الرئيسية » شؤون كوردستانية » الواعظين الجدد وطرق إفسادهم للديمقراطية

الواعظين الجدد وطرق إفسادهم للديمقراطية




منذ مدة ، والشعب الكوردي يتعرض لحملة مسعورة من نوع آخر تتمثل بالحرب الاعلامية من قبل الواعظين القدماء والجدد في محاولة منهم لفرض نوع من الإرهاب الفكري ، ويستخدمون العملية الدعاية لترويج بضاعة معينة ، على خلفية الأزمة السياسية والصراعات والاختلافات في وجهات النظر بين حكومة اقليم والحكومة المركزية ، وترتكز كتاباتهم في جانب اساسي منه على معاداة الشعب الكردي و تطلعاته القومية المشروعة . ولا يتوانى أصحاب هذه الكتابات عن تزييف الحقائق التاريخية والجغرافية وحتى المعطيات الأحصائية لتبرير مواقفهم ووجهات نظرهم . كما أنهم يلجؤون و من خلال بعض المواقع الالكترونية التحريضية ، التي توفر مساحات واسعة لبث سمومهم وأفكارهم العنصرية والطائفية والاتهامات الخائبة ، الى الضحك على ذقون الناس البسطاء و إختلاق أخبار ملفقة ومن ثم اللجوء الى أناس غارقين في ظلام الشوفينية و الأنحطاط الفكري والسياسي للتعليق على تلك الكتابات الملفقة .
بدلا ان يلعب هؤلاء دورا ملحوظا في الدعوة الى التسامح بين المكونات الأثنية والمذهبية والدينية في العراق وتبني الديمقراطية بصورة صحيحة ، ومناصرة المظلومين وضحايا الدكتاتورية والشوفينية ، بل يقومون على التحريض على الكراهية وإشاعة الأحقاد من خلال الحرب الاعلامية ، التي تثير النعرة القومية ضد الكورد من خلال تلفيق التهم والاكاذيب الخارجة عن حدود اللياقة . (ليست كل حرب اعلامية ناجحة عندما يستخدم السياسيون وسائل الاعلام كأحدى الوسائل لتسقيط خصومهم ولكن ففي بعض الاحيان تقود الى نتائج معاكسة حينما تكون اسلحة الحرب الاعلامية قد تكشفت اخطاء وفساد اسيادهم للجمهور المتلقي ) . من الواضح أن هؤلاء لم تتعلموا شيئا من نعم الحرية والديمقراطية والأصغاء الى الآخر وإحترام آرائه وخصوصياته .
واخذ بعض الواعظين الى تذكير الشعب العراقي بموقف القيادة الكوردية في الستينات من ثورة 14 تموز ، مع الاسف يتجاهلون انفسهم كيف تحركت الاحزاب القومية الشوفينية متمثلا بحزب البعث والاسلامية المتنفذة بمن فيهم حزب الدعوة انذاك لتضعيف الثورة وإزاحة الشهيد عبد الكريم قاسم عن طريقهم ، ومنها الفتوى لاحدى المراجع على ان الشيوعية كفر وإلحاد لتضعيف شعبية الشهيد عبد الكريم قاسم وتسهيل لعملاء الاجانب في قيام انقلاب 8 شباط اسود ومن خلاله قتلت معظم قيادتها الوطنية بعد ان نجحوا في تصعيد الصراع بين القيادة الكوردية والشهيد عبد الكريم قاسم .
هؤلاء يحاولون بقدر الإمكان لتحسين سمعة الحكومة المركزية مستخدمين ذات الماكنة التي كانت يستخدمها الإعلام البعثي أيام النظام السابق في اتهاماتها للقوى الكوردستانية والعراقية المعارضة . عندما يستعارون ببعض الشخصيات والرموز البعثية ( متخفين تحت مسميات وواجهات جديدة ) المتواجدين الان على ساحة سياسية او اعضاء في البرلمان رمزا لمحاربة الكورد بحجة دفاع عن وحدة العراق او بحجة حقق الشعب الكوردي حقوقه المشروعة اكثر من حقه يجب ان يقف عند حده . قبل ايام ارسل الى العنوان البريدي ( الأيميل ) شريط فيدو من قبل احد الواعظين الجدد لاحد ايتام البعث هو الشخص المعروف لدى العراقيين من تصرفاته ايام حزب البعث والذي ينطق بمنطق حزب البعث ، حول موقفه من الشعب الكوردي ، يحاول ان يصدي الى الحكم الفيدرالي بحجة خوفه عن تقسيم العراق ، والوعاظين الجدد يفتخرون بهكذا الاشخاص لمعاداتهم الكورد ولم ينظرون الى تاريخهم الاسود ، ويتهمون غيرهم لتقاربهم الى البعثيين . ولماذا هذه التناقض ؟
ومن جانب اخر يتهم الكورد بإيواء الارهابيين والهاربين من وجهة العدالة امثال طارق الهاشمي وغيرهم ، ولكن يجهلون انفسهم كيف وصل الهاشمي الى اقليم كوردستان ، حيث وصل الهاشمي لأراضي الإقليم بصحبة الاستاذ خضير الخزاعي ( العضو البارز في حزب الدعوة ) الى مدينة السليمانية لزيارة رئيس الجمهورية عند عودته الى الوطن من رحلته العلاجية (لست مدافعاً عن الهاشمي ولكن مجرد تساؤلات أطرحها) ، لماذا لم يعتقل الهاشمي قبل مغادرته مدينة بغداد العاصمة ؟ وبينما هو هناك اُذيع في الفضائية العراقية بأنه مطلوب للقضاء بموجب المادة 4 إرهاب كونه يوجه أفراد حمايته لقتل العراقيين ، وهؤلاء الان يتهمون الإقليم بعدم اعتقاله وتسليمه الى المركز . ولماذا لم تتكلمون عن مشعان الجبوري وكيف تم اعفاءه هو المطلوب للقضاء العراقي بموجب المادة 4 إرهاب أيضا . هذه النصيحة لهؤلاء الوعاظين . وكانت من المفروض عليكم ان تحللوا الامور وتدرسون كافة الحيثيات عن الوضع المزري في العراق وكيفية تهدر المبالغ المالية على المشاريع الوهمية وهروب الإرهابيين من السجون العراقية قبل اتهاماتكم الى طرف اخر بالفساد المالي والاداري وإيواء الهاربيين ، وان كنتم صادقين لدعم الديمقراطية والدفاع عن وحدة العراق . للأسف إن هؤلاء الواعظين لا يريدون معرفة الحقيقة بل يسعون إلى تشويهها .
