الرئيسية » مقالات » الدولة المدنية في الفكر الاسلامي المعاصر

الدولة المدنية في الفكر الاسلامي المعاصر

تتضاعف جهود الامم الناجحة في السير حثيثا نحو بناء الدولة المدنية المعاصرة، وحماية هذا البناء وتعضيده دائما بالشروط التي تحفظ البناء المدني للدولة من عبث الحكام والسياسيين، مهما كانت أساليبهم أو قدرتهم على الاحتيال والمراوغة السياسية أو حتى القوة والبطش، فالدولة المدنية لا يحكمها سوى القانون الذي لا يفرّق بين حكم ومواطن، قوي او ضعيف فقير أو قوي، في الدولة المدنية القانون وحده يتسيّد كل شيء ويحكم كل شيء، حيث الحقوق مصانة للجميع من دون استثناء.
في تعريف للدولة المدنية جاء في الويكيبيديا: (هي دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن القومية والدين والفكر. هناك عدة مبادئ ينبغي توافرها في الدولة المدنية والتي إن نقص أحدها فلا تتحقق شروط تلك الدولة أهمها أن تقوم تلك الدولة على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، بحيث أنها تضمن حقوق جميع المواطنين، ومن أهم مبادئ الدولة المدنية ألا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر. فهناك دوما سلطة عليا هي سلطة الدولة والتي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم انتهاك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك. فالدولة هي التي تطبق القانون وتمنع الأطراف من أن يطبقوا أشكال العقاب بأنفسهم).
النظام الاستشاري ودور الكفاءات
ودولة بهذه المواصفات والشروط لا يمكن أن تتحقق وتُبنى على ارض الواقع، ما لم يحكمها نظام إستشاري (ديمقراطي)، حيث ترتبط شؤون الشعب او الامة بمثل هذا النظام الذي يعتمد الاستشارة والحوار والقبول المتبادّل في كل شيء.
يقول الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتابه القيّم الموسوم بـ (الشورى في الاسلام): (كل شيء يرتبط بشؤون الأمـة لابـدّ مـن الاستشـارة).
وهكذا تكون الدولة المدنية مع النظام الاستشاري، متحررة في جميع مجالات الحياة، حيث يغيب القسر والاجبار كليا، ليحل محله التفاهم والانسجام والتصحيح المتبادل للاخطاء والآراء وصولا الى منهج حياة قائم على التسامح والقبول بالآخر، بعيدا عن التعنت والتطرف والاحتراب الفكري او الجسدي، وفي اجواء كهذه تتسم بالحرية والتواؤم والانسجام، لابد أن يظهر دور الكفاءات جليا، ليأخذ مكانته الصحيحة في ادارة الدولة المدنية المعاصرة، لذا يقول الامام الشيرازي في كتابه نفسه بهذا الخصوص: (إذا طبِّقت الاستشارة في كل هذه الشؤون، من القرية إلى المدينة، ومن اتحاد الطلبة إلى اكبر إدارة للشؤون الاجتماعية، تظهر الكفاءات، وتتقدم عجلة الحياة إلى الأمام بسرعة كبيرة، وبذلك تبين لنا أنّ من يستشير ومن يُـشير؟ فـالمجموع بما هو مجموع يستشيرون ويُستشارون).
تحريم الاستبداد والتسلط
إن الشورى كمبدأ سياسي اجتماعي فكري سلوكي عام، ترفض وتحرّم الاستبداد تحت أية حجة او تبرير، وتعتمد كليا حرية الرأي في ادارة الحياة السياسية وشؤون الحياة كافة، نظر لأهمية الرأي الحر في ادامة اجواء متوازنة تؤدي الى الابداع المتواصل في الميادين كافة، ولهذا ينبغي أن تدخل الشورى في التفاصيل الكبيرة والصغيرة للانسان، من اجل تثبيت القناعات ونبذ التقاطعات والاحتدام الفكري او سواه، وصولا الى بناء الحياة المدنية المأمولة، وهي ما تسعى اليه أمم وشعوب العالم أجمع، وهكذا تمنع الشورى الاستبداد لما يمثله من تجاوز على حقوق الآخرين السياسية او غيرها، يقول الامام الشيرازي في هذا المجال: (تبيَّن إنّ الشورى في ماذا؟ ولماذا؟ فإنّها تتدخل في أي أمر مرتبط بقطاع من الأَمة صغيراً وكبيراً، لأن الاستبداد في الأمة بالحكم محرم، حراماً بحجم الأمة، والاستبداد في اتحاد الطلبة ـ مثلاًـ حرام بحجم اتحاد الطلبة، إذ معنى الاستـبداد هو الاستئثار بحق الآخـرين حقاً مالياً أو حقاً جسدياً أو حقاً اعتباريا).
