الرئيسية » مقالات » ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة

ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة




هناك مأساة وإشكاليات في الثقافة العراقية .. هي هذا الخلط .. وهذا الجهل .. ولحد الساعة لا ندري من هو المثقف الحقيقي : هل هو صاحب الشهادات والتفكير الاكاديمي وليس له ارتباط بأي جهة حزبية معينة ، سوى يعيش الحاضر مهموما بالمستقبل ويعالج المشكلات اعوجاج سياسي واجتماعي واقتصادي وتربوي في البلد من خلال كتاباته ومتابعته ويضع نصب عينيه مبادئ العدل والإنسانية والوطنية ، او المثقف الذي يرتبط بعملية سياسية وحزبية معينة ويصبح دمى بأيدي الزعماء وصناع القرار والذي يفقد حريته وإرادته وشخصيته ( ويعرف هكذا المثقف باسم واعظ السلاطين والآن واعظ الاحزاب الطائفية الذين يفضلون المطبلين والمزمرين على الاكاديمين الكفوئين ) ، هؤلاء يكونون ألعوبة وبيدقا بيد الاحزاب او من يتولى السلطة . . وهذا الانفصال الواقع بين المثقف الحقيقي والمثقف التجاري والانتهازي والمصلحي .

هنا نجد بعض المثقفين يفهمون ثقافة العصر ويتقنونها بصورة حسنة ويتحركون داخل المجتمع العراقي وتوجيه اقلامهم الى الخير وخدمة المواطن العراقي ، لانهم يفهمون الواقع الحالي للمجتمع العراقي ويتحملون بصدق وعن جدارة مسؤوليتهم الثقافية والإنسانية اتجاه شعبهم ومساندتهم للمظلومين ودفاعهم عن حقوق الانسان والتوجه الى افراد المجتمع بالكلمة لتوضيح واقع سياسي حالي وفكري يوغل في متاهات عدة قد تؤدي به الى الهلاك . لكن بالمقابل ما نجد البعض الاخر من المثقفين الذين يعيشون الاوهام والسراب ، ويبحثون عن مصلحتهم الخاصة فقط ، يقومون بدور التحريض والوشاية ضد من اختلف معهم والصاق التهم المختلفة بهم ، والهدف من هذه الاتهامات في للتغطية على افكار وسياسيات السلطة او الاحزاب الطائفية المختلفة .

هؤلاء المثقفين من المتغاوين والمهرجين لا يحسنون إلا أدوار الطعن وإلغاء الآخر وإظهار قوتهم ، وتسيطر على عقولهم وافكارهم ثقافة أحادية الجانب ذات طابع انعزالي ونزعة شيفونية وغير قادرين على استقبال قيم التعددية ، لذلك يتخذون من خصومهم وجدالهم العقيم شعارا في الحياة بدل الحق في الاختلاف مع احترام الآخر ، وينصبون لخصومهم الفخاخ حسدا وبغضا ، لذلك يصعب على المثقفين الاخرين (وخاصة منهم خلافا مع أجهزة السلطة) تعاملهم لسبر أغوار أفكار هذه الادوات المصطنعة من قبل الآجهزة الحكومية والحزبية والتمكن من طرح أفكارهم وإبداء رأيهم للرأي العام العراقي .

وبنفس الوقت هكذا المثقف يغذي الصراع الطائفي والقومي الشوفيني والتلاعب بمشاعر مكونات العراقية بحيث أصبح غير قادر على قبول الآخر والإيمان بعالمية العلم والمعرفة والتطور . لانه يستقبل أحداث العصر بانفعالية وسذاجة وفوضى لعدم تملكه آليات النقد البناء وتقبله الرأي الآخر ، لان ليس لديه من أسلحة ثقافية غير هذا السلاح يستعملوه في نواحي شتى من الثقافة ، لكي يفرض ثقافته المزعومة على المجتمع العراقي . هذه أوضاع مزرية وظروف متردية للثقافة العراقية تمتد جذورها لفترات زمنية طويلة غير محددة .

