الرئيسية » مقالات » البحث عن الدستور – قراءة في قضايا المستقبل المسكوت عنها

البحث عن الدستور – قراءة في قضايا المستقبل المسكوت عنها

مقدمة

مصر تكتب دستورها الجديد بعد ما يقرب من عام ونصف العام علي ثورة 25 يناير. أنهار جديدة جرت في مجرى الحياة العامة المصرية، قوي جديدة ظهرت، وأخري كانت كامنة عرفت طريقها للظهور، وتيارات تراجعت، ولكن يظل الخلاف حول وضع الدستور الجديد أحد ملامح الأزمة، والجدل، والاشتباك بين القوى السياسية طيلة الفترة الماضية، ولا يزال قائما حتى كتابة هذه السطور.

ومما يلفت الانتباه أن الدستور هو الحاضر الغائب في النقاشات الحالية، الكل يتحدث عنه، وقد يتطرق النقاش بشكل استقطابي إلي العلاقة بين الدين والدولة، أو يتعرض بشكل هامشي لأنظمة الحكم التي تصلح لمصر، هل هو النظام الرئاسي أم البرلماني أم المختلط؟ في كل ذلك الفكر الدستوري الحديث غير حاضر في النقاش، والقوالب الجامدة هي التي تهيمن على النظرة للدستور، دون إيلاء أهمية إلى الطفرة الكبرى التي حدثت في هذا الصدد على مدار العقود الماضية، بل دون النظر إلي التحولات الشاملة التي حدثت في عالمنا المعاصر في التكنولوجيا والمعاملات والمفاهيم.

آثرت أن أطرح عدد من القضايا التي يتعين التفكير فيها بجدية عند وضع الدستور، لأنه لا يستقيم أن يظل النقاش حول مضمون الدستور غائبا أو مغيبا علي مدار شهور، كان ينبغي أن تتوهج بالنقاشات والحوارات، وتحفل بالمداخلات والمناظرات حول الدستور الجديد. لم يحدث هذا، كل ما دار من نقاشات وخلافات لم تبرح الحديث عن تكوين لجنة وضع الدستور، أو الانخراط في نقاشات استقطابية مباشرة مثل العلاقة بين الدين والدولة.
في هذا المقال المنشور في كتيب، رقيق الحجم أطرح علي القارئ والمتخصص علي السواء عدد من القضايا التي ينبغي أن يتضمنها الدستور الجديد، بصرف النظر عن نظام الحكم أو طبيعته، قضايا مسكوت عنها إلي الآن في النقاش حول الدستور، نطرحها انطلاقا من وعي بالتحديات الآنية، وإدراكا بأهمية أن تستلهم مصر خبرات دول أخرى استطاعت أن تحرز تقدما في مجال الفكر والممارسة الدستورية. المسألة ليست في “استيراد نماذج”، ولكن في الانفتاح والتفكير الجيد، والتفاعل مع المتغيرات الحديثة، فالدستور هو نتاج مجتمع معين، في مرحلة زمنية معينة، في ضوء تحديات ومتطلبات معينة، وهذه لحظة فارقة في تاريخ مصر والعرب، وفرصة سانحة لأن تسهم في طرح رؤية دستورية تتماشى مع الزمن، ومع آفاق المستقبل.

أطرح ما لدي من أفكار، وأتمني أن تخرج مصر من مخاض مرحلتها الانتقالية التي تعيشها بدستور جديد يرسى الحقوق، ويدعم الحريات، ويحافظ علي التوازن بين السلطات، يأخذ بين طياته الجديد في الفكر الدستوري وكذلك الواجب التفاعل معه من الثورة العارمة في العلاقات الدولية،وفي تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، وفي فهمنا لعلاقة الإنسان بالبيئة، وغير ذلك في ضوء رؤية نقدية متكاملة تري مصر في آفاق المستقبل.

د. إسماعيل سراج الدين
مايو 2012


(1)
حتمية الدستور الجديد

تبلورت في الفترة الأخيرة اتجاهات كثيرة بشأن الدستور. بعضها يتحدث عن إحياء دستور 1971م، مع إجراء تعديلات عليه خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية، القضائية. والبعض الآخر يطالب بوضع دستور جديد، تستغرق عملية صنعه وقتا مناسبا، المهم أن يستلهم الدستور كل ما هو جديد في الخبرات الدستورية المعاصرة، بل ونضيف إليها، ولا ينحصر فقط في الخبرات التقليدية المتوارثة التي تجاوزتها الأمم الحديثة.

