الرئيسية » مقالات » هل هناك من دهليز أسوأ من الذي يعيش تحت وطأته العراق حالياً؟

هل هناك من دهليز أسوأ من الذي يعيش تحت وطأته العراق حالياً؟

لست من المطالبين بسحب الثقة من السيد المالكي ولست من الراغبين بإسقاطه بأي ثمن, ولكني من المطالبين بتغيير سياساته الراهنة التي أوصلت العراق إلى هذا الدهليز الطائفي الأثني المظلم والمرهق للشعب كله. رحبنا به حين جاء إلى السلطة خلفاً لرئيسه السابق الدكتور إبراهيم الجعفري, ورحبنا بجملة الإجراءات التي اتخذها لفرض سلطة القانون في العراق وأيدنا تشكيل قائمة دولة القانون لاحتمال ابتعاده عن السياسات الطائفية. إذ لم يكن هناك أي موقف مسبق الصنع ضده. ولكن السيد نوري المالكي خيب الآمال حين غاص في سياسات أخرى نتيجة المساومة التي تمت في إيران لوضعه على رأس السلطة للدورة الثانية, وهي التي يعاني منها الجميع.
لم يكن رئيس الوزراء العراقي وحده مسؤولاً عن السياسات الخاطئة التي اتخذت في العراق, كما لم يكن المخطئ الوحيد في ممارسة السياسة, بل يمكن الادعاء بأن القوائم العراقية المشاركة في الحكم كافة ارتكبت ما يكفي من الأخطاء التي جعلت الحكم بعيداً عن مصالح الشعب. ولهذا فالمسؤولية لا يتحملها المالكي وحده, ولكنه يتحمل المسؤولية الأولى باعتباره رئيساً للوزراء والمسؤول الأول عن السياسة وعن تنسيق العلاقات مع مجلس وزرائه والوزراء والأحزاب المسؤولة عن هؤلاء الوزراء إضافة إلى التنسيق والتعاون مع رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ومع المجتمع ومنظمات المجتمع المدني. وكل المؤشرات تؤكد فشل عملية التنسيق وإلا لما وصل الحال على ما هو عليه الآن.
وحين خرجت المظاهرات تطالب بتحسين الأوضاع التزم بمئة يوم لكي يبدأ العمل مجدداً, وكانت فرصة مواتية لإعادة النظر بكامل السياسات والعلاقات, ولكن لم يحصل ذلك ايضاً.
كما كان عليه أن ينجز وضع القوانين المهمة ومنها قانون الأحزاب وقوانين تضبط العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وحل المعضلات العالقة, والتي هي الأخرى لم تحصل.
إن المشكلة المركزية في الصراع اسياسي الجاري في العراق يؤكد سير القوائم العراقية على قول المثل العراقي : “كل من يحود النار الگرصته”, أي كل قائمة تسعى لتحقيق مصالحها دون النظر إلى مصالح القوائم الأخرى, وكانت النتيجة هذا الخراب الجاري في البلاد.
من هنا أقول بأني سأكون من المطالبين بتغيير السيد رئيس الوزراء في حالة استمرار إصرار السيد المالكي بسياساته المختلة الراهنة في المجالات المختلفة, بهدف الضغط عليه لتقديم استقالته وإجراء انتخابات عامة مبكرة, إذ إن هذه السياسة التي يمارسها ستزيد من عمق الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعلاقات مع الجيران وستشدد من المأساة التي يعاني منها المجتمع العراقي, وخاصة الفئات الكادحة, وسيعجز عن التفاعل مجدداً مع القوى التي يتصارع معها وتتصارع معه منذ فترة, إذ اصبح الأمر شديد التعقيد والتشابك, حتى إنه, وتحت الضغوط المشتدة عليه ورغبته في مواصلة الحكم بأي ثمن أن سمح بتحالفات جديدة لا يجمع بعضها مع البعض الآخر سوى الإطاحة بالمالكي, في حين إن القضية لا تختزل بالمالكي, بل بأسلوب ونهج الحكم وعواقبهما الراهنة وفشل كل القوائم المشاركة في الحكم في تسيير دفة البلاد. ومن هنا تأتي الدعوة إلى انتخابات مبكرة جديدة وليس إلى رئيس وزراء جديد يأخذ محل السيد المالكي إذ لن يكون في مقدوره إجراء التغيير المنشود. خاصة وإن المتوفر من الأشخاص لمنصب رئيس الوزراء لا يختلفون في طبيعتهم عن المالكي إن لم يكونوا أبعد منه عن إدراك الحلول المرجوة.