من الطبيعي هكذا المثقف يرفض الثقافة الجديدة ، ويتغنى بالماضي والأمجاد العتيقة بعيدا عن الحاضر والمستقبل ، واغلق باب التطور والتفاهم على نفسه واهتم بالهوامش والشروح الماضية ، ويعيش في قوقعته الخاصة وغياب منهجه الصحيح لخدمة المجتمع لانه تربى على ايقاعه النشار منذ نعومة اقلامه ، وواقعه يزداد تخلفا وتبعيا لاعتماده على الثرثرة والتفلسف حيث لا يستطع في مواجهة المثقف المتنور ولا يتمكن حاوره ويفتح جسور الحوار الحضاري معه في جو من الديمقراطية والصراحة ، لاقتناص الفرص لكي يتفاعل معه او يستفيد منه بطريقة جديدة من أجل انتشال الثقافة العراقية من حالات الانحطاط الى حالات الازدهار والتطور ، بل يتعلق بجزء من المعتقدات ذات الطابع التقليدي التي لا تجر معها سوى الويلات والحروب الطائفية والمشاحنات القومية والدينية . حيث تمارس ابشع الطرق الإقصاء والإلغاء ضد خصمها واستغلال التعصب الديني والقومي لمحاربة أدعاء الديمقراطية دون اعطاء فرصة للإنسان الكفوء للانطلاق والتوسع في مجالات التفكير ، واستعمال لأي إيديولوجية من المقدسات الدينية او القومية التي تكبل حرية المواطنين في الاختيار النوعية . لان هذه الآفكار لا تؤمن على المستوى الفكري بالديمقراطية .

ونجد هولاء ما يسمى بالمثقفين تكون اقلامهم اقراشا ضارية لانهم يطرحون ثقافة هزيلة ومناقضة على مدى سنين ماضية وثقافتهم المحددة تدور في الحلقات المفرغة ، هؤلاء من المستحيل ان تنقي من قلمهم المسموم وكلامهم المسعول ولا يستطيعون ان تغيير افكارهم الهزيلة والمتخلفة والحاقدة ، ويجعلونها دائما محبوس في مساحات ضيقة وحدود مغلقة ، وانهم على أسوء حالات التردي والانحطاط حتى اصبحت كلمتهم المعتادة على الالفاظ الهابطة والشتائم الرخيصة وتلفيق التهم الى غيره بمناسبة وبغير مناسبة ضد من اختلف معهم .

فكل شيء لدى هكذا المثقفين مباحة حتى لو كانت تخدش المسامع من العبارات البخسة والوضيعة . وبوسائل الطرق تحاول تختفي للحقيقة تحت ركام هائل من الكذب والدجل تحت راية الدين او القومية . وتحاول التنكيل بالطرف الثاني وإقصائه على الساحة الثقافية العراقية وعمدا تفريغ العراق من نخبه المثقفة والمتنوعة وإبقائه بعيدا عن الوطن وأبقائه مهاجرا ومغتربا عن وطنه تحت يافطات مختلفة ومسميات عديدة واتهامات بجملة من التهم الرخيصة وتشويه سمعته بأي ثمن كان للحفاظ على مكانه او منصبه ، ( وهذا يعد جرما خطيرا ) .

