الرئيسية » مقالات » إحساسات فادحة – ما زال الجرحُ مفتوحا أخضرَ

إحساسات فادحة – ما زال الجرحُ مفتوحا أخضرَ

مر النهارُ كحسك الشوك في رئتي

وصادرتني هموم في لظى لغتي

يا ذلك الشوق في قلبي أتقتله

هوّن عليّ سياط الهجرِ والعنتِ

ماتت بشهقتها، هذي الحياة غدتْ

ليلا طويلا يعيد الحزن في سنتي

ها هو اليوم التاسع والعشرون يهجم منذ ساعاته المبكرة، فيهيل كل وجعه في أنات مجنونة قاتلة، تسير في الروح نحو مجاهيل الدروب، فالأفق مسدود، ولا تلوح في سديمه أي بارقة أمل لمحبوبة رحلت بلا رحمة، خلفتني طريح همومي وأحزاني، لم تعد تستهدي شوقها الذي أودعته في لهفة لقائنا أو اتصالنا أو حديثنا، لم تعد ترى غير أن البعد وسيلة للعذاب، وتتعمد أن تعذبني وبكل ما أوتيت من جبروت وقسوة.
لم أكن أتخيل في لحظة ولو مستحيلة أن تكون رفيقتي هذه الإحساسات على مدى شهر كامل، لأنني عرفتها ألطف من نسيم الصبا، وأرق من عطر الزهور المتهادية في بستان زرعته وردا وحبا وحنانا، عندما كنا نتبادل أطراف الحديث لم تكن إلا ملاكا طاهرا، وأنثى مصوغة من رحيق الورد، لم أكن أتصور أن ترتد كل تلك البهجة والرقة والبراءة والطهارة وعطور الورد إلى إبر وسكاكين تخز في خاصرتي كل حين، لتتشكل إحساسات فادحة الألم في كل ثانية.
يا لها كيف نسيتني وأعدمت أملا كان على وشك أن يتربع تاجا على رؤوسنا فيزينها ثمرةَ حب طاهر قدسته اللغة بمعانيها الجميلة، وحرسته أفكارنا وعقولنا وقلوبنا فبنيناه خلية خليةً حتى غدا مخلوقا أثيريا يضمنا في غيابنا وحضورنا، لا أتصور أن من بادلتني حلو غنائها وعذب مشاعرها أن ترتد جارحة قاسية، أكاد أجن عندما أرى أن كل ذلك غدا سرابا بلقعا.
ما الحيلة؟ وكيف العمل؟ وما الذي يردها إلى القوافي فتخضرّ يانعة فياضة بشهد فنسكبه من جديد في كاسات معتقة الحب، فنثمل منها شرابا عذبا طهورا حتى ينبلج صباحنا وتتبلج أمانينا صافية مرة أخرى، لتصبح هذه الإحساسات الفادحة ماضيا، وقاضيا يحكم بأننا كنا فادحي الأخطاء عندما سمحنا للتيار أن يجرفنا، وأن نبتعد ونتوارى.
لك الله كم تبدلت بك الظروف، وكم تصرين على أن تظلي في غيابك جارحة، أراك بكل وقتي، حاضرة في كل أغنية سمعناها سوية، أراك بكل حرف كتبته لك من فيض مشاعر هي لم تخدعك يوما، ولم أخدع إحساساتي بها، ولم تكوني يوما خادعة، أتذكر أولى القصائد (لن تكوني الخادعة)، وقصيدة (إن أعطيناك الكوثر)، وكل تلك الأغاني التي كتبتها، ولم أكتب لامرأة سواك، أكل هذا لا يساوي عندك شيئا، فصرت نسيا منسيا، حتى سماع صوتي لا تريدين، ورؤية نحول جسمي تكرهين، ونسيت أنك سبب أسقامي وأوجاعي المتكاثرة، حكمت عليّ بالإعدام وأنا مشبوب في سعير حبك أتبتل في ذكراك لم أعرف النوم منذ أن فارقتني، ولم أستلذ بطعام أو شراب، انعدمت في عيني شهوة الحياة، وعم الخراب واليأس والبلوى كل دقائق روحي، واختنقت العين بعبراتها، وتحشرج الصوت، وهرب الكلام، ولم يعد له معنى من بعدك يا أمنية الروح والقلب والخاطر.

———————-
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس