الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الاولى

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الاولى


جيورجي ديمتروف
1882-1949



المؤلفون : فسيلين هادجينكولوف
ديفد اليعازار
لوبومير بانابوتوف
دوبرن ميشيف
بيترا رادنيكوفا


ترجمة : بلقيس الربيعي
تقديم : د. نمير العاني


مقدمة الطبعة العربية

تحتفل البشرية التقدمية هذا العام بالذكرى الأربيعين للإنتصار على الفاشية .واننا اذ ننحني إجلالا لذكرى عشرات الملايين من الشهداء الذين سقطوا في سوح النضال ضد الوحش الفاشي وقدموا حياتهم ثمنا غاليا للقضاء عليه ، لا يسعنا الا ان نتذكر المأثرة النضالية الفذة لواحد من اشد واصلب المناضلين ضد الفاشية ، الأبن البار للشعب البلغاري والقائد العمالي والشيوعي البارز ـ جيورجي ميخائيلوفيتش ديمتروف والذي تكرس صفحات هذا الكتاب لإستعراض سيرة حياته المجيدة ونشاطه الثوري الخلاق …

لقد نمى جيورجي ديمتروف وترعرع في صفوف الطبقة العاملة وتصلب عوده النضالي وتبلور وتعمق وعيه الثوري في مجرى الصراع الطبقي المحتدم للبروليتاريا والتي عاش نعومة اظافره آلامها الكبيرة وآمالها الأكبر وتربى على امجادها النضالية الرائعة وتشبع بتقاليدها الثورية الحقة وقيمها الإنسانية السامية وآمن برسالتها التاريخية العظيمة . فهو الذي ولد في الثامن عشر من يونيو عام 1882 في عائلة حرفي بلغاري ، يضطر لأن يعمل منذ الثانية عشرة من عمره تلميذا لعامل صف الحروف في إحدى المطابع الصغيرة في صوفيا وينتمي عبر هذا الحدث الإنعطافي في حياته إنتماء ابديا الى مواقع الطبقة العاملة . ولم تكد تنصرم سبعة اعوام على ولوجه الى عالم المأجور ، حتى يتحول جيورجي ديمتروف الى قائد نقابي بارز ، اذ ينتخب عام 1901 سكرتيرا لإتحاد عمال المطابع في صوفيا . وبعد ذلك بسنة واحدة اي في عام 1902 ينتمي هذا الشاب الذي يتفجر طاقة خلاقة ورغبة “ جامحة “ في النضال من اجل قضية الطبقة العاملة البلغارية الى حزبها الطليعي ، حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري ، منضويا تحت راية الجناح الثوري الماركسي فيه والذي عند إنشقاق الحزب عام 1903 يتحول الى حزب مستقل هو ( حزب العمال الإشتراكي ) الديمقراطي البلغاري ــ ( الإشتراكيون المتراصون ) الحزب الذي يصبح إبتداء من عام 1919 الحزب الشيوعي البلغاري …

إن مواهب جيورجي ديمتروف وصفاته القيادية الفذة وصلابته النضالية وقدراته التنظيمية وإمكانياته التحريضية والتعبوية غير المحدودة ، وكل ذلك يبرز ويتفق بصورة مبكرة على صعيد النشاط الحزبي ايضا . فلا تلبث ان تنقضي سبعة اعوام على انتمائه الى حزب الطبقة العاملة البلغارية حتى ينتخب جيورجي ديمتروف عام 1909 عضوا في لجنته المركزية . ومنذ هذه اللحظة وطيلة الأربعين سنة التالية يبقى هذا المناضل الكبير علما بارزا من اعلام الحركة الثورية البلغارية وأحد ابرز قادة هيئة اركان حربها المتمثلة في حزب العمال الإشتراكي ـ الديمقراطي البلغاري ـ الإشتراكيون المتراصون ( الحزب الشيوعي البلغاري لاحقا )

بهذه الصورة يربط جيورجي ديمتروف مصيره الشخصي بمصير الطبقة العاملة ربطا نهائيا لاعودة عنه . إنه لم يعد يقوى ان يرى حياته تجري وتمر بشكل مستقل عن حياة العمال وبقية المستغلين ، المليئة بالآلام والمعاناة . فنجده ينذر كل حياته للنضال في سبيل تحرير الطبقة والمجتمع بأسره من الإستغلال الطبقي ومن كافة مظاهر واشكال الظلم والإضطهاد الأجتماعيين الناجمة عنه …

لقد ناضل جيوجي ديمتروف نضالا لا هوادة فيه من اجل سعادة الطبقة العاملة البلغارية والشعب البلغاري الشغيل وفي سبيل تحررهم الإجتماعي الناجز . ولهذا فليس من باب المصادفة أو الغرابة ابدا أن يرتبط بإسمه بالذات الكثير من المنجزات والمكاسب المهمة التي حققتها البروليتاريا البلغارية إبتداء من السنوات الأولى لقرننا الحالي ، وفي حربها الضروس مع قوى الإستغلال والقهر الإجتماعي . فعندما كان جيورجي ديمتروف عضوا في الهيئة القيادية ومن ثم سكرتيرا لإتحاد النقابات العمالي العام خلال سنوات 1905 ـ 1923 ( انه يصبح سكرتيرا لهذه المنظمة العمالية الجماهيرية لعموم بلغارية عام 1909 ) ، نجده يبذل جهودا إستثنائية من اجل تنظيم نضال الطبقة العاملة البلغارية والنقابي والسياسي فيسهم شخصيا بقيادة عمال المناجم في ربرنك عام 1906 وعام 1911 وعمال مصنع الشخاط في كوستينتس وغيرها من الإنتفاضات العمالية السلمية والتي حققت خلالها البروليتاريا البلغارية إنتصارات وإنجازات غاية في الأهمية .

وفي مجرى نشاطه ونضاله كقائد عمالي نقابي وسياسي ، أبدى جيورجي ديمتروف حرصا على وحدة الطبقة العاملة البلغارية كشرط ضروري واساسي “ واذن “ كضمانة اكيدة لكافة إنتصاراتها . فنجده يشن نضالا مبدأيا لم يعرف الكلل والتراجع ضد كافة الإتجاهات والتيارات الإنتهازية داخل الحركة النقابية والسياسية للبروليتاريا البلغارية ساعيا من اجل تحقيق وتوطيد وحدة الطبقة العاملة البلغارية على اسس واصول مبدئية ثابتة .

