مه ليسي ـ من الهرب بصحبة شريكه ولكن من دون التجرؤ في البقاء بالمنطقة كلّها لأنه بات مكشوفا ومعروفا بأنه القاتل والمنحاز للفرنساويين ، وعاش على أطارف ـ زاخوكا بهدينا ـ الى أن نال منه أقارب مدير المال على ضفاف ـ جمي هيزل ـ ومع أن هذه الحادثة قد أثارت ومن جديد جرأة هذه المرأة وشجاعتها ، ولكنها كالعادة الدارجة ، طوتها النسيان ، ومن جديد لتبحث لها عن فرصة ما حتى تتنشّط ذكراها ولتتناقلها الألسن وهذه المرة مضافا إليها ، أو منقوصا منها ، وهذا ما حدث حينما اشتبكت زوجتا حسين غازي ـ حسينا درويشي عيني ـ و ـ سورو ـ واشتد لعبة شدّ الشعر وخرمشة الوجوه بالأظافر ، ومعها صراخ الأطفال ، فتدخّل الجيران فيما بينهما ، وبدت ـ سورية ـ هي المتضررة الأكبر وبعد أن هدّأهما الجيران ، تطلّعت في ـ حسينة ـ وقالت : كرمى لوالدك وأمّه لن أشتكيك الى حسين ؟ ولا لأهلي ، فقط سأشتكيك لأبيك ، لأنني أعلم إبن من هو ؟ ! وسترين يا … وتابعت .. يا محترمة .. حرام أن تكوني حفيدة ـ عيني ـ ومن جديد تدخل الجوار وأصرّوا على أن تتصالحا .. تقدمت حسينة من سورية والدموع تنهمر من عينيها ، وقبّلتها على رأسها معتذرة ، لينصرف الجميع الى مشاغله ، إلا ـ سورو ـ التي أغلظت في اليمين على حسينة بأن تروي لها حقيقة القصة التي يتداولها الناس وبطلتها هي جدّتها ـ عيني ـ
***********************************************
ملاحظة هامّة : .. على الرغم من وجود كثير من الأسماء والشخصيات الصريحة ، لابل وبعضها كانت في أرض الواقع ، إلا أنه لابد لي من أن أذكر بأنني لاأدون أو أسرد أحداثا محدّدة ، وبالضرورة قد تكون جرت مع بعض من الشخصيات !!.. لأنني ـ أزعم وقد قلتها سابقا أيضا ـ بأنني أكتب رواية بشخوص لربما أنتجها الواقع ، لابل وقد انتجها بالفعل ، ومن هنا كان ربط بعض الشخصيات ببعضها ، ولربما هم في الواقع ليسوا بكذلك ، مثال ـ درويشي عيني و محمد سعيدعيني ـ فقد احتوتهم ـ ديركا حمكو ـ .. نعم احتواهم الزمان والمكان عينه وهذه الذاكرة الملعونة ، وكذلك ـ تركو ـ و ـ رستو ـ الأخوين من الأم حسينة بنت ـ درويشي عيني ـ والأب حسين غازي ، ولكنني تعمّدت وكرمز روائي ـ ليس إلا ـ في جعلهما من أمّين مخخلفتين ـ حسينة وسورو ـ .. وكلمة شكر لجميع الأصدقاء الذين أبدوا ملاحظاتهم ومعلوماتهم الغنية ، والتي أقرّ بحاجتي الماسة لها ..
** الأميرة المضحية وقصتها الشعبية ، والتي التقطها أحد آلهة الإغريق كأضحية لها من فوق الصخرة واتخذها زوجة ، ولم يكن يظهر لها مطلقا ، بل يأتيها بعد أن تناولها العجوز المشرفة عليا فنجانا فيه سائلا منوّما ، الى أن تجرأت في ليلة ما ولم تشرب المنوّم ، ولتدخل عالم زوجها ـ الإله .. والغاية هنا ليس سرد القصة ولكن !! عين هذه القصة وغيرها كانت تحكيها لنا جدّتنا المسلمينية ، وهي الأميّة مطلقا كانت ، أما قصصها فكانت من المروث الشعبي ، ولنلتقطها ـ هذه القصة وغيرها ـ فيما بعد في كتب ومراجع عديدة …
يتبع