الرئيسية » مقالات » الحائري نطق بلسان المالكي

الحائري نطق بلسان المالكي

لو امعنّا النظر في الدستور العراقي وقرأناه بشكل هاديء وبعيد عن اي موقف مسبق من بنوده التي لازال الغموض يكتنف العديد من موادّه من حيث التفسير الانتقائي لها من قبل مختلف الكتل السياسية والقفز على العديد من بنوده، ومطالبتها المحكمة الدستورية العليا “خصوصا حزب الدعوة” بتفسير البنود “الغامضة” بما يتطابق واهوائها السياسية. فاننا نستطيع ان نلمس مسألة في غاية الاهمية وهي عدم وجود نص واضح وصريح يدعو الى ان يكون العراق دولة اسلامية، بل على العكس فلو راجعناه “الدستور” فاننا نراه يؤكد على ديموقراطية الدولة وهذا ما جاءت به المادة 1 الفقرة اولا والتي تنص على ان (ﺟﻤﻬﻮرﻳﺔ اﻟﻌﺮاق دوﻟﺔٌ اﺗﺤﺎدﻳﺔٌ واﺣﺪةٌ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔٌ، ذات ﺳﻴﺎدة ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻧﻈﺎم اﻟﺤﻜﻢ ﻓﻴﻬﺎ جمهوري برلماني ديموقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق).
اما حول مصادر التشريع فان الدستور لم يفرض ان تكون الشريعة مصدرا للتشريع بل وكما جاء في المادة 4 الفقرة اولا فان ( الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع:
أ – لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب – لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديموقراطية.
ج – لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور)

وطبقا لما جاء في المادتين الدستوريتين اعلاه والتي على العلمانيين القتال في سبيلهما اليوم والقتال بضراوة غدا لتعديلهما بما يتلائم ويتناغم مع المبادئ الاساسية لحقوق الانسان وبناء المجتمع المدني العابر للطوائف والقوميات. فاننا لا نرى ان هناك خطرا يحيق بالديموقراطية كعنوان في الوقت الراهن ولكن الخطورة تكمن في المستقبل عندما تكون القوى الدينية الطائفية حينها قد رسّخت مجموعة من القيم “الاسلامية” بين الجماهير، نتيجة هيمنتها على مراكز اتخاذ القرار وسيطرتها على وسائل الاعلام وامتلاكها للمال السياسي واستخدامه في مواسم الانتخابات، والتي قد تتغير وستتغير مستقبلا لصالح قوى اخرى هي خارج حسابات الاسلاميين اليوم نتيجة فشلهم “الاسلاميين” لليوم في ادارة “الدولة” وعدم وفائهم بشعاراتهم الانتخابية (لعدم وجود برامج) في توفير ابسط الخدمات لناخبيهم على الاقل ناهيك عن باقي ابناء شعبنا.

يعتبر الكثير من السياسيين والمثقفين والكتاب ان الخوف من اسلمة الدولة على المدى البعيد من قبل احزاب الاسلام السياسي هو خوف لا مبرر له نتيجة عدم تشريع او صدور قوانين تحد من حريات الناس، مراهنين في الوقت نفسه على المضي بالعملية الديموقراطية الى الامام اشواطا بعيدة بوجود هذه القوى. متناسين “عن عمد او عن سهو غير بريء” ان لهذه القوى سياستين مختلفتين ظاهرها هو ما جاء به الدستور وضرورة الالتزام به، وثانيهما وهذا ما يتغافله العديد “لغاية في نفس يعقوب” هو العمل على اسلمة المجتمع عن طريق محاربة الحريات الشخصية التي كفلها الدستور والتدخل في خصوصيات حياة الفرد العراقي. لذا نرى ان القوى الدينية تعمل في العديد من المحافظات وعن طريق مجالسها لترسيخ الاسلمة وان ببطء ومراوغة، عن طريق تحريمها للموسيقى ومحاربة السينما والمسرح والفنون الاخرى كالرسم والنحت والتضييق عليها، وتفجير العديد من محال بيع المشروبات الروحية وقتل اصحابها، وفرض الحجاب في المدارس والجامعات واماكن العمل عن طريق امتهان كرامة المرأة غير المحجبة ومحاولة الفصل بين الجنسين في الجامعات والمعاهد. بل وصل الامر الى منع سيرك للاطفال بحجج مضحكة كما حدث في البصرة قبل اعوام والتي كللتها بتحريم الغناء في صالات الاعراس ومنعها للمهرجانات الفنية كما حصل لمهرجان بابل. وفي تقليد لا يوجد الا في العراق فان المواطنين واثناء مراجعاتهم لدوائر الدولة اليوم يخاطبون الموظفين بكلمة “حجي” بدلا عن كلمة استاذ التي كانوا يستخدمونها، قبل ان يحل علينا الطاعون الاسلامي بعد البعثي كضيف ثقيل نهب البلاد والعباد وجعل العراق كعصف مأكول وليتبدل اللباس الزيتوني وكلمة سيدي الى “محبس” وكلمة مولاي.

