الرئيسية » مقالات » ما بعد الأزمة ــ الخطوات القادمة ــ

ما بعد الأزمة ــ الخطوات القادمة ــ

الأزمة الأخيرة , التي وضعت الدولة العراقية على حافة الهاوية واستعملت فيها قوى المشاريع الطائفية العرقية اخطر اوراقها , كان مقدراً لها ان تكون ضربتها قاضية يفقد فيها الوطن مستقبله والعراقيون كامل انجازاتهم ثم العودة الى المصير الأسود , كانت الكارثة على الأبواب لولا صبر وحكمة العقلاء والحريصين من داخل الحكومة وخارجها والمواقف الأيجابية للبعض من صفوف الأتحاد الوطني الكوردستاني وائتلاف العراقية وكتلة التغيير وممثلي بعض المكونات من داخل مجلس النواب , الى جانب الموقف الواعي المؤثر للرأي العام العراقي .

يعتقد البعض ان الأزمة قد مرت , وهذا اعتقاد خاطيء ما دامت حكومة الشراكة ـــ سليلة نظام التحاصص والتوافقات ـــ قائمة كما هي .

ان تحالف سحب الثقة , سيحاول تفريخ الأخطر , فالأمر بالنسبة لـه مصيري , وان اعادة بناء الدولة العراقية المدنية المؤسساتية واستعادة القانون والعدل هيبتهما وتواصل تراكم الأنجازات الوطنية على اصعدة الحريات الديموقراطية والمكاسب الأجتماعية , تشكل لـه نهاية ماحقة , انهم الآن يعبرون عن شراسة النفس الأخير في المواجهة مع الدولة , ولم تكن التفجيرات المروعة الأخيرة بمعزل عن تقاسيم تلك الشراسة , هنا على الحكومة ان تكون جادة في اعتماد ارادة ودعم الرأي العام العراقي صاحب المصلحة في تقطيع شرايين تلك المخاطر التي لا نهاية لها اذا ما تركت تمارس حرية عبثيتها بالمصير العراقي .

الأزمة الأخيرة قد وضعت الأجوبة الصحيحة لأسئلة الأرباك والفوضى التي رافقت العملية السياسية , وبرغم قسوتها وثقلها على المجتمع العراقي , لكنها افرزت واقعاً ايجابياً وضع المشروعين , الوطني العراقي والطائفي العراقي في مواجهة بعضهما عند مفترق طريقين لا يمكن دمجهما او خلطهما معاً .

الحصيلة الأيجابية للأزمة الأخيرة التي مرت ولم تغادر, يمكن تلخيصها بظاهرتين.

الأولى : حالة الفرز والأصطفاف من داخل اطراف العملية السياسية , احدثت انشطاراً طولياً بين مشروع الدولة العراقية , ومشروع الأختراقات الأقليمية والدولية , ومثلما انشطرت طيور التيار الصدري واخرين عن التحالف الوطني , واستقرت في احضان من هي على اشكالها , ثبتت اطراف اخرى من التحالف خلف مشروع الدولة والمستقبل العراقي , ومثلما حدث داخل صفوف التحالف الوطني , تجاوزت بعض الأطراف والكتل والشخصيات المستنقع البعثي لائتلاف العراقية , منحازة الى جانب الوطنية العراقية , بعد ان اقتنعت كفاية , على ان طريق الدلالين والوكلاء والمرتزقة, لا يفضي الى قيم ومثل الأنتماء والولاء للوطن والناس ,وامر مشابه حدث من داخل التحالف الكوردستاني , فالحريصون على قضية شعبهم الكوردي , رفضوا الجلوس على طاولة المقامرة على مستقبل الأنجازات والمكاسب التي تحققت للأقليم ضمن الأطار الوطني , واقتنعوا بأن التلوث بقذارات جلادي شعبهم بالأمس القريب سوف لن يشرف تاريخهم , ولن يكون طريقاً امناً لمستقبل امتهم .

الثانية : هو الأنشطار الطولي النوعي داخل المجتمع العراقي , فأنحياز الراي العام الى مشروع الدولة العراقية وسلامة الوطن والمجتمع من تكرار التشظي الطائفي القومي , حيث الكارثة التي عصفت بالعراق على امتداد سنوات الموت وحراق الفتنة بعد 2003, يعد نقلة نوعية هامة , تجاوزت الأرث الطائفي , وخلعت اسمال التطرف والتصعيد .

ردود الأفعال الوطنية الرافضة لمحاولات تدمير الدولة العراقية او انهاكها عبر ضيق افق وارتجالية تحالف سحب الثقة عن حكومة شراكتهم ثم اسقاطها ’ لم تقتصر على محافظات الجنوب والوسط , بل شاركت فيها جميع محافظات المناطق الشمالية الغربية , ورغم محدودية التحفظ الأيجابي لمحافظات الأقليم , لكنها تبقى ردود افعال واعدة ضمن حراك تيار الحرص على سلامة المستقبل المشترك للمكونات العراقية .

الكرة الآن في ملعب القوى الوطنية من داخل العملية السياسية وخارجها , , عليها ان تتحلى بالجرأة والشجاعة لتخرج من عنق نظام التحاصص والتوافقات وتغادر كورة زنابير الشراكة المفتعلة , وتبدأ فوراً :

1 ـــ اما بتشكيل حكومة اغلبية برلمانية تأتلف داخلها القوى التي اثبتت حرصها على سلامة الدولة العراقية ومشروعها الوطني , خاصة وانها ستحضى باشتراك جميع ممثلي مكونات المجتمع العراقي , وهي صيغة وطنية لشراكة نافعة .

2 ـــ واما ان تسارع الى حل برلمان الأزمة ـــ المعوق اصلاً ـــ والدعوة الى انتخابات مبكرة .

ان الوضع الآن مثالي لأنجاز واحدة من تلك الخطوتين , خاصة وان الناخب العراقي قد دفع ضريبة عثرته وتعلم الدرس جيداً وهو في اتم الجاهزية لأستعادة ثقته ممن لا يستحقوها واختيار المكان اللائق لصوته , بأستثناء ذلك , لا يمكن النظر الى الأمر او تفسيره خارج اطار الغفلة او الرغبة في مواصلة نهج المساومة وتكرار الصفقات التوافقية على حساب القضية العراقية , والتي كلفت العراقيين ملايين الشهداء والأرامل والأيتام والمعوقين والمشردين وخراباً شاملاً في مجمل البنية الأجتماعية والأقتصادية والسياسية والنفسية , والأبقاء على مكونات العراق حطباً تحت الطلب لأشعال حراق الفوضى والفتن التي تتحكم في مواعيد اشعالها انظمة الجوار .

من الممكن التصالح بين كتلتين او حزبين او شخصيتين , لكن من غير الممكن محاولة التصالح بين مشروعين متضادين , بين مشروع اعادة بناء الدولة الوطنية , ومشروع تدميرها او الأبقاء عليها مشلولة بلا سيادة ,غير قادرة على استعادة هيبتها محلياً وخارجياً , ودمجهما داخل حكومة شراكة لا شراكة فيها ولا ينتج عنها الا مزيداً من الفوضى والدمار وضياع الفرص وتعطيل الحياة كما هو حاصل الآن .

17 / 06 / 2012