من المهم القول أنه بعد اسقاط النظام البائد في 9/4/2003 كان المثقف العراقي يحلم بثقافة حرة من كل القيود ان كانت حزبية او سلطوية او فئوية وبعيدا عن اغتراب وافتراق ورجوعه الى الوطن ويلف جسده ارض العراق وكان يتوقع ان يوفر له مساحة واسعة وجيدة لتقديم ما لديه من الافكار لخدمة الانسان العراقي من خلال وسائل الاعلام المختلفة والمتنوعة بعد عقود من العزلة التي عايشها المجتمع العراقي عموما كما عاشه المثقف العراقي في ظل ألأنظمة الشمولية والدكتاتورية المتعاقبة كان مكبلا بقيود بوليسية وسلطات رقابية وانسحاقه وشظب عيشه ، إضافة الى آلامه وأوجاعه ، للاسف اليوم يعاني المثقف العراقي أكثر من أي زمن مضى من التهميش والاهمال من دون اي اهتمام به من قبل الحكومة الحالية ولا من وزراة الثقافة التي تسلط عليها الجهلة والمتخلفين ، ويتعرض المثقف والثقافة العراقية الى ممحاكة جدية بين دور المثقف الحقيقي وبين مصالح الطبقة السياسية والحزبية الضيقة التي محكوما لإيديولوجية الطوائف الدينية ، ونشهد انسحاقا مريرا للمثقف الحقيقي في العراق الذي يحمل هموم شعبه ولا يحس به غيره . ولا يعد باستطاعة أي مثقف ملتزم نقد أية جهة في الدولة والسلطة خوفا على حياته وانه لا يستطيع ان يكتب او يحرر مقالا خوفا من فتك الميليشيات الاسلامية ، لان الحكومة الضعيفة وغير فادرة على حفظ حياته وامن عائلته ..

كما هو المعروف للمجتمع العربي والاسلامي ان تاريخ العراق الثقافي منذ القدم انتج ثمة المثقفين واروع المبدعين في كافة الميادين وقد خدموا الثقافة العراقية بدون اي ثمن معنوي او اغراء مادي وكانو عربا وكوردا وتركمانا وسريانا وكلدانا وصّبة مندائيين . الان المثقف العراقي الحقيقي قد أصابه شلل ويتهمش من قبل القوى السياسية المتخلفة تعمدا بسبب بعده عن الاحزاب السياسية والسلاطين ولم يقبل ان يكون مجرد أداة في عملية سياسية ، وعدم بيع صوته وقلمه وضميره بأثمان رخيصة وبائسة .

وهذه أسباب التخلف الثقافي في العراق وجذور الفشل وعوامل الانحطاط ، وما تعيشه الثقافة من آثار سلبية في كافة الجوانب . وهذا الفشل الذريع والتردي الذي تتحدث عنه كثير من الدرسات والكتابات والمقالات من قبل المثقفين الحقيقين . واصبح العقل الثقافي في حالة أشبه بالأسير القابع في سجن كبير لا يسيطيع الخلاص من قيوده ولا انفكاك من قبضة سجانه . والمثقف الحر في حالة حرجة ومزرية بسبب سيطرة ما يسمى بالمثقف ( الانتهازي والمتملق ) من واعظ السلاطين على الثقافة العراقية التي تؤدي بمرور الزمان الى الانقراض والانحلال وفقدان نكهة الثقافة الحقيقية في العراق .

واخيرا ان المثقف العراقي بأمس الحاجة الى قانون حماية المثقف وقيم واعراف جديدة في الكتابة والنشر وابواب نقدية لكي تنمحي منه الطائفية والعادات السيئة وان يكون مجتمعا مدنيا لخلق ثقافة متطورة وجديدة تخرج عن مألوفات التعصبية والتقاليد الموروثة ، وبعيدا عن الاختناقات المذهبية والحزبية وسيتتحق اماني كل المثقف العراقي المتنور بواسطة قوانين تحمي حق الملكية الفكرية ونشر افكاره في وسائل الاعلام المقرؤة والمسموعة والمرئية ، ودعم البرامج التثقيفية للمجتمع العراقي من خلال وسائل الاعلام العراقي واعتماد الدولة على فئات لها مستوى تعليمي عال وابعاد المثقفين الجهلاء عن الساحة الثقافية العراقية ، ويكشف كل متزلق وانتهازي وسطوتهم وانتحالهم وسرقاتهم لبعض الكتابات والمنشورات لينسبه الى نفسه ، ويقول المثقف العراقي كلمته الحق للذين يعملون على التهديم والتخريب والتخلف للثقافة العراقية .