وبالإرتباط مع ذلك يبرز جيورجي ديمتروف مناضلا صلبا في سبيل وحدة الطبقة العاملة العالمية على اساس مبدأ التضامن البروليتاري ، المبدأ الذي سعى جيورجي ديمتروف من اجل ان يصبح المعيار لكافة مواقف البروليتاريا البلغارية . فتحت قيادة هذا المناضل الأممي الفذ تقف الطبقة العاملة في بلغارية بثبات ومبدئية عالليين الى جانب العمال المغتربين في السويد عام 1909 وفي المانيا 1910 وفي بلجيكا ورومانيا وبلاد العرب عام 1911 وكذلك في العديد من البلدان الأخرى .
ويتصلب عود النضال الأممي لجيورجي ديمتروف اكثر فاكثر في مجرى الصراع المبدئي الحازم الذي يخوضه ضد الأيديولوجيا الشوفينية وسياسة التعصب القومي للبرجوازية البلغارية .. ففي اثناء الحروب البلغارية في اعوام 1911 ـ 1913 يعري جيورجي ديمتروف ويفضح السياسة التوسعية للسلطة البرجوازية في بلغاريا مستخدما في هذا السياق كافة الإمكانيات المتاحة بما في ذلك منصة البرلمان البلغاري والذي بقى نائبا فيه خلال الفترة من عام 1913 وحتى عام 1923 .
ويواصل جيورجي ديمتروف تصديه الحازم لسياسة التعصب القومي للبرجوازية خلال الحرب العالمية الأولى في سنوات 1914 فاضحا الطبيعة الإمبريالية الظالمة لهذه الحروب ومدينا اشتراك بلغاريا فيها ومطالبا بإنسحابها الفوري منها ومصوتا كنائب في البرلمان ضد العروض العسكرية ومعريا تعرية تامة القومانية البرجوازية البلغارية .. وبسبب مواقفه الأممية المبدئية والصلبة هذه يتعرض هذا المناضل الثوري الأبي الى شتى اصناف الملاحقة والمضايقات البوليسية .
هذا ويجد الروح الأممي الأصيل الذي تشيع به جيورجي ديمتروف احد اروع تجلياته في حملة التضامن مع ثورة اكتوبر الإشتراكية العظمى والجمهورية السوفيتية الفتية والتي تنظمها الطبقة العاملة البلغارية تحت قيادته وتوجيهه المباشرين . ان جيورجي ديمتروف لا يكتف بإعلان تأييده للثورة الإشتراكية في روسيا وتوكيد تعاطفه مع قيام الدولة البروليتارية هناك ، بل ويهب للدفاع المستحيق عنهما موضحا لإوسع الجماهير الشعبية اهداف ومثل اكتوبر العظيم وداعيا ومحرضا الطبقة العاملة البلغارية لإستلهام التجربة الثورية الرائدة للبروليتاريا الروسية معتبرا إياها بحق ( بداية ثورة عالمية واسعة )
تحت التأثير المباشر لثورة اكتوبر الإشتراكية العظمى وإنتصارات الجمهورية السوفياتية الفتية تندلع في سبتمبر عام 1923 في بلغاريا الإنتفاضة الجماهيرية المسلحة ضد الفاشية ، الإنتفاضة التي يقودها جيورجي ديمتروف سوية مع فاسيل كولاروف ، إلا ان فشل هذه الإنتفاضة بسبب غياب الظروف الضرورية الكافية لإنتصارها يضطر جيورجي ديمتروف للهجرة الى خارج بلغاريا بعد ان تصدر السلطة الفاشية البلغارية غيابيا حكمها عليه بالإعدام وفي المهجر يواصل هذا القائد البروليتاري نضاله الثوري فيعمل سكرتيرا للإتحاد الشيوعي البلقاني ويسهم في نشاط اللجنة التنفيذية للكومنتيرن والمجلس المركزي للبروفنتيرن ..
إن تشاط وتأثير جيورجي ديمتروف الهائلين كقائد ومحرض جماهيري من الطراز الأول ، وشعبيته الواسعة ومبدئيته العالية وصلابته الفولاذية ونقاوته الفكرية وإخلاصه وتفانيه اللامتناهيين وحماسه الذي لاينضب في النضال من اجل قضية الطبقة العاملة ، ان كل ذلك لايثير لدى البرجوازية العالمية إلا الفزع والكراهية والحقد . ولهذا تأخذ الفصائل الأكثر رجعية وشراسة من الرأسمال الإحتكاري العالمي بالتخطيط للإيقاع به وتصفية الحساب معه مستخدمة لهذه الغاية الحركة الفاشية في بلغارية والمانيا وبعض البلدان الأوربية الأخرى .. وتنفيذا لهذا المخطط الدنيء تقوم السلطات النازية في المانيا بإلقاء القبض على جيورجي ديمتروف وإعتقاله عند وجوده بمهمة في برلين عام 1933 ملفقة ضده تهمة حرق الرايخستاغ .
لقد حرص فاشيو المانيا الهتلرية على ان يحولوا محاكمة جيورجي ديمتروف عبر فبركة الوقائع وتلفيق الأدلة الى وسيلة لتجريمه ومن ثم تصفية الحساب الشخصي معه من جهة ، ولإدانة الحركة الشيوعية العالمية وإلصاق تهمة الإرهاب الدولي بها ليتسنى لهم إستباحتها فيما بعد من جهة ثانية ، انهم لايتورعون حتى عن وضع سيناريو مسبق لمحاكمة لايبزغ سيئة الصيت والتي يبدأونها في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 1933 هادفين من وراء ذلك حبك خيوط مؤامراتهم الدنيئة بصورة افضل ، إلا ان جيورجي ديمتروف أطاح بكل حساباتهم ومخططاتهم السوداء ، فبفضل إخلاصه الذي لايعرف الحدود للمثل والمباديء الشيوعية ورباطة جأشه الفريدة وحصافة رأيه ونفوذ بصيرته ووضوح رؤياه وثقافته الغزيرة إستطاع هذا المناضل الثوري الكبير ان يفند تفنيدا كاملا الإتهامات الباطلة المجهة