الرئيسية » الآداب » مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الاولى

مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة الاولى







من الادب الكردي

مذكرات طالب من كوردستان

الجزء الاول


تأليف
البروفيسور د. كامل حسن البصير
(1933-1987)

عضو اتحاد الادباء العراقيين


الطبعة الثانية

2007


******************


الأهداء

هذه تجارب مريرة …عاشها إنسان ما جحيماً ظللته دوحة النضال
وإني إذ عربت هذه التجارب فلأهديها إلى كل قلب أنساني حر مرآة
يرى فيها ما يرى من الظلم الطبقي،… فيشد من عزمه في مكافحة
شرورها كيفما كان وحيثما وجد.



ك.ح. البصير


*************

كلمة لا بد منها


ان هذه الكتاب وكما سماه الفقيد البروفيسور الدكتور كامل حسن البصير (مذكرات طالب من كوردستان ) عبارة عن جزء مذكرات تروي سيرة حياة طالب ما والتي قام بتقديم الطبعة الاولى عام 1961 فوضع تحت يد القراء.
فالدكتور كامل الصير هو احد الكّتاب الكورد الذين كان لهم باع كبير في مجال اللغة والادب عموماً والنقد الادبي خصوصاً وباللغتين الكوردية والعربية.
مما ترك أثر عظيماً في نفوس قرأءه ومحبي أدبه من الاكاديميين وغيرهم على حد سواء، وقبل أن تناله يد المنية نشر العديد من المؤلفات والمقالات والابحاث والدراسات وعبر مراحل حياته المختلفة. متحدياً بذلك كل العوائق والظروف المختلفة التي كانت تحيط به. لقد كان المرحوم صاحب فكر ثاقب ومواقف كوردية مبدئية لا تتبدل ولا تتزعزع، وكانت لكتاباته وطريقة صياغته لها أسلوب خاص حيث الوضوح والبعد عن التعقييد والغموض فقد ترعرع وتخرجت على يده الكثير من الاجيال. ولما لهذا الكتاب من أهمية تاريخية ، فهي مذكرات كاتب بعيد كل البعد عن حب الذات فقد تم تأليف وكتابة وسرد الأحداث بكل صدق وشفافية، فلا يخفى على القارئ الكريم ان كتابه أية مذكرات وسرد حياة أي شخص انما فن بحد ذاته، فهذه المذكرات وفي الكثير من مراحلها تلعب دور الوثيقة والرسالة والوقفة التأريخية وكلها تليق بالمرحلة التي يتكلم عنها الراحل الكبير الدكتور كامل البصير.
والمذكرات تعتبر فناً أدبياً وشكلاً قريباً من أشكال الرواية لانها تكتب بلغة النثر وتسرد الوقائع وتخوض في المكان والزمان والشخوص وكذلك حيث الحبكة كما في الرواية فتكتمل اسس الرواية فيها ونرى أيضاً في هذه المذكرات تحسساً عبر القراء للمرحلة الادبية لمثقف عاصر سنين الاربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم.
وبسبب صعوبة الحصول على نسخة الطبعة الاولى منه في المكتبات وبهدف تعريف الجيل الجديد بهذا الكتاب الجليل وللمحافظة على خصوصية الطبعة الأولى والتي طبعت في حياة وزمن عاصرهما المؤلف وتم طباعته أنذاك فقد تغيير جزء بسيط في تصميم وشكل وغلاف الطبعة الآولى من الكتاب.
ومن المهم ان نذكر ان لهذا الكتاب اجزاء اخرى تم تسجيلها على اشرطة كاسيت بصوت المرحوم والتي كان يأمل بنشرها في حياته لكن يد المنية لم تمهله ولقد كان في نيتنا أن نقوم نحن أولاده بذلك ولكن الآشرطة الصوتية أتلفت للاسف بفعل الظروف التي أحاطت بعوائلنا الكوردية خلال الهجرة المليونية عام 1991 بعد أن تعرضت أغلب المنازل للانتهاك والسرقة انذاك وكان من ضمنها تلك الاشرطة الصوتية ومع هذا ، نأمل في موعد قريب تدوين سيرة حياة هذا العالم الجليل قريباً بالاستناد الى رفيقة دربه والدتي وبالاستعانة بذاكرة أقاربه واصدقائه.
واني اذ اتمنى ان اكون قد اضفت واسترجعت الى ذاكرة التأريخ اضافة اخرى لمؤلفاته الرصينة، لك مني أستاذي ,ابي الحبيب الخالد كل الحب والاجلال.