ولا يتوقف الامر عند جانب محدد بخصوص الشورى كمنهج حياة تعتمده الامة او الشعب في ادارة شؤونها كافة، لأنه من مواصفات الدولة المدنية، أن يخضع الجميع للشورى أو المنهج الديمقراطي، سواء الحاكم أو المحكوم، فمثلما يتطلب الامر من المواطن ان يخضع للشورى والحرية في العمل والرأي والانتاج والابداع، لابد أن يخضع الحاكم بدورة لمبدأ الشورى، وهنا تأتي الشورى كمصحح ورقيب لأعمال القائد ونظامه السياسي، فطالما أن الحاكم سوف يتمتع بسلطة على الناس لابد أن يتم مجيئه الى الحكم باختيارهم وقبولهم به، كما نقرأ في قول الامام الشيرازي بهذا الصدد: لابد من (وجوب المشورة في مجيء الحاكم إلى الحكم، لأنه نوع من التسلط على الناس، والناس لا يصح التسلط عليهم إلاّ برضاهم) ويستدل الامام الشيرازي على كلامه بالقاعدة الفقهية: (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم).
مخاطر التجويع الفكري
لا ينحصر الجوع في مجال الطعام وحده، إذ هناك نوع آخر من التجويع يساوي جوع الطعام أذى وخطرا أيضا، فحين يجوع الفكر يفتقر الانسان الى السلوك السليم وقبله التفكير السليم، وبالتالي هذا يعني التجهيل المتعمَّد، بالتالي يبقى الانسان يعيش تحت ضغط الجهل، والنتيجة حياة جاهلة تفتقر لشروط الحياة التي تليق بكرامة الانسان، يحدث هذا في ظل تغييب النهج الاستشاري او الديمقراطي، حيث يرفض الحكام الطغاة هذا النوع من الحياة، حياة الحرية التي تمنح للانسان الفرد او الجماعة حقوقه كاملة في مجال الحريات او سواها، ناهيك عن اسهامها الفاعل في بناء الدولة المدنية، لذا لابد أن يسعى الناس جميعا الى تحصيل الفكر لاشباع عقولهم وتوسيع مداركهم، إذ يقول الامام الشيرازي حول هذا الموضوع: (إنّ الاستشارية سواء في الحكومات الزمنيةـ مما تسمى – بالديمقراطيةـ أو في الحكومة الإسلامية هي صمام الأمان، وذلك لأنّ الناس كما يحتاجون إلى ملء بطونهم، يحتاجون إلى ملء أذهانهم ، فكما انّ الجائع يخرج على مَن أجاعهُ بالإضراب والمظاهرة، حيث ورد “عجبتُ للفقراءِ كيفَ لا يخرجونَ بالسَّيف على الأغنياءِ” كذلك من لا يُستشار يخرج على من أجاع فكرهُ، مهما فُرضَ نزاهة الحاكم، وكونه مطبّقاً لقوانين البلاد).
أما في غياب الدولة المدنية والنهج الديمقراطي، فإن النظام السياسي يبقى مهددا بالسقوط في كل حين، بسبب تعارض طبيعة الحياة مع التسلط والقمع، وقد استشرف الامام الشيرازي ما يحدث الآن في (الربيع العربي) وسقوط الحكومات المستبدة قبل عشرات السنين، وذلك بسبب ميولها الى الطغيان واحتكار الحكم وظلم الشعوب، حين قال الامام بكتابه نفسه: لهذا (نجد إنّ الحكومات في العصر الحاضر، التي قامت باسم الإسلام لم يمض إلاّ زمان يسير حتى انفضَّ الناس من حولهم، ثم عملوا لتقويضهم، فبعضهم سقط وبعضهم قرُبَ سقوطه).