ضده وضد بقية المتهمين الشيوعيين ويثبت بالدليل القاطع ان حرق الرايخستاغ ما هو الا فخ نصبته عن دراية ووعي المخابرات السرية النازية للإيقاع به وبرفاقه ، ان يحول المحاكمة بالإعتماد على ذلك الى إدانة واقعية شاملة وتجريم فعلي للفاشية كعدو لدود للشعوب . لقد رفع جيورجي ديمتروف عاليا راية الشيوعية الأممية البروليتارية اثناء محاكمة لايبزغ بثبات وعزيمة لاتلين عن المثل الإنسانية السامية للحركة الشيوعية العالمية ووضع النازية الألمانية نفسها والفاشية عموما في قفص الإتهام معريا تعرية كاملة جوهرها المعادي للإنسانية وموجها لهما من خلال كل ذلك ضربة معنوية ماحقة . ان إنهيار الإدعاء العام النازي إنهيارا تاما وسقوط الإتهام وبنوده بصورة قطعية وكلية أديا تحت ضغط الرأي العام العالمي وحملة التضامن الأممي مع جيورجي ديمتروف ورفاقه الى تبرأة المحكمة النازية لهم في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1933 وإطلاق سراحهم وبهذا اعلنت ، بل وعمدت هذه المؤسسة الفاشية مكرهة اول هزيمة معنوية وسياسية كبيرة على النطاق الدولي للنازية الألمانية كقوة صدامية شرسة للدوائر الأكثر رجعية من الرأسمال الإحتكاري العالمي ..
وبعد إطلاق سراحه يمنح جيورجي ديمتروف الجنسية السوفياتية فيغادر الى الإتحاد السوفياتي عام 1934 ويمكث هناك حتى نوفمبر عام 1945 . وخلال هذه الفترة من حياته يواصل هذا المناضل الأبي نشاطه متعدد الأوجه ونضاله الدؤوب بحماس اعلى وبتصميم وعزيمة اكبر. فيساهم بحيوية بالغة في نشاط مجالس السوفيات حيث ينتخب عام 1934 نائبا في مجلس السوفيات الأعلى للإتحاد السوفياتي … وفي الوقت ذاته يواصل جيورجي ديمتروف نشاطه في الأممية الشيوعية بهمة وفاعلية اكبر، لاسيما بعد ان يصبح سكرتيرا عاما للجنة التنفيذية للكومنترن عام 1935 . انه وبكفاءة ومقدرة عاليتين ينهض بالمسؤولية الأولى في قيادة الأممية الثالثة المسؤولية التي يبقى متحملا ، عن جدارة فائقة أعباءها حتى يحل الكومنترن نفسه في مايو 1943 ..
وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية يواصل جيورجي ديمتروف نضاله العنيد ضد النازية الألمانية والفاشية عموما فيسهر على تجنيد كل الطاقات وكافة إمكانيات الشعب البلغاري الشغيل في النضال ضد العبودية الفاشية .. وبمبادرة منه يتم في مجرى هذا النضال تشكيل الجبهة الوطنية لبلغاريا عام 1942 ، الجبهة التي لعبت تحت قيادته الفعلية المباشرة الدور الرئيسي في تعبئة اوسع الجماهير الشعبية وحشد كل الطاقات في بلغاريا في سبيل إنهاء الإحتلال الفاشي وتحرير البلاد وانتصار ثورة التاسع من سبتمبر عام 1944 .
وبعد إنتصار ثورة التاسع من سبتمبر وبالتحديد في السادس من نوفمبر عام 1945 يعود جيورجي ديمتروف الى وطنه الأم ــ بلغاريا ـ ليقوم عن كثب بقيادة العملية الثورية في البلاد فيتحمل إبتداء من نوفمبر عام 1946 اعباء مسؤولية رئيس مجلس الوزراء في الدولة البروليتارية البلغارية الفتية . ويصبح إبتداء من ديسمبر عام 1648 سكرتيرا عاما للحزب الشيوعي البلغاري . ومن هذه المواقع المسؤولة يقوم جيورجي ديمتروف بتوجيه وقيادة عملية البناء الإشتراكي في بلغاريا ، انه وبطريقة خاصة مبدعة وخلاقة يطبق المباديء الأساسية الماركسية عموما والقوانين العامة للإشتراكية على الظروف التاريخية الملموسة للبلد ، مبلورا من خلال ذلك مضمون الفهم الماركسي للديمقراطية الشعبية كشكل تاريخي ملموس لديكتاتورية البروليتاريا. هذا ويبقى جيورجي ديمتروف حتى وفاته في الثاني من يوليو1949 مثلا حيا يلهم نضال الشعب البلغاري الشغيل تحت قيادة الطبقة العاملة البلغارية وحزبها الطليعي ــ الحزب الشيوعي البلغاري ــ من اجل بناء الإشتراكية والشيوعية في بلغاريا .
ان الحياة الغنية والكبيرة للقائد البروليتاري الخالد ــ جيورجي ميخائيلوفيتش ديمتروف ــ بما تنطوي عليه من صفحات مشرقة ومآثر بطولية وعِبر ودروس نضالية فذة شكل إرثا مجيدا للطبقة العاملة البلغارية وللشعب البلغاري وحسب بل وللبروليتاريا العالمية ولكل المناضلين في سبيل التقدم والإشتراكية في العالم ، فمن حق البروليتاريا العالمية ان تفخر فعلا بانها انجبت من بين صفوفها قادة افذاذ ومناضلين اشداء كجيورجي ديمتروف ، كما وان من واجب الأجيال المعاصرة من الطبقة العاملة العالمية ومنها طبقتنا العاملة في العالم العربي ان تتعرف بصورة جيدة على هولاء القادة والمناضلين وان تدرس بعمق سيرهم الحياتية وتتربى على امجادهم ومآثرهم النضالية وتستلهم بطولاتهم الشخصية في النضال من اجل سعادة البشرية وفي سبيل بناء مستقبلها الزاهر ــ المجتمع الشيوعي المقبل .

ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة للكتاب الحالي والذي قامت الرفيقة بلقيس الربيعي مشكورة بترجمته عن النص الإنجليزي له والذي رأى النور في صوفيا عام 1977 .


د. نمير العاني

عدن ـ يناير 1985



المقدمة

إن اسم جيورجي ديمتروف ، التلميذ الوفي لماركس ولينين ، والمناضل البارز في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية ، معروف للشغيلة في كل انحاء العالم . و على مر العصورسيبقى هذا الإسم رمزا للتفاني والإخلاص لقضية الطبقة العاملة ورمزا للثبات والإقدام في النضال ضد الإستغلال الرأسمالي والبربرية الفاشية والحرب .
ويحق للشعب البلغاري أن يفخر بأنه وهب العالم مناضلا بارزا من اجل إنتصار المثل الشيوعية . كما وترتبط بإسم ديمتروف اكثر الأحداث والإنجازات اهمية في الحركة الثورية للطبقة العاملة البلغارية ، واكثر الصفحات إشراقا في تاريخ بلغاريا المعاصر . فبفضل قيادته إستطاع الحزب الشيوعي البلغاري أن يضمن إنتصار الثورة الإشتراكية وإقامة الدولة الديمقراطية الشعبية .
لقد كان جيورجي ديمتروف واحدا من قادة الطبقة العاملة الأكثر موهبة وشعبية في عصر الإنتقال من الرأسمالية الى الإشتراكية وإنتصار الأفكار اللينينية على النطاق العالمي .
إن إدراك جيورجي ديمتروف الخلاق للعلم الماركسي ــ اللينيني وإسهامه المبدع في تطوير ستراتيج الثورة وتكتيكاتها، وإسهامه في النهوض الكبير للحركة الشيوعية العالمية عشية الحرب العالمية الثانية وخلالها ، ونضاله الدؤوب ضد التكتلية والإنتهازية ، وإنسانيته الفياضة ستبقى مثالا ونبراسا ينير الدرب لكل الشيوعيين في العالم . إن آراءه حول الجبهة الوطنية الشعبية من اجل الإشتراكية ، وحول تحالف العمال والفلاحين ، والترابط بين المهام الوطنية والأممية للبروليتاريا ، وعن دور الإتحاد السوفياتي بإعتباره الدعامة والقاعدة الأساسية للثورة العالمية ، وعن تحويل كل حزب شيوعي الى عامل وطني حاسم .. كلها لعبت دوراً بالغ الأهمية في إنتصار الثورات الديمقراطية الشعبية .
كما ولم تنسَ البشرية مأثرة جيورجي ديمتروف البطولية في محاكمة حرق الرايخستاغ . ففي هذه المسرحية الملفقة التي دبرتها النازية ضد الحزب الشيوعي الألماني والكومنترن، سدد ديمتروف اول ضربة سياسية قاصمة للفاشية تركت وقعاً بيناً على الرأي العام الديمقراطي في جميع القارات . فلقد عرَى ديمتروف ، وهو يزيح القناع عن الوجه القبيح للفاشية ، طبيعتها المعادية للوطنية والإنسانية . وحذَر البشرية من مخاطرها ، وأشار الى السبل والوسائل الكفيلة بتحطيم الفاشية ومنع نشوب الحرب العالمية التي كانت تعد لها .ولقد اثبت التاريخ بشكل كامل صحة تعريف الأممية الشيوعية وديمتروف للفاشية، كما وانه اصدر حكمه النهائي بحق هذه الديكتاتورية الوحشية واللاإنسانية لإكثر دوائر البرجوازية الإحتكارية رجعية .
لقد لعب ديمتروف من موقعه كسكرتير للكومنترن دورا إستثنائيا في صياغة ستراتيج وتكتيك جديدين لهذه المنظمة الأممية ، في ظروف تفاقم خطر الفاشية والحرب ، مما أسهم في تطوير الحركة الشيوعية العالمية . وفي تلك السنوات حين كانت مصائر بلدان وشعوب بإسرها مهددة بالدمار ، قاد ديمتروف مع ابرز ممثلي الحركة الشيوعية ، النضال العالمي ضد الفاشية والحرب الإمبريالية ، مقتدين بحزب لينين العظيم ، في الدفاع عن الإتحاد السوفياتي وفي سبيل إنتصار قوى الديمقراطية والإشتراكية ــ وان الجهود العظيمة التي بذلها من اجل تطوير الأحزاب الشيوعية وتصليب عودها و دعوته لها كي تعزز علاقاتها بالجماهير ، وتتحسس الخصائص الملموسة في الإنتقال الى الإشتراكية ولكي تغدو عاملا سياسيا مهما في بلدانها ، اصبحت محط تقدير وإعجاب المناضلين الشرفاء في العالم اجمع . إن الأفكار التي نادى بها حول ل الجبهة المعادية للإمبريالية ، وعن حركات التحرر الوطني ، وتحليله العميق لميزان القوى الطبقي بعد النجاحات والإنجازات التي احرزها الإتحاد السوفياتي لم تفقد دلالتها حتى يومنا هذا ، ويقوم مناضلو الأحزاب الشيوعية والعمالية في البلدان الرأسمالية بين حين وآخر بالرجوع الى تراث ديمتروف الأيديولوجي مستلهمين التعاليم التي صاغها حول الطرق الناجعة لإنتصار الإشتراكية .
كان ديمتروف منظرا بارزا من منظري الديمقراطية الشعبية والبناء الإشتراكي وهو يظهر مهارة فائقة في تطبيقه الخلاق للماركسية ــ اللينينية وتجربة السوفيات الغنية على الظروف الموجودة في جمهورية بلغاريا الشعبية ، وقد قدَم إسهاما كبيرا في تطوير الإشتراكية العلمية اللاحق ويعتبر التعريف الذي صاغه ديمتروف في تقريره الى المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي البلغاري حول ثورة التاسع من ايلول ( سبتمبر ) وإعتبارها ثورة ديمقراطية شعبية في الشكل وإشتراكية في المحتوى ، إضافة كبيرة في العلم الماركسي ــ اللينيني . ولاتزال تحتفظ بدلالتها الموضوعية عن طرق ووسائل بناء المجتمع الإشتراكي في جمهورية بلغاريا الشعبية وإعادة تنظيم المزارع الخاصة وفقا للخط الإشتراكي بدون تأميم تمهيدي للارض .
وكنصير لوحدة الدول الإشتراكية والحركة الشيوعية العالمية وكافة القوى المعادية للامبريالية ، أمضى ديمتروف كل حياته مناشدا الشغيلة النضال ضد التعصب القومي ومعاداة السوفيات معتبرا إياها من الممارسات الأكثر خطورة وعداء للطبقة العاملة ، كما وشنً نضالا لا هوادة فيه ضد كافة المحاولات الرامية الى تضخيم الخصوصيات القومية وإنتهاج سياسة فصل وعزل القوى الوطنية عن النضال العالمي المشترك ضد الإمبريالية . ومن اجل إنتصار الشيوعية ، شددً ديمتروف دوما على القوانين العامة للثورة الإشتراكية والتجربة التاريخية للإتحاد السوفياتي .
إن الحركة الشيوعية العالمية لاتزال تستمد الإلهام من قدرة ديمتروف على الربط بين الأممية البروليتارية والوطنية وكذلك من حبه للإتحاد السوفياتي بلد الإشتراكية الأول . فقد إعتبر ديمتروف الموقف من الحزب الشيوعي السوفياتي والإتحاد السوفياتي المعيار الأكثر صدقا للاممية الحقة والمقياس المميز لمن هو نصير ومن هو عدو لقضية تحرير البروليتاريا ولمن هو معاد للحرب . إن هذا التعريف الذي ترددت أصداءه حينها في ارجاء العالم كافة يبقى حتى يومنا هذا من البديهيات المسلم بها .
لقد دافع جيورجي ديمتروف عن الشرف الوطني للشعب البلغاري في محاكمة حرق الرايخستاغ وبذلك جعل من بلغاريا الصغيرة ومن تاريخها البطولي العريق علما بارزا في ارجاء الكرة الأرضية كلها . وبإباء مشروع أبلغ المحكمة النازية أنه ابن الطبقة العاملة البلغارية التي قامت بأول إنتفاضة معادية للفاشية في العالم عام 1923 .
وكان جيورجي ديمتروف تجسيدا حياً للوحدة الديالكتيكية بين الولاء غير المشروط للماركسية اللينينية وبين تطبيقها الخلاق مع متطلبات العصر الجديد . ولم تكن شجاعته الإستثنائية اثناء صدامه الثوري مع العدو الطبقي والتي ادهشت العالم اثناء محاكمة حرق الرايخستاغ ، السمة الوحيدة التي تميز بها ، بل انه تميز ايضا بعقل جريء مقتحم للمستقبل وكاشف عن قوانين التطور الإجتماعي والإتجاهات الجديدة الثورية العالمية المتبلورة .
وبفضل خبرته العظيمة كثوري متمرس في النضال ومدرك لإسباب مد وجزر حركة الطبقة العاملة خلال فترة الإعداد لثورة اكتوبر الإشتراكية العظمى وإنتصارها ، يتحول جيورجي ديمتروف الى مناضل شيوعي من الطراز اللينيني . فنجده يشارك بنشاط ريادي في العواصف الثورية الجديدة التي حولت الإشتراكية الى نظام عالمي . هذا وتبقى سيرته المشرقة ونضاله الدؤوب ضد البرجوازية وادواتها ، وكذلك تناوله الخلاق لتعاليم ماركس وانجلز ولينين نثلا يقتدي به جيش الشيوعية بملاينيه العديدة في ارجاء العالم كافة .