في تقديري أنه لا مفر من أن تضع الأمة المصرية دستورا يتناسب مع طبيعة اللحظة التي تعيشها، وهي الرغبة في الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، التنمية، الكرامة الإنسانية، وهي جميعا في صلب المطالب التي احتضنتها ونادت بها الثورة المصرية، وجاء الوقت كي تجد طريقها إلي الدستور، ليس علي نحو “نمطي” أو “شكلي تقليدي”، ولكن من خلال رؤى مبتكرة حديثة تتناسب مع عالمنا المتغير في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

واقع الحال أن دستور 1971م يحمل موادا عكس ما يتطلع إليه المصريون في هذه الفترة من تاريخهم، فهو يعزز سلطات رئيس الجمهورية – مما يجعله محور النظام السياسي ويهمش بقية المؤسسات السياسية المنتخبة وغير المنتخبة إلي جواره، ويحيل ممارسة الحقوق والحريات إلي قوانين دارت حولها انتقادات قاسية نظرا لأنها أدت إلي تفريغ النص الدستوري من محتواه، وفي ظل هذا الدستور توحشت السلطة التنفيذية علي حساب السلطتين التشريعية والقضائية.

الخلاصة يجب أن يوضع دستور جديد لمصر الجديدة.

هناك مكونات أساسية ينبغي أن يشملها أي دستور جديد، لا تختلف كثيرا عما نصت عليه دساتير الدول الأخرى، نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: هوية نظام الدولة، واستناد شرعية الحكم إلي رضاء المحكومين، واحترام وصون حقوق الإنسان، والتوازن بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولا يكون هذا التوازن في الدستور فحسب وإنما ينبغي أن يتحول إلى “واقع” في الممارسة العامة، ومن أبرز مظاهره: استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية بالإضافة إلى مظاهر أخرى مثل السلطة الممنوحة للبرلمان في إقرار الموازنة، كل بند علي حدة، وكذلك الحق في الموافقة على القروض، وعلى السقف الممنوح لهذه القروض هذا إلى جانب فتح الباب لمشاركة المؤسسات المدنية المعبرة عن المجتمع مثل النقابات والاتحادات والأندية والجمعيات في الحوار المجتمع، وصناعة السياسات العامة.

في هذا المجال يجب التأكد من وجود نمط واضح من العلاقات الدستورية، والتي تضمن قيام كل سلطة من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بدورها في إطار من الاستقلال والتعاون مع السلطات الأخرى، وبما يضمن ويجعل ممارسة السلطة محكوما بضوابط مؤسسية مثل النص علي تحديد مدة زمنية قصوى لرئاسة الدولة، وقصرها في مدتين فقط.

كما أن علينا أن نعي أنه في بعض الأحوال توجد إمكانيات لتحديد وتعطيل العمل بضمانات معينة موجودة في الدستور بما يعطي سلطات أوسع للسلطة التنفيذية. فقد يتضمن الدستور تنظيما لإعلان حالة الطوارئ التي يعطيها سلطات أوسع، أو تعطيل ضمانات الحقوق والحريات الفردية. وهناك أمثلة على تعطيل الحريات حتى في النظام الأمريكي مثلما حدث بعد الحرب الأهلية بل إنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م أخذ الأمر نطاقا أوسع مما سبق خاصة بعد صدور قوانين مكافحة الإرهاب في العديد من الدول ومنها الولايات المتحدة.

ومن ناحية أخرى يعتبر مفهوم التعددية أحد الضوابط الهامة التي تمنع طغيان السلطة السياسية سواء أكانت تعددية حزبية أو تعددية في الآراء السياسية. وبرغم أن ممثل الأغلبية السياسية- أي الحزب أو التحالف الذي يحصد غالبية مقاعد البرلمان في انتخابات حرة نزيهة- هو الذي يجب أن يتولي شئون الحكم إلا انه ينبغي أن يقابل ذلك في أي نظام ديمقراطي حماية حقوق الأقلية، حيث أن الأقلية اليوم يمكن أن تكون أغلبية في المستقبل. وإذا نظرنا إلى التطور التاريخي نجد أن كثيرا من الأفكار التي نعتبرها مسلمات كانت في يوم من الأيام يُنظر إليها على أنها آراء أقلية وآراء متطرفة مثل أن يكون للمرأة حق التصويت، والذي لم تحصل عليه في دول أوروبية إلا في القرن العشرين.