ان اسلمة المجتمع هي الهدف الاسمى للاحزاب الاسلامية الطائفية في العراق ويكذب من يقول انها لا تسعى لذلك والا لم تكن احزابا اسلامية طائفية اطلاقا. والسعي للوصول الى هذه الغاية تتطلب من ضمن مطالب عديدة التضييق على الحريات الشخصية “حق يكفله الدستور” باسم الاسلام والعادات والتقاليد وتضييق مساحاتها “بقوة المليشيات المرئية وغير المرئية”، مقابل اطلاق العنان لجماهير هذه الاحزاب من مزاولة جميع طقوسهم “حق يكفله الدستور ايضا” بحماية الدولة بكل مؤسساتها الامنية والمالية والاعلامية وتسخيرها لهذا الغرض. حتى وصل الامر باعلان منع التجوال قبل قيام القوى العلمانية باية تظاهرة وقمعها عسكريا واعلاميا بعد ربطها بنشاطات البعث الفاشي والتضييق عليها بل ومنعها احيانا، مقابل منح القوى الاسلامية المدعومة من قبل الحكومة كامل الحرية في التظاهر في الوقت والمكان الذي يحددونه، واحيانا يصل الامر باستقدامهم “متظاهرين” من مناطق بعيدة ليفرقوا تظاهرة للعلمانيين بالاسلحة الباردة والعصي كالتي فعلها متظاهرون مدعومون من قبل حكومة المالكي والقادمون من مدينة كربلاء ومهاجمتهم للمتظاهرين في ساحة التحرير مما خلّف عشرات الجرحى.

ان مهاجمة المالكي للعلمانية والحداثوية خلال كلمته في احتفالية بمناسبة الذكرى ال32 لاستشهاد الصدر عقدت بمدينة النجف في نيسان الماضي، واعتبارهما اضافة للماركسية والالحاد من الاسس التي عمل ويعمل حزبه على المضي في محاربتها تعتبر ترجمة حرفية لهدفه “المالكي” وحزبه نحو بناء الدولة الدينية الثيوقراطية والتي لم يأتي بها الدستور، الذي يريد المالكي اليوم الرجوع اليه بعد تصاعد الاصوات التي تنادي بعزله واستبداله بآخر من تحالفه “على الرغم من فهمنا لعدائه للماركسية والالحاد آيديولوجيا”. كما ويعتبر حديثه الآنف الذكر ترجمة لما يدور في رأس اي رجل دين بغض النظر عن طائفته، وهذا ما جاء به الحائري الذي دخل على خط الازمة العراقية من مقر اقامته في مدينة قم الايرانية ليصدر فتوى تحرم سحب الثقة عن المالكي، ويا ليته لو توقف عند هذا الحد بل نراه يتمادى في محاربته لقوى سياسية عراقية “خدمة لاجندة ايرانية” عديدة مساهمة في العملية السياسية كالاكراد والقائمة العراقية وكل الديمقراطيين بتحريمه التحالف معهم من قبل القوى الاسلامية لانهم علمانيون. ناسيا او متناسيا من ان الحكومة التي يقودها الشيعة اليوم لم تكن بمقدورها ان تتشكل لولا اتفاقهم مع العلمانيين “الكفرة”هؤلاء الذين يدعو لمحاربتهم اليوم، ومتناسيا ايضا انه لولا العلمانيين المتمثلين بالحكومات الاوربية و “شيطان بزرگ “حسب الاعلام الايراني اي الولايات المتحدة الامريكية وحربهم واحتلالهم للعراق لما كانت هناك حكومة عراقية تدين بالولاء لنظام طهران وقم، ولا احزاب وكتل سياسية عراقية تدين بالولاء للرياض وانقرة والدوحة وغيرها من العواصم التي تعمل مجتمعة ومنفردة على اذلال العراق والعراقيين، ولكان المجرم صدام حسين وحزبه الدموي لازالوا في السلطة والمعارضة منقسمة على نفسها كما اليوم بعد ان بدأ الوطن يتلاشى ككيان مقابل طائفيتهم وقوميتهم.