علينا أن نتذكر قول صدام حسين حين أكد: “جئنا لنبقى” ووعلينا أن لا ننسى قول نوري المالكي: “أخذناها بعد ما ننطيها”. إن القولين ينطلقان من ذهنية شمولية واحدة ومن رغبة واحدة في الحكم لا على اساس ديمقراطي, بل بكل السبل المتوفرة المشروعة وغير المشروعة. وهذا ما نشاهده اليوم حين يحتضن المالكي جماعة عصائب الحق المتهمة بارتكاب الكثير من الجرائم البشعة ضد بنات وأبناء الشعب العراقي والتي تدين بالولاء لإيران أولاً وأخيراً, ويسمح لها باستعراض عسكري ببغداد لإبراز عضلاتها لصالح المالكي. إنها التجسيد الحي للذهنية البراغماتية التي تؤكد ” الغاية تبرر الواسطة”, اياً كانت تلك الواسطة! وفي هذا تكمن الخطورة الكبيرة في استمرار حكم المالكي بالطريقة ذاتها التي حكم بها العراق خلال السنوات الأربع الأخيرة من حكمه على نحو خاص.
لم يستطع الحكم الراهن وضع البلاد على طريق الحلول الصائبة استناداً إلى التقسيم الطائفي والمحاصصة الطائفية وغياب الرؤية العقلانية للوطن والمواطنة. وهي المشكلة التي تواجه المجتمع كله. لنلقي نظرة على واقع الحال في العراق, إذ على وفق أخر إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء في العراق كتب الكاتب والروائي العراقي علي بداي ما يلي:
” ذكر أخر تقرير للجهاز المركزي للإحصاء بوزارة التخطيط ان “نسبة الذين يقعون تحت خط الفقر في العراق وحسب التصنيف الاخير للجهاز تبلغ 6 ملايين و900 الف مواطن اي تقدر بنحو 22.9 بالمئة”.
وأشار التقرير الى ان “40 بالمئة من سكان المحافظات هم من الفقراء وتبلغ نسبة الفقر على اشدها في محافظة المثنى بنسبة 49 بالمئة تليها محافظة بابل بنحو 41 بالمئة وصلاح الدين 40 بالمئة وهناك ما نسبتهم 13 بالمئة من الفقراء يتركزون في عموم العاصمة و11 بالمئة منهم بمحافظة البصرة»، مؤكدا ان نسبة الفقر في الريف ترتفع عن المدن بواقع 75 بالمئة في محافظة المثنى و61 بالمئة في بابل و60 بالمئة في واسط اذ تقدر نسبة الفقر في الريف 39 بالمئة بينما تبلغ في الحضر 15.17 بالمئة”.
وأضاف ان 57 بالمئة من نسبة السكان في سن العمل هم خارج دائرة النشاط الاقتصادي (لا يعملون ويبحثون عن عمل ولا يجدون )، وتبلغ 87 بالمئة بالنسبة للنساء، كذلك معدل العمالة الناقصة قد ارتفع مؤخرا بسبب قلة ساعات العمل للسكان بعمر 15 سنة فاكثر اذ تبلغ نسبة الذكور منهم 23 بالمئة والاناث وهي تبلغ بمناطق المدن 21 بالمئة. منوها ان معدل النمو السكاني يبلغ 3.5 في الريف مقارنة بـ 2.7 في المدن”.