وفي كتابه الموسوم ب “ رأسمال وطني لايثمن “ كتب الرفيق تيودور جيفكوف السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري ورئيس مجلس الدولة في جمهورية بلغاريا الشعبية يقول “ إن اسم جيورجي ديمتروف هو احد الأسماء العظيمة في سجلات النضال الثوري للاممية البروليتارية، التي يتذكرها الشيوعيون والعمال وكل التقدميين بالحب والإحترام العميقيين . ”
إن الحزب الشيوعي البلغاري سيبقى وفياً لقضية جيورجي ديمتروف التاريخية . وبقيادة الحزب ، إستطاعت الشغيلة ان تنفذ بنجاح السياسة العامة التي رسمها ديمتروف وان تحقق وصيته في ان تقوم بلغاريا على مدى خمسة عشر الى عشرين عاما بإنجاز ما انجزته بلدان اخرى في قرن من الزمان .وقد شددت الدورة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري التي إنعقدت تحت قيادة تيودور جيفكوف في نيسان ( ابريل )1956 لا على ضرورة الإلتزام بقضية ديمتروف فحسب ، بل وعلى اهمية تطوير افكاره في ظروف الإشتراكية الظافرة . وتتويجا لهذا النهج جاء برنامج الحزب الذي أقره المؤتمر العاشر ليرسم هدفا سيتراتيجيا جديدا هو بناء المجتمع الإشتراكي المتطور .
إن الترجمة الموجزة لحياة جيورجي ديمتروف والتي نقدمها للقاريء بصياغتها على اساس السيرة الكاملة لحياته التي نشرت عام 1972من قبل معهد التاريخ التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري وكذلك الوثائق الكثيرة التي تمً الإعتماد عليها في كتابة هذه السيرة ، واننا اذ نؤكد ذلك نكتفي بالإشارة الى المصادر والوثائق التي إستخدمناها عند كتابة المؤلف الحالي والتي نوردها ضمن الهوامش .
إن هذه الترجمة الموجزة لجمهور القراء والشخصيات السياسية والعلماء خارج بلغاريا والذين يبدون إهتماما بحياة جيورجي ديمتروف ، القائد البارز في الحركة الشيوعية العالمية والمناضل الإنساني البارز ضد الفاشية والحرب . وفي سياق هذه الترجمة جرت محاولة لإستذكار وتوضيح بعض جوانب حياة ونشاط جيورجي ديمتروف ــ الإنسان والثوري المتمرس والأمين العام للكومنترن ومؤسس بلغاريا الإشتراكية وكذلك لإبراز الجديد في آرائه .
وتبقى حياة جيورجي ديمتروف ونشاطه دليلا آخر على القدرة الحيوية للطبقة العاملة العظيمة بوصفها اكثر الطبقات تقدمية على مدى التاريخ البشري والطبقة التي تتصدر الحركة الجبارة التي تجتاح كوكبنا بإتجاه الشيوعية .
لقد إلتحق ديمتروف وهو فتى لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره بصفوف البروليتاريا البلغارية بعد ان إنظم الى اكثر فصائلها وعياً ـ عمال المطابع ـ وإنتظم على الفور في الحركة النقابية الثورية والحركة الإشتراكية ونشأ تحت رعاية ديمتر بلاغوييف ، مؤسس الحزب الماركسي الثوري في بلغاريا ورفيقه في السلاح جيورجي غيرغوف . لقد إرتقى ديمتروف تدريجيا ليبلغ اعظم قمة قدَر لممثل للطبقة العاملة البلغارية ولطليعتها الشيوعية بلوغها .فمن خلال العمل الجاد والإطلاع الواسع ، إستوعب منجزات الثقافة الإنسانية والماركسية ـ اللينينية واكتسب قدرا كبيرا من الخبرة الوطنية والعالمية في الصراع الطبقي ليبرز كواحد من اكثر المناضلين والشخصيات السياسية شعبية في هذا القرن تاركا بصمات لاتمحى على تاريخ الحركة الشيوعية العالمية وكستراتيجي ثوري بارع وصحافي وكاتب وخطيب قدير ملهب للمشاعر وكممثل للشعب .
وتتكشف شخصية ديمتروف ومآثره في هذا الكتاب من خلال إستعراض عملية تطوره بالإرتباط مع الأوضاع الأساسية للطبقة العاملة والمهام الموضوعية المنتصبة امامها . كما وبُذلت المساعي لرسم ذلك المسار الذي نضجت في مجراه وتطورت افكاره النظرية والستراتيجية وكذلك إسهاماته في تطوير الشيوعية العلمية . فصياغته حول الجبهة الشعبية الموحدة لا يمكن أن تفهم فهما مناسبا بدون إستيعاب الأهمية التي إنطوت عليها وحدة النقابات التي تحققت بفضل نضاله على اساس طبقي في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية بالنسبة لبناء الجبهة المعادية للفاشية في عشية إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) 1923 ، كما ولا يمكن فصل كل ذلك عن التأثير العظيم لمؤلفات لينين عليه وهي المؤلفات التي ظلً يدرسها طيلة حياته .
إن الكثير من الأطروحات الجديدة التي صاغها ديمتروف لاتعود اليه وحده ، بل هي ثمرة العقل الجماعي للهيئات الشيوعية التي شارك فيها مناضلون بارزون في الحركة الشيوعية العالمية أمثال : دياز ، غوتوالد ، كولاروف ، غوبلنغ ، كوسينين ، ماينولسكي ، بيك ، بولت تيلمان ، موريس توريس ، تولياتي وآخرون ، كما وان الخبرة الثورية المتركمة في مختلف البلدان قد لعبت دورا عظيما في هذا المضمار . ومن الحالات الدالة على ذلك إقامة الجبهة الشعبية في فرنسا .
وقد سطَر قلم ديمتروف اكثر التعريفات دقة وشمولية لإيجابيات وسلبيات الحزب الماركسي الثوري للإشتراكيين اليساريين الذي اسسه ديمتر بلاغوييف ورفاق عام 1891، والذي منذ إنضواءه تحت لواء الأممية الثالثة اخذ يعيد تسليح نفسه بالأسلحة الأيديولوجية والتكتيكية والتنظيمية اللينينية متخذا لنفسه تسمية الحزب الشيوعي البلغاري .
ففي محاكمة حرق الرايخستاغ ومن ثم من على منبر المؤتمر الخامس للحزب ، وجه ديمتروف نقدا حادا للخطأ الذي ارتكبته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري ( الإشتراكيين اليساريين ) وهو شخصيا في 9 حزيران ( يونيو ) 1923 . وهو بذلك ترك نموذجا رائعا للنقد والنقد الذاتي البلشفي ومثلا يحتذي به كافة المناضلين الشيوعيين .
لقد تدرج جيورجي ديمتروف في تحمل المسؤوليات المختلفة ضمن الهيئات النقابية والمنظمات الحزبية وهيئات الكومنترن ، وإكتسب من خلال ذلك قدرا عظيما من الخبرة السياسية . وبفضل إلتزامه الإستثنائي ودقته المتناهية ، إستطاع ان يخلق من حوله اجواء من الثقة المتبادلة والإحترام ، كما انه إمتلك القدرة على التطور المتسارع الذي مكنه من ان يسبق الكثير من المناضلين المخضرمين والناس العاديين فيما حققوه من مستويات في مجرى تطورهم الذاتي .
إن جيورجي ديمتروف الذي خرج من بين صفوف الطبقة العاملة والذي حافظ طيلة حياته على اوثق الروابط معها ، إستطاع ان يجمع في شخصيته افضل الخصال التي تتحلى بها البروليتاريا والجماهير الشعبية . فقد كان ذو فكر نير ومثابرة وثبات نادرين وتحلى بصفات قيادية ، وقد اثر جيورجي ديمتروف عبر ذلك في اقرانه تأثيرا بالغا , وفي المذكرات التي كتبها رفاقه في السلاح وكذلك في كتابات مناضلي الحركة الثورية العالمية والبلغارية يتم الكشف وبكثير من الحب والإحترام عن الصفات البارزة لديمتروف كقائد وكإنسان . وقد ساعدت هذه المذكرات على تقديم صورة اكثر إكتمالا للقائد المحبوب الذي لايُنسى .
وعند كتابة المؤلف الحالي ، تم إستخدام واسع لإعمال ديمتروف ومراسلاته بالإضافة الى الأعمال العلمية والصحفية والأدبية المنشورة وبعض المواد غير المنشورة حتى الآن والواردة في المصادر السوفياتية والبلغارية وغيرها والتي تلقي الضوء على فترات معينة غير معروفة إلا قليلا من حياة ونشاط جيورجي ديمتروف وبخاصة السنوات العشر التي تلت إنتفاضة ايلول ( سبتمبر ) 1923 وفترة نشاطه كسكرتير عام للكومنترن والفترة التي إنصرمت بعد حل هذه المنظمة العالمية وكذلك على دوره في إنتصار الثورة الديمقراطية الشعبية وبناء الإشتراكية في جمهورية بلغاريا الشعبية .

