الرئيسية » مقالات » الحلة، عماد هجول، جواد بكوري، وباعوك يا وطني!

الحلة، عماد هجول، جواد بكوري، وباعوك يا وطني!

وصلت الحلة، اول مرة، عندما اردت مفاجئة صديقي احمد السعدي، الذي كان يدرس معي في المعهد. شوق كبير لرؤيته، وايفاءا لوعد، بان ازوره بعد اول راتب استلمه. كنت اعرف انه يعمل في جمعية استهلاكية.عرفت عنوانها من تبادل الرسائل. تفاجأ، وهو يراني اقف عند الديسك. لم تفقده المفاجئه تماسكه، وهدوئه المعتاد. سلم “الدخل” الى احد زملائه. لم يتفقد احد منهما مقدار المبلغ فالثقة عالية، والاخلاق صارمة. “بس لحظة”! اشار باصبعه، ودخل الى مديره. خرج، وابتسامة الفرح تغطي وجهه. عانقني بقوة، شد على يدي اكثر من مرة. وكانه يريد، التاكد، ان الامر ليس حلما، او خيالا. لمعت عيناه بدموع فرح اللقاء. ظل يمسك بي غير مصدقا. اخذته الفرحة، والمفاجئة.
ـ لماذا لم تخبرني لاستعد؟
ـ عندها لا تعود مفاجئة، وانا وعدت ان افاجئك!
ـ اقصد، ان اخذ اجازة من العمل.
ـ لاداعي، فاليوم خميس، وغدا جمعة، وانا اسافر مساء الغد.
ـ انس ذلك لقد انتظرت اكثر من سنة لاراك، وتاتي ليوم واحد.الكل هنا يريد ان يراك!
ـ انا، لا اعرف احد سواك هنا!
ـ لكنهم يعرفوك، فلقد حدثتهم طويلا عنك.
ـ اين حقيبتك؟
ـ في الفندق!
ـ أي فندق؟! الا تستحي؟! لو جئتك الى البصرة، فهل ستتركني في فندق؟
ـ لا طبعا، اجراء احتياطي، لم اكن متاكدا انني سالقاك بهذه السهولة!
ـ المهم لا عليك، اكيد انت جائع الان!
بعد جولة صغيرة، دلفنا الى احد المطاعم، وقبل ان نجلس، تراجع فجاة، وقال:
ـ لا، لا، الافضل، ان تتذوق كباب الحلة في مقهى بيت هجول.

سرنا بموازاة النهر، هناك، وفي مقهى مضاءة بشكل جميل، وارائك نظيفة مغطاة بحصير القش، القينا باجسادنا المتعبة. اكلنا الكباب الشهي، وشربنا الشاي المهيل. طقوس عراقية لابد منها. عندما هممنا بالدفع صاح احد الشباب بصوت جهوري:
ـ معقولة يعني تجي من البصرة خطار، وناخذ منك فلوس؟! مو عيب!
شاب يافع قوي البنية، مشعر الصدر. ابتسامته لاتفارقه، ومزاحه مستمر مع الجميع. عيون تبرق بالابتسامة، وصدق النية، واضاف:
ـ صار زمان منتظريك، وهسة تريد تدفع فلوس العشة؟! تريد تفضحنة!

اقترب بحمية، وابتسامة عريضة ترتسم على كل محياه، قدم نفسه: عماد شهيد هجول! جلس الى جوارنا قليلا. استأذن بعدها من شغيلة المقهى، قائلا انه سيعود بعد قليل. التفت الي: وين الجنطة مالتك؟
ـ بالفندق!
ـ ياالله امشي ده نشوف الفندق.

في الفندق اذهلتني مبادرة اخرى.اراد عماد، ان يدفع الاجرة، فتدخل صاحب الفندق، محدثا موظف الاستعلامات، معلقا: يمعود تريد تفضحنه، خطار بيت هجول وتاخذ منه فلوس؟! بعدين احنه، وين شفناه، حتى ناخذ منه فلوس! اشو بس ذب الجنطة، وراح. التفت الي معاتبا غير تگول انت خطار بيت هجول چان اخذتك لبيتنا!