هل يعرف الحائري هذا اننا شعب لم نستفاد من اموال النفط التي وصلت عائداتها في عهد ابناءه الاسلاميين الى ما يتجاوز ال 500 مليار دولار لليوم، ولماذا لا يفتي بحرمة سرقتها وهي اموال الفقراء ومنهم ان لم تكن غالبيتهم بحكم الكثرة العددية من الشيعة؟ واين هو هذا الحائري من مسألة الخدمات ونقصها ومعاناة العراقيين اليومية بسببها؟ ولماذا لا يفتي الحائري هذا بتحريم الرشوة والتزوير والغش التي تمارسها السلطة في العراق؟ ولماذا لا يطالب الحائري هذا من ابناء جلدته بعدم قطع المياه عن الانهر العراقية وقتل الارض العراقية عطشا والتوقف عن ضخ المياه الثقيلة الى شط العرب وتحويله الى مبزل لدولة ولي الفقيه؟ اننا لا نملك ايها الحائري في عهد ابنائك الذين يحكمون البلد اليوم مدارس ومستشفيات ولا ماء ولا كهرباء، وانهارت الصناعة، والزراعة في طريقها الى الموت بعد ان اصبحنا نستورد حتى الخضار من دولتكم العليّة وليميل ميزان التبادل التجاري لصالحكم بمليارات الدولارات. وهنا قد يقف البعض من العبيد ليقول ان الحائري لاعلاقة له بتوفير الخدمات وغيرها من مطالب شعبنا لان الامر يعود للحكومة والسياسيين في البلد وهذا الكلام صحيح اذا لم يدسّ هذا الحائري انفه في شأن عراقي بحت، اللهم الا اذا كان يريد ترسيخ الطائفية ومباركتها وهذا ما تعمل الاحزاب الطائفية العراقية على تحقيقه على المدى البعيد كهدف استراتيجي.

ان فتوى الحائري وخطاب المالكي في النجف وتصرفات مجالس المحافظات المنافية للدستور ومحاربتها للحريات الفردية واطلاق العنان لرجال الدين في مصادرة الوعي وتكريس الجهل والتخلف والغيبيات في المجتمع وغيرها الكثير، هي التي عليها ان تجمع القوى الديموقراطية المؤمنة بالدولة المدنية التي ستأخذ على عاتقها بناء مجتمع سوي خال من امراض المحاصصة التي نعيشها اليوم. ان نمو وسعة التيار الديموقراطي للنهوض بدوره الحقيقي والمطلوب منه في هذه المرحلة التاريخية العصيبة من حياة الوطن لم تعد ترفا فكريا كي يتم الحوار والنقاش على اولوياته ومن الذي سيكون في الصدارة. ان سفينة العراق تتجه نحو المجهول بفضل قراصنتها من اقطاب المحاصصة اليوم، والربّان الوحيد القادر على اعادة السفية العراقية الى بر الامان هم الديموقراطيون بوحدتهم وصلابتهم وعملهم لان يكون لهم منبرا عاليا وعاليا جدا، لان التاريخ سيحاسب جميع القوى التي تدّعي الديموقراطية ويكللها بالعار ان لم تبحث عن صيغ جديدة وفعّالة للجلوس الى بعضها البعض من اجل انقاذ الوطن الذي اصبح مهددا بالتشظي اكثر من اي وقت مضى.


واخيرا اود ان اطرح سؤالا في غاية الاهمية على الكتاب الطائفيين او السائرين على خط الطائفية، وخصوصا اولئك الذين ملأوا صفحات الانترنت بمقالات تدافع عن طرف واحد من حكومة المحاصصة على انهم “الوطنيون” الوحيدون في العراق والاخرين ما هم الا عملاء لتركيا والسعودية وقطر وغيرها من دول البدو. ان لماذا يحق لرجل دين ايراني التدخل في الشأن الداخلي العراقي والوقوف الى جانب تيار سياسي ضد آخر، ولا يحق لرجل دين عربي او من اية دولة اخرى التدخل في الشأن السياسي العراقي لصالح تيار سياسي ضد آخر؟ وبكلمة اخرى لماذا يعتبر تدخل الايرانيين في الشأن السياسي العراقي “حلال است” وتدخل الدول الاخرى “حرام است”. ان الوطني الحقيقي هو ذلك الذي يقف ضد الطرفين واتباعهما من السياسيين الذين ينفذون اجندة هذه الدول الرامية الى تفتيت العراق او اضعافه في احسن الحالات، معتبرا كل اشكال التدخل ومن اية جهة كانت “حرام است”.

الوطنية ثوب فضفاض وواسع جدا على الاجسام القميئة.

الدنمارك
6/6/2012