وتتكون مجموعة مؤلفي هذا الكتاب من ديفيد اليعازر ، الذي كتب المقدمة والخاتمة ودوبرن ميشيف ، مساعد باحث ، الذي كتب الفصلين الأول والثاني من القسم الأول بالإضافة الى القسم الخامس والبروفيسور لوبومير بانابوتوف ، الذي كتب الفصلين الثالث والرابع من القسم الأول بالإضافة الى الى القسم الثاني ، بيترارادينكوفا ، مساعدة باحث التي كتبت القسم الثالث والبروفيسور فسيلين هادجينيكولوف ، الذي كتب القسم الرابع .


القسم الأول


القائد النقابي ، خطيب العمال



الفصل الأول


ــ بداية النشاط الثوري ــ


ولد جيورجي ديمتروف في الثامن عشر من حزيران ( يونيو ) 1882 في قرية كوفاتشفيتسي في مقاطعة رادومير . وبعد ولادته مباشرة إنتقلت عائلته الى رادومير ومن ثم الى ضواحي صوفيا ، وبعد سنوات قليلة إستطاعت العائلة أن تبني مسكنا صغيرا في حي فقير من ضاحية يوجيونار ، وكان مسكن جيورجي ديمتروف يحمل الرقم 66 في شارع اوبولشنسكا .
كان والده ديمتر ميخائيلوفيتش شغيلا في ورشته الصغيرة ، وكان رجلا مستقيما يتقن صنعته ويعمل ليل تهار من ان يؤمن موردا لعائلته الكبيرة زكان بيغض الظلم والإستغلال .
اما امه ، بارشكيفا ، فقد طانت إمرأة غير متعلمة ، إلا انها كانت تتمتع بذكاء فطري ، واستطاعت ان تنشيء اطفالها على حب الحرية والشغيلة وكره الطغاة وان تلهمهم الشجاعة والإيمان بالنضال من اجل سعادة الشعب . انها تحملت بصلابة مصاعب الحياة ، ولم تفقد تفاؤلها في احلك الظروف وساعدت اطفالها بهدوء وهم يمضون في طريق النضال الثوري الصعب .
كان لديمتر ميخائيلوفيتش وبارشفيكا ستة اولاد وبنتين هم : جيورجي ، قسطنطين ، نيقولا ، ليوبين ، بوريس ، تودور ، ماجدلينا والينا .
كان قسطنطين افضل طباع في صوفيا ، واصبح نقابيا بارعا ولكنه سقط قتيلا في حرب البلقان عام 1912 وهو في مقتبل العمر . اما نيقولا فقد لعب دورا نشطا في نضالات العمال الروس ، وقد القت الشرطة القيصرية القبض عليه ، بعد ان اصبح عضواً في منظمة اوديسا البلشفية ونفته الى سيبريا حيث توفي هناك عام 1916 .أما تودور ، الأخ الثالث لجيورجي ، فقد كان مناضلا في منظمة سرية للحزب الشيوعي البلغاري في صوفيا ، وقد القي القبض عليه في آذار ( مارس ) وحكم عليه الأشغال الشاقة المؤبدة ثم اغتيل على يد السلطات الفاشية . اما الأختان ، ماجدلينا والينا ، فقد لعبتا دورا نشطا في الحركة الشيوعية .
تلك هي عائلة جيورجي ديمتروف ـ بلغار عاديون ، اذكياء ومثابرون ، واجهوا العديد من المحن ، نبعوا من وسط الشعب البلغاري الكادح وأسهموا بدمائهم في النضال الثوري من اجل العدالة والخبز والحرية .
ترعرع جيورجي ديمتروف الشاب وتطور في كنف هذه العائلة الوطنية المناضلة ومارس بدوره أثيرا قويا على اخوته ، وتركت هذه الحلقة العائلية من الشغيلة بصماتها المبكرة على هذا الشاب وصلًبت من عوده . وقد كان ديمتروف شديد المثابرة في دروسه وفي الوقت نفسه كان يساهم بدور نشيط في اللهو اليومي لإطفال الحي . كما كان يساعد والدته في اعمال المنزل زمنها تعلم المثابرة والجد وإبداء الإحترام لوالديه والمعونة الرفاقية لإشقائه وشقيقاته .
لقد إبتلى ديمتروف بلإعتلال صحته منذ السنوات الأولى لدراسته الثانوية ، مما سبب إنقطاعه عن الدراسة لفترات طويلة حتى بعد شفاءه ، وادى في النهاية الى ترك المدرسة ـ الأمر الذي تالم له كثيرا ـ ولم يكن له من العمر سوى ثلاثة عشر ربيعا عندما وطأت قدماه عتبة محل صغير للطباعة في صوفيا . وهكذا ، فمنذ صباه المبكر إضطر ديمتروف لمواجهة الفقر بالسير في درب الحياة العملية المستقلة . ومنذ ذلك الحين أصبحت الطبقة العاملة معلماً ومربياً له . وفي محل الطباعة اخذ يتقن مهنة صف الحروف بتفان عظيم بحيث لم تمضِ بضعة شهور حتى بات صفافا للحروف يفك ويصف كافة انواع الحرف المطبوع .
إن إلتحاق ديمتروف الشاب بصفوف الطبقة العاملة البلغارية تمً في وقت كانت الحركة النقابية تخطو خطواتها الأولى في صوفيا . ففي عام 1894 وتحت قيادة حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري ، تم تأسيس النقابة المركزية لعمال المطابع كأول منظمة مهنية لعمال الطباعة في بلغاريا تنغمر في خضم الصراع الطبقي . وقد جائت اولى خطوات جيورجي ديمتروف في صفوف الحركة الثورية للعمال البلغار مرتبطة وثيق الإرتباط بتنظيم عمال المطابع بالذات وبنضالاتهم .
إن حياة عامل الطباعة المتدرب المضنية ، عززت من صلابة ديمتروف واصراره في مواجهة الشدائد وعمقت إخلاصه لقضية البروليتاريا البلغارية . وباندفاعه في المجرى العام لنضال العمال ، إنضم ديمتروف الى الرابطة العمالية العامة “ الإخاء “ وتبنى بحماس نداءات حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري من اجل النضال الاقتصادي والسياسي المنظم . وفي نهاية عام 1894 ، شارك ديمتروف بنشاط في الأضرابات العمالية الأولى وكان ذلك اول مساهمة له في نشاط منظمة عمالية واول مشاركة في إضراب عمال المطابع . ومن خلال الممارسة يتقن ديمتروف حيوية الطبقة العاملة وقدرتها على النضال ضد الإستغلال الرأسمالي والهيمنة البرجوازية . وبسبب إنخراطه بنشاط في النضالات الاقتصادية ، ينكب ديمتروف بعناد على تثقيف نفسه ، فاصبحت الكتب خير الأصدقاء ، واوفى الرفاق واخلص الصحاب سواء في سنوات النفي القاسية أو في غياهب الزنزانات المظلمة في السجون الفاشية .