وبين التقرير ان “نسبة متوسط الانفاق الاسري الشهري على السكن والكهرباء والوقود بلغت 29 بالمئة وبنحو 10 بالمئة للنقل بسبب ارتفاع اسعار الوقود وتخفيض سياسة الدعم الحكومي للمشتقات النفطية”.
ولفت الى “وجود 33 بالمئة من الاسر الفقيرة غير مرتبطة بشبكة الماء الرئيسة و35 بالمئة من الاسر يعانون عدم ارتباط منازلهم بشبكة الصرف الصحي”.
واكد التقرير ايضا انه “في حالة الرفع التام وحجب البطاقة التموينية عن جميع الاسر فانه سيرفع معدل الفقر بالعراق من 23 بالمئة الى 34 بالمئة”. ولم يتطرق التقرير الى التصحر وزحف المزابل بإتجاه المدن وثروة العراق المتزايدة من الكلاب والقطط السائبة وتآكل المعامل وجفاف الأنهار القادمة من الشقيقين المسلمين التركي والإيراني لأن هذه الموضوعات خارج نطاق التغطية كما يقال في الموبايلات العراقية.
هذا كله يحدث في بلاد تستلم يومياً مئات ملايين الدولارات من النفط ، و يقال أن آخر برميل نفط سيخرج منها فالى أي مصير تساق مليارات النفط؟ ومليارات الخمس؟ والزكاة؟ وعطايا المراقد والنذور؟ لا أحد يعرف!” راجع: علي بداي, صوت العراق مقال تحت عنوان “شعب نائم يستحق هذه العمائم”. بتاريخ 6/6/2012″.
وعلينا هنا أن نتذكر بأن الرقم الجديد المعطى عن نسبة الفقر بالعراق والبالغة 22,9% يشير إلى ما تحت خط الفقر. ولكن هناك نسبة اخرى على خط الفقر وأخرى أعلى بقليل من خط الفقر, وكلهم يدخلون ضمن الفقر العام الذي تعاني منه الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب العراقي.
إن الدهليز الذي يعيش فيه الشعب العراقي مظلم بكل معنى الكلمة ولا يمكن أن تكون هناك دهاليز أخرى أكثر عتمة, وإذا ما سعى البعض إلى إضاءة الدهليز القائم فلا يتم ذلك إلا بتغيير سياسات المالكي ومعه سياسات القوى والأحزاب الأخرى التي تشارك في الحكومة القائمة.
إن المؤتمر الوطني الذي دعا إليه السيد رئيس الجمهورية يفترض أن :
• لا يستثني القوى والأحزاب السياسة غير المشاركة في الحكم, بل يشمل كل القوى المشاركة في العملية السياسية؛
• وأن لا يضع اية شروط في طريق المشاركة؛
• وأن تعالج جميع المشكلات العقدية الخانقة حالياً؛
• وأن يجري التزام الجميع بالنتائج التي يخرج بها المؤتمر؛
• وأن يتم رفض أي تدخل من دول الجوار أو الدول الكبرى؛
• وأن يكون المؤتمر مفتوحاً على الرأي العام العراقي لكي لا يجري خلف الكواليس ومن وراء ظهر الشعب العراقي بكل قومياته؛
• وأن يفعل مجلس النواب, رغم كل نواقصه, وأن يحترم استقلال القضاء.
• وأن تلتزم الحكومة باحترام وممارسة حقوق الإنسان والحريات العامة وتسعى على تنفيذ سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وطنية وأن تلتزم محاربة الفساد وافرها باعتبارهما يشكلان في العراق وجهان لعملة واحدة.

نحن أمام أزمة بنيوية ثقيلة ومستديمة ولا يمكن الخلاص منها ما لم يجر تغيير النهج بالتمام والكمال, وإن المؤتمر الوطني يفترض أن يحقق هذا التغيير, فهل هو قادر عليه؟ هذا ما سوف تكشفه لنا الأيام والأسابيع القادمة

برلين في 9/6/2012 كاظم حبيب