بقيت مشدوها! أي كرم؟! أي طيبة؟! أي حفاوة؟! اية اخلاق؟! أيها قيم؟! لماذا يقولون اذن ان اهل البصرة، وحدهم طيبين، وكرام؟! هذا الكرم الحاتمي لامثيل له، وانا لم احظ بمثل هذه الحفاوة حتى في البصرة نفسها. في الطريق انضم الينا صديق ثالث خرج من احدي الكازينوهات الجديدة على كورنيش الحلة، تملكها عائلته. ترك عمله ورافقنا. كانت الحلة زاهية بخضرتها، وشطها، وجسورها القديمة، والجديدة. علق جواد بطيبة:
ـ أي مو بس انتو عدكم كورنيش، احنه هم صار عدنة كورنيش، بس مو على شط العرب!
ضحكنا طويلا لمزاحه، وحكاياته الطريفة. شعرت بالفة، وحميمية عجيبة تجاه المكان، واهله. ثلاثة اصدقاء ظلوا يتنازعون على حمل حقيبتي. كل واحد يصر اننا سنذهب الى بيتهم. وانا حائر بينهم. حسمها عماد صائحا بصوته الجهوري:
ـ الجنطة يمي اشو منو يگدر ياخذهه؟! وبعدين بيتنة قريب، واهلي مسافرين للزيارة! واحنا شباب، وناخذ راحتنه الليلة بوحدنة!

عند البيت، وجدنا اهله هناك. ادركنا انه خدعنا! ضحكنا كثيرا لهذا المقلب. جواد بكوري قال بلهجته الحلاوية الجميلة: هاي لعبتنه يعني؟! كانت الوالدة قد اعدت عشاءا اخر، واصرت ان “تصب” العشاء لانه من غير المعقول ان يدخل الصديق البيت لاول مرة، ولا ياكل! واضح من تبادل الكلام والسلام، ان جواد له علاقة جيدة، وقريبة، من اهل عماد، وبمزاح قال:

ـ أي، والله حجية انه ميت جوع، وهاي اول مرة ادخل بيتكم. ضحك الجميع لمزاحه، وامتزجت القهقهة مع صوت الحجية، وهي تؤكد: البيت بيتك يمه! عرفت بعدها انهم دائمي التزاور. وهناك صداقة عائلية، و”ميانة”. كانت امسية عامرة بالنقاش، والحديث، والذكريات، فايام السبعينات كانت مليئة بالاحداث، والحراك السياسي، وحبلى بالمفاجئات. كان جواد بكوري يعارض الجبهة القائمة، وقتها، مع البعث، وانسحب، كما فهمت، من العمل السياسي بسببها. كان جل النقاش، في تلك الامسية، هو محاولة اقناع جواد “بضرورة” الجبهة، و”حتميتها” للانتقال الى مرحلة افضل، وان الاجواء الديمقراطية النسبية، التي توفرها تخدم الوطن اكثر مما تخدم البعث. لكنه كان يردد بحسرة، واضحة، ولوعة صادقة، ومرارة قاسية:
ـ “باعوك ياوطني، باعوك ياوطني”!

الان بعد كل هذه السنين اسال نفسي هل كان يقصد بالوطن العراق؟! ام يقصد نفسه كشيوعي؟! لان الشيوعي في كل العراق كان يسمى “وطني”. ربما خوفا من كلمة الشيوعية، التي ارتبطت بالنضال، والتضحية، ومعارضة السلطة، والمطاردة، والفصل من الوظيفة، والتعذيب، والاستشهاد! “هاي الحكومة طلع منها بس وزير وطني واحد، والباقي كلهم حرامية”. هذا ماكان يردده الناس ايام الجبهة، ويقصدون مكرم الطالباني فعامر عبدالله كان وزير دولة، والناس، مفتحة بالتيزاب، مو بس باللبن! ما اشبه اليوم بالبارحة.هذا ماردده الناس عن وزارة المالكي قبل الانتخابات الاخيرة،عندما كان فيها وزيرا شيوعيا واحدا!

عماد شهيد هجول، صديقي، ورفيقي الحبيب، وزميل دراستي فيما بعد، قتله المرتزقة الفاشيون في بشت اشتان. جواد بكوري لازال يحمل راية الطبقة العاملة، رغم انتمائه لعائلة ميسورة الحال. اما صديقي احمد السعدي فقد انقطعت اخباره رغم كل جهودي. اتمنى، ان القاهما يوما ما قبل ان اودع هذا العالم!

ترى هل بقيت الحلة على ناسها، واخلاقها، وقيمها، وبساطتها، وبهجتها، واسواقها المكتظة، وتقاليدها الثورية، والاجتماعية وكرم اهلها، ام اطاح بها فيضان الحواسم، والظلامية، كما فعل مع البصرة! ام سنردد مع جواد بكوري، اذا التقيناه بحرقة، وعن حق عن واقعنا الحالي:
باعوك يا وطني!