وفي هذه البيئة العمالية الجديدة عرف الطباع الشاب لإول مرة ان هناك حقيقة واحدة في عالم الإستغلال الرأسمالي الا وهي الحقيقة التي كشف عنها كارل ماركس وفردريك انجلز، المفكران العظيمان للبشرية التقدمية وقد دفعه تعطشه للمعرفة والعدالة الى قراءة كل ما وقع تحت يديه من المؤلفات والنشرات الماركسية بشغف كبير . إن ما اكتسبه من معارف في مجرى تعلمه الذاتي كان بمثابة التعويض عما خسره من ساعات الراحة والنوم التي كرسها للقراءة .
وقرأ ديمتروف الشاب بشغف كبير المؤلفين “ رسلنا “ و “ خرستوبوتيف “ لديمتر بلاغوييف ، مؤسس الحزب الماركسي في بلغاريا ، وقد ساعدت الماركسية على تفسير الماضي الثوري لشعبنا وهذا بدوره مكًن جيورجي ديمتروف من تفهم الجذور الإجتماعية للنضال من اجل التحرر الوطني والإجتماعي ، انه وبالتدريج أخذ يلاحظ بوضوح التواصل بين الحركة الوطنية الثورية ابان السيطرة العثمانية والحركة الثورية العمالية بعد تحرير بلغاريا عام 1878 .
كما أبدى ديمتروف إهتماما خاصا بالأدب الروسي عندما كان يبحث عن حلول للمشكلات الإجتماعية الحادة انذاك . وسحرته رواية “ ما العمل “ لتشيرنيفسكي والتي لعبت دورا إيجابيا في بلورة رؤيته الأيديولوجية والسياسية ، فكتب عنها بإمتنان في سنوات لاحقة . إنه تربى على مثل الثوريين الديمقراطيين البلغار والروس وقام سوية مع مجموعة من العمال الشباب بقراءة كتاب “ تطور النظرة الأحادية للتاريخ “ لبليخانوف وكتابي “ ما هي الإشتراكية ؟ “ و “ هل يمكن ان تزدهر في بلادنا ؟ “ لديمتر بلاغوييف ، و” برنامج اليرفورت “ لكارل كاوتسكي و “ بيان الحزب الشيوعي “ لكارل ماركس وفريدريك انجلز، والطبعة الشعبية من “ رأس المال “ لكارل ماركس .. الخ وبالإضافة الى ذلك كان يطالع بإنتظام صحيفة “ نيو تايمز “ وصحيفة “ رابوتينشسكي فيستنك “ لسان حال حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري . كما وقام بدراسة مقالات لينين التي كانت تنشر في صحيفة الأيسكرا الروسية . إن هذه المؤلفات الماركسية الأولى أشعلت في نفس جيورجي ديمتروف لهيب حب اكثر شدة للمظطهدين والمقهورين .
بعد ساعات العمل المضني الطويلة في محل الطباعة ، كان العامل الشاب جيورجي ديمتروف يهرع الى نادي الحزب لينخرط في اولى دورات المدرسة المسائية للعمال ، حيث كان يحاضر ديمتر بلاغوييف وجيورجي غيرغوف وجيفرل جيورجيف وآخرون من قادة الحزب البارزين عن الإشتراكية ما قبل ماركس ، وعن التعاليم الاقتصادية الماركسية ، وبرنامج تكتيكات حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري وتاريخ بلغاريا .. الخ .
لقد كتب ديمتروف فيما بعد قائلا : ” كنت اتعلم بإستمرار حيثما كنت ـ في المطبعة كنت اتعلم وفي السجن كنت ايضا اتعلم ــ وفعلت الشيء ذاته في محاكمة حرق الرايخستاغ . وكما كان يقول لينين : ” يجب ان نتعلم ونتعلم ونتعلم . ” (1 )
لقد سعى جيورجي ديمتروف من اجل ان يكتسب ثقافة عريضة ، لذا لم تقتصر إهتماماته الثقافية على الأدب ، بل تعدته الى المسرح والموسيقى ايضا .وغالبا كان يتقتر في مصروفه ويوفر شيئا من اجره الزهيد ليرتاد المسرح بعد ساعات العمل العضلي الطويلة ويتمتع بمشاهدة عروضا لمشاهير الفنانين .
وبالرغم من صغر سنه، فقد إتخذ ديمتروف موقفا صلبا ضد الديماغوجية والظلم الإجتماعي في المجتمع الرأسمالي ، فبعد التفريق الدموي لمظاهرة العمال في الأول من ايار ( مايو )1898، كتب السياسي البرجوازي فاسيل رادوسلافوف مقالة بذيئة ، وصف فيها العمال ب “ الصعاليك المخمورين اللصوص “ إلا ان جيورجي ديمتروف رفض تنضيد تلك المقالة مخاطرا بوطيفته لأن دار الطباعة التي كان يعمل فيها تعود الى حزب رادوسلافوف . وامام اصرار وجرأة منضد الحروف الشاب ، إضطر رئيس إدارة المطبعة ان يحذف الفقرات المشينة من المقالة . وفي عام 1915 قُدر لهذا الموضوع ان يثار من جديد ، فلدى إعتراض جيورجي ديمتروف في الجمعية الوطنية على قانون مراقبة المطبوعات الذي شرعته الحكومة ، أجابه رادوسلافوف الذي كان انذاك رئيسا للوزراء بأن ليس لديمتروف الحق في الإحتجاج لأن ديمتروف تجرأ يوما ، عندما كان شابا ، على تصحيح مقالته ، بل وبلغت به الجرأة ان ينصًب نفسه رقيبا عليه . فما كان من ديمتروف إلا ان يرد عليه بهدوء قائلا : ” تلك هي مسألة اخرى ، ذلك لأني كنت انذاك ادافع عن مصالح وشرف الطبقة العاملة ، كما افعل اليوم بالضبط ، في حين انك كنت تقمع آراء جماهير العمال كما تفعل اليوم ايضا . انك تستغل الرقابة لتضطهد الشعب العامل مثلما كنت تستخدم صحيفتك في السابق لتسيء الى العمال وتشتمهم . لقد ناضلت ضد ذلك انذاك واليوم تجدني افعل الشيء ذاته “ ( 2)