د. كيان كامل البصير
2007/6/8      
أربيل           


 



***************
كلمة من كلمات


هذا لون من الاحاديث سميته مذكرات لا لشئ إلا لأنه يروي صوراً من حياة خاصة عامة. ولعلني تتبعت خطى التقليد حين أعددته أدباً وإلا فأن حقيقته ليس سوى أحاديث ترويها وقائع حدثت أو كان يمكن أن تحدث. أما أن يتناول هذه الأحاديث فن أو ابداع ، فلهذا ما لم يكن مقصوداً ولا مستهدفاً. وأظن أن القارئ العزيز يدرك من هذه الكلمة اعتذاراً مما قد يآخذه النقاد على هذه المذكرات من عدم انسياقها مع العرف الأدبي، وخروجها على القواعد التي وضعها الدارسون قيوداً لفن المذكرات فرعاً من فروع الأدب الأنشائي. ومن حقي أن أعتذر ما دمت لم أر هذه الأحاديث إلا أحاديثاً وأحاديثاً فحسب، إذا كنت أتمنى لها شئ فهو لا يتعدى على أية حال اعتبارها محاولة جريئة لتصوير واقع لا تصويراً مرآتياً مجرداً بل تصويراً مرآتياً قيادياً بحيث تستنطق الأحداث فتنطق الماً وبحيث تحلب حياتنا تلك فتثور عزماً ثم يختلط ذلك الألم وهذا العزم في إطار الصدق منغماً شعاراً ليصرخ إلى الأمام ولنسحق العوائق…
أما الفن، وأما الإبداع اللذان قد أحاسب عليهما فهما في نظري لا يتعديان هذا الواجب الذي أتمنى مذكراتي هذه ناهضة بعبئه الذي هو كل شئ في الأدب.
وبعد فلتقل كلمتي الى الطالب : اقرأ هذه المذكرات، ثم اشدد من عزمك ساخراًمن العوائق ولتقل إلى الأصدقاء الأهل والأقارب رأفة بأنفسكم من التخاصم والتنابذ ولتقل إلى الأصدقاء كونوا أصدقاء بكل ما في كلمة الصدق من معان سامية ولتقل للمسؤولين إرحموا أنفسكم من أن تظلموا أحداً وأحداً شريداً يناضل خدمة للأنسانية ولتقل بعد هذا وذاك للشعب العربي أنظر إلى ماضيك وأفهم في ضوئه شقيقك في النضال الشعب الكوردي…
أجل أيتها ((الكلمة من كلمات)) قولي لهم ذلك كله ثم أعتذري من أولئك الذين قد تجرحهم صراحتي التي هي كل ما أعتز بها في هذا العلم اللجب.

المؤلف



*****************

(1)


 


إن الحياة في نظرنا نحن البسطاء، تعني أموراً أربعة:ـ
الليل، النها، الشبع، والتوالد. وهذه ألأمور بعمقها وضحالتها تحدد الأطار الفكري لكل واحد منا. فإن نشر الليل حباله السوداء كان علينا أن نتقوقع في بيوتنا ملتمسين الراحة. وأن صرخ النهار في أذاننا وثبنا كالعفاريت نكدح هنا وهناك ولننتزع لقمة الخبز تلبية لبطوننا التي يحرقها الشوق إلى الشبع. وآباؤنا وأمهاتنا يتخذون ذلك الليل وهذا النهار وبينهما الشبع، أثافي يتوالدون في نطاقه، وينتجون مولوداً يزيد عددهم فرداً.