لا شك أن غالبية العراقيون يعرفون بهذا الفساد وما تسبب من آضرار وألام طلية تسعة سنوات ماضية ، وعدم تقديم الخدمات الحياتية والإنسانية لهم بسبب ما ارتكبه المسؤولين من أخطاء وفساد باسم الديمقراطية تارة وباسم الدين تارة اخرى إلى حد أن صار هدف كل مسؤول وموظف في الدولة هو النهب وعدم تمشية معاملات المراجعين إلا بالرشوة . لكن هؤلاء الواعظين يعتبرون أي نقد من قبل المواطن الكوردي لقيادة الحكومة العراقية الجديدة ، وكشف أخطائهم وانحرافاتهم وفسادهم يدخل في خيانة وانفصال ، وسرعان ما يوجهون له ولقيادته تهمة الشوفينية والعنصرية ، وتلفيق الاكاذيب ان مظاهر الظلم والفساد في اقليم كوردستان هي الاكثر تفشيا من اي منطقة اخرى من العراق ، يتصور الوعاظين بان الشعب العراق ما زال يعيش ايام البعث بعيدا عن وسائل الاعلام ، وكما يتجاهلون بوجود الفضائيات الان وتنقل جميع الاحداث والمعلومات الى المتلقي عند حدوث الحادث ، ويتجاهلون ايضا بزيارة اقليم كوردستان عشرات بل مئات من العوائل العراقية للسياحة والاطمئنان ، ويشاهدون بأم عينهم عن التغييرات والتطورات في الاقليم .
هنا اتحدث لهؤلاء الواعظين والذين ما زالوا يسبحون في مستنقعات الفاشية البعثية . لا تستطيعون ان تعزلوا اشعة الشمس بالغربال لان هناك حقائق على الارض من تقدم عمراني وصحي وثقافي وامني في الاقليم ، إضافة الى وجود الكهرباء والماء على مدار 24 ساعة . ما هي دلالتكم عن نزاهة المسؤولين في المركز والمناطق الاخرى من العراق عندما تتهمون الاخرين بالفساد والارهاب . وتحاربون الانسان العراقي ومنها الانسان الكوردي عندما يدعي انهاء معاناة الشعب عبر تحقيق “المشروع الاصلاحي” الذي يزداد بمأساته ومعاناته اليومية بفعل انتشار الفساد الاداري والمالي داخل مؤسسات وهياكل الدولة ، فلا ماء ولا كهرباء ولا أمن ولا أمان ، وماذا يكون مطلب الإنسان العراقي سوى حفاظ عن العملية السياسية والديمقراطية الوليدة في عراق ما بعد 2003 وتصحيح مسار العمل السياسي وعدم إيجاد الدكتاتور الجديد . وعدم انتاهك حقوق الإنسان في العراق مرة اخرى .
من نافلة القول أن نشير هنا الى أن الذين يلجأون الى تزييف الحقائق و تغليف الأطماع التوسعية والنوايا الشريرة بالشعارات الديماغوجية عن العراقيين ، وتحريض الناس البسطاء الى كيل الشتائم للقوميات والطوائف الاخرى بعد خلط الأوراق وتضليل الرأي العام العراقي ، هم يتعمدون الى إفشال الديمقراطية والفيدرالية ، وهذا منحى خطير يجب يعاقب هكذا الاشخاص قانونيا . و من المؤسف حقا أن هؤلاء لازالت تتبنى نفس الخطاب السياسي البعثي الذي تسبب في إلحاق الكوارث بالعراق و شعبه ، لانهم غير قادرين على الأنخراط على الحوار الحضاري وتقبل بالرأي الاخر . اليس من المثير للضحك ان هؤلاء يكررون ما كان يقوله خصومهم في السابق ويجارونهم في التقليد دون ان يبينوا ان هناك تناقضا واضحا في كلامهم وكتاباتهم .
هناك مفاهيم جامدة لدى بعض الأطراف ، والتي سوف تؤدي إلى ابتعاد وعدم تقارب في المنظور القريب بين الأطراف المتنازعة ، بل الصراع سيستمر ظاهرياً أو خفيا في جلسات معتمة ، بعيدة عن المنطق الوطني والإنساني ، وعدم تفاديهم المسيرة الطويلة المؤلمة للشعب العراقي في العقود الماضية ، والقدر المأساوي له ما زال المستمر ، يجب على الاحزاب المتنفذة على السياسية العراقية تغيير مفاهيمهم احدهم اتجاه الآخر، وعدم الإستئثار بالصبغة الطائفية او المذهبية ، والإعتراف بأخطاءهم أمام العراقيين على الأقل ، والتنازل إلى سوية التعامل من منطق الوطنية والانسانية هي الأساس .
( وهذا ما يحلم به الإنسان العراقي الذي يشعر بخيبة امل كبيرة جراء هذا الصراع المستمر بين الاطراف العراقية كلها ) .