( 1 ) ج ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 9 ص 487
( 2 ) ج ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 9 ص 438

لقد بذل جيرجي ديمتروف جهودا كبيرة من اجل إنشاء اول مكتبة نقابية في بلغاريا والقيام باول تحقيق عمالي في كافة دور الطباعة في صوفيا . وبفضل مساعيه تمً قبول رابطة عمال المطابع البلغارية عضوا في إتحاد عمال المطابع العالمي .
والى جانب نشاطه التنظيمي والتثقيفي بين عمال المطابع ، ابدى جيورجي ديمتروف ‘اهتماما جديا بالمجادلات التي كانت تدور بين الإشتراكيين اليساريين واليمينيين داخل حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري . ففي هذه المجادلات إتخذ الماركسيون الثوريون (الإشتراكيون اليساريون ) بقيادة بلاغوييف موقفا ضد السياسة التوفيقية للإنتهازيين ( الإشتراكيين اليمينيين ) إزاء الأحزاب الأخرى ، واكدوا على ضرورة قيام الحزب بتركيز إهتمامه على العمال بغية تنظيمهم وتربيتهم بصورة ماركسية وبالضد من النظرية الإنتهازية للإشتراكيين اليمينيين والتي تدعو الى “ التعاون “مع احزاب البرجوازية الصغيرة ، وتمسك الماركسيون الثوريون بالمباديء الماركسية حول الصراع الطبقي وبالخصائص البروليتارية للحزب وبالطبيعة الثورية للماركسية ، وإستطاع ديمتر بلاغوييف وجيورجي غيرغوف وجيفرل جيورجيف في سلسلة من المقالات النظرية توضيح المباديء التنظيمية والايديولوجية والتكتيكية للحزب الماركسي الثوري للطبقة العاملة البلغارية .
وفي ذروة الصراع بين التيار الماركسي الثوري والتيار الإنتهازي حول بناء حزب بروليتاري ثوري ماركسي ، تمً في ربيع 1902 قبول جيورجي ديمتروف عضوا في حزب العمال الإشتراكي الديمقراطي البلغاري . وفي حديث له اكدً ديمتروف ان إنظمامه الى صفوف الحزب جاء لقناعته العميقة والراسخة بأن الطبقة العاملة تستطيع تحرير نفسها من الإستغلال الرأسمالي فقط بإنتهاج سياسة النضال الثوري ورفض طريق المساومة الطبقية .
وبعد انضمامه الى صفوف الحزب ، بدأ جيورجي ديمتروف يناضل بهمة اكبر في سبيل التحرر الثوري للبروليتاريا البلغارية .وأصبح مقرمنظمة الحزب في صوفيا مسكنه الثاني . وفي الوقت نفسه واصل ديمتروف عمله في رابطة عمال المطابع وقاوم بشدة محاولات الإشتراكيين اليمينيين جره الى درب الإصلاحية .
في 23 شباط ( فبراير )1903، إنشقت المنزمة في صوفيا على نفسها مما ادى الى تطهير الحزب من الإشتراكيين اليمينيين . وقد إكتسب هذا الإنشقاق دلالة حاسمة فيما يخص التطور اللاحق للحركة العمالية الثورية في بلغاريا وبناء الحزب الماركسي الثوري للطبقة العاملة البلغارية .
عشية الإنشقاق في منظمة الحزب لم يكن ديمتروف في صوفيا ، وما ان تلقى نبأ هذا الحدث الهام الذي كان بإمكانه ان يؤدي الى إنشقاق في رابطة عمال المطابع ، عاد مسرعا الى صوفيا . وبمساعدة رفاقه الإشتراكيين اليساريين إستطاع ان ينظم مقاومة حاسمة ضد الإشتراكيين اليمينيين في الرابطة . وفي مقالة له بعنوان “ الإنتهازية والنقابات العمالية “ ، عرًى ديمتروف البواعث الحقيقية لمكائد الإصلاحيين في رابطة عمال المطابع وناشد رفاقه للعمل من اجل تحويل هذه الربطة الى اتحاد نقابي مناضل “ تحت راية الإشتراكية البروليتارية “ وفي هذه المقالة اثبت ديمتروف موهبته كصحفي بارع مما دفعه لكتابة العديد من المقالات والنشرات التي دافع فيها بإستماتة عن مفاهيم الجناح اليساري للإشتراكيين ، كما وشرح فيها بمهارة فائقة اكثر المسائل الايديولوجية تعقيدا .
عندما اصبح ديمتروف عاطلا عن العمل ، توجه ديمتروف وهو معتل الصحة للعمل في مدينة ساموكوف ـ وهناك وبالتعاون مع اليساريين المحليين اخذ ينشر الأفكار الماركسية بين تلامذة مدرسة الدولة للحدادين والكلية الأمريكية ـ وبسبب نشاطه هذا ،تمً فصله من العمل في مطبعة الكلية الأمر الذي يضطره للعودة الى صوفيا .