ها هو الليل يذوب عن بيتنا أمام لسأن النهار الطويل الأحمر فتتصاعد أصوات من أرجاء هذا الذي تسميه أمي بيتنا.
فإذا أنت ترى بعد هنيهات من تلاطم تلك الأصوات أشباحاً ترى في طليعتها الحمال (أمگه) ! الذي يشتغل بائعاً للحطب، ينحني بعد أن يصعد درجات متهدمةٌ تقود المرء من فناء البيت إلى دهليز والتي يحتاج المرتقي اليها أن يضع أحدى قدميه على (التنكة) الفارغة، ويضع قدمه الثاني بعيداً عنها إلى الخارج ، لينسل من فتحة الدار بطريقة تذكرني بأنسلال القطة من نافذة الدور التي رأيتها هناك على مسافة شاسعة من حينا.
وما يكاد حمالنا (أمگه) يهرب من البيت حتى يستعد بائع اللبن (إمدوك) للخروج. وقد كان استعداده ذلك يغرق البيت بضجيج وصخب معهودين فأمرأته لم تكن لتعينه على إخراج أدوات بيع اللبن إلا بعد أن ترغمه على تلبية مطاليبها؛ التي لم تتعد في أية حال من الأحوال مائة فلس نقداً، وإن كانت حاجاتها الباكية بين يدي زوجها تتنوع في كل يوم.
ويتسلق (إمدوك) تلكم الحواجز، ثم ينتصب واقفاً أمام البيت، ليطلق بعد أن يخطو خطوتين صوته الذي ألفته اذان سكان سكان زقاقنا كما ألفت صوت المؤذن في حضرة الكيلاني.
ويسود الصمت على البيت ، غذ لم يبقّفيها من الكاسبين الذين لهم شائنهم عندنا غير أبي الذي لم يكن ليخرج من البيت إلا في الساعة الثامنة؛ فقد كان يشتغل سائقاً في سيارة خاصة بأحد أولئك الذين لا يستيقظون – كما يقول أبي- إلا في الساعة العاشرة صباحاً. ثم إن أبي كان هادئاً ، وأن هدؤه يفرض علينا سكوتاً وصمتاً لا يبقيان مسيطرين علينا بعد خروجه إلا هنيهات؛ يزولان بعدها ليغمر بيتنا هرج كان مبعثه وجود أربع وعشرين إنساناً. فقد كانت عائلة الحمال تتكون من ستة أفراد؛ هو وأمرأته وأربعة آكلين كما كان يسميهم صاحب البيت (علي داگ). أما عائلة بائع اللبن (إمدوك) فإنها كانت تفغر عن أربع أشخاص ؛ هو وزوجته وآكلان أثنان. وأما عائلتنا فقد كانت تسهم في زيادة سكان بيتنا بستة أفراد يتقدمهم أبي ثم أمي، وانا، وأخوات ثلاث. وبقى ثمان من البشر الساكنين معنا في البيت ينتظرون مني أن أخلدهم في مذكراتي . وبعد أن أطلب المعذرة من رئيسها لتأخيري ذكرهم ، أنحني في إجلال لأقول : إن الثمان كانوا يرتفعون في ناحية من ذلك البيت قواعداً تشيد عائلة صاحبها (علي داگ)؛ الذي كان معروفاً لدى الناس الساكنين في زقاقنا والأزقة المجاورة أيضاً. وسيل شهرته يتدفق من منابع عده منها بيعه (الترياك) الذي يجلبه سرا وبطريقه أزعجت الشرطة، ومنها تملكه لهذه الدار التي كانت تتخاذل بين بيوت حي الأكراد، داراً فريدة الصفات. فانخفاض جدرانها وعمق فنائها كانت ترشد الزبائن الى صاحبها الذي قل أن يغادرها خلال النهار وطوال الليل. إنه ليلازم غرفته الصغيرة المظلمة الممتدة الى الجهة اليسرى من الفناء الذي كان ترابياً تتجمع المياه القذرة بركاً منتشرة على وجهه، والذي كان مربع الشكل تقريباً ينتهي كل ضلع منه بحجرة وإيوان التجأ فيهما أولئك الأناس الأربعة والعشرون؛ كل عائلة في واحدة منها.
فنحن أربع وعشرون من البسطاء نقطن هذا البيت، أرى أن حياة كل واحد منا قش ضئيل في فم تلكم الأمور الأربعة: الليل ، النهار، الشبع، التوالد. يستقبلها الليل لينتزع منها آلام العمل إن كان صاحبها من الكاسبين، وتبعد عنها وعثاء الشجار إن كان الحامل لعبأها أكلاً؛ ثم يلم بها الشبع أحياناً ليمد في طولها في عذاب صاحبها، وقد يخدمها التوالد…فينتزع منها الحياة أخرى جديدة.
إنها أمور أربعة هذه الحياة في نظرنا نحن البسطاء، رسخت في أذهاننا سنة لا يغيرها تطور ولا يعوق سيرها حدث. ومن هنا فأية صورة أسجلها عن نفسي مذكرات إنما هي صورة عن حياة غيري، مع فارق بسيط؛ هو إنني تمكنت أن أحس بهذه الحياة وإدراك آلامها نظراً لظروف أحاطت بي.