يرتبط العمل بالدستور (وهو قانون القوانين وحاكمها) بمبدأ سيادة القانون في المجتمع، وما يتبع ذلك من تدابير قضائية وتنفيذية تضمن هذه السيادة في مجال العمل القضائي، وتضمن اتساق الإجراءات مع القوانين القائمة Due Process.

من القضايا الأساسية التي يتضمنها أي دستور هي العلاقة بين الدين والدولة، وما يترتب عليها من صراع في كثير من الدساتير ليس بين الدولة والدين ولكن بين الدولة من ناحية ووجود مؤسسة دينية من ناحية أخري، ومن الجدير بالذكر أن العملة الأمريكية حتى الآن مكتوب عليها In God we trust ولذلك فإن الفصل بين الدين والدولة لا يعني إنكار دور الدين في المجتمع أو العمل على تهميشه، ولكن يعني عدم إقحام الدين في أمور السياسة والحكم لأن المجتمع يتكون من أفراد ينتمون إلى ديانات متعددة، ولأن التداخل بين مؤسسات دينية ومؤسسات الدولة يؤدي إلى إضفاء طابع القداسة الدينية على أمور السياسة التي هي بطبيعتها متغيرة ومحل اختلاف واتفاق. وفي مصر شهدنا فصولا من المواجهة والنقاش الساخن حول العلاقة بين الدين والدولة، أو بين الإسلام والحكم، مما جعلها في بعض الأحيان القضية الأساسية والمحورية في النقاش علي حساب قضايا أخري آراها بالغة الأهمية عند التفكير في الدستور الجديد، ومن ثم نرى حلا لهذه الإشكالية، وإغلاقا لهذا الباب الذي ظل مواربا علي مدار عقود من الجدل السياسي، أن نستند إلي النص التوافقي الذي خلصت إليه وثيقة الأزهر الشريف حول مستقبل مصر التي صدرت في منتصف يونيو 2011م، والذي خلص إلي أن المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسى للتشريع، بما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية فى قضايا الأحوال الشخصية.

إذا نظرنا إلى القضايا سالفة الذكر وقارناها بما ورد في دستور 1971م، والذي يراه البعض نقطة البداية في وضع الدستور الجديد، نجد أن هناك نصوصا تجاوزها الزمن، مما يستوجب طي صفحة هذا الدستور برمته. وفي الأمم الحية النابضة، ورغم أنها تمتلك دساتير حديثة، إلا أن ذلك لم يعصمها من محاولات التعديل والتغيير إذا استدعت الضرورة ذلك. فالدستور الأمريكي مثلا دخل عليه 27 تعديلا منذ صدوره، بينما تمارس فرنسا ديمقراطيتها في دستورها الخامس منذ أن أنشأت أول جمهورية فرنسية.

كما يجب أن نراعي أهمية الصياغة في الدستور، فمن الملاحظ أن هناك ثمة نصوص كثيرة في دستور 1971م تتعلق بالحقوق والحريات لم ترق إلى أن تكون حاكمة لواقعنا السياسي والاجتماعي لأنها جعلت ممارسة هذه الحقوق تابعة للقانون، ومن ثم أصبح القانون هو الحاكم الفعلي وليس الدستور، وقد أدى ذلك إلي قوانين مجحفة، ظالمة، ومن ثم انتهكت الحريات خصوصا في الأمور التي تتعلق بمعاملة من يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته. ولذلك فان نصوص مثل هذه يجب أن تتحول إلى واقع، وتمارس دون انتهاك لها. من أمثال هذه النصوص أيضًا تلك التي تتعلق بحرمة المسكن وحرمة الحياة الخاصة وحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية وكذلك عدم سقوط جريمة الاعتداء على الحريات بالتقادم. ولكن وللأسف نجد أن عدداً من الممارسات الفعلية تنال من قدرة المواطن وحقه في التمتع بهذه الحريات. ولذلك فان السؤال المطروح هو كيف نضمن أن تطبق الحريات المنصوص عليها دستوريا في الواقع العملي؟

إذا كان دستور 1971م شمل حقوقا وحريات لم تطبق، فإنه لم يشمل حقوقا وحريات أخرى منصوص عليها في دساتير دول مختلفة. منها على سبيل المثال لا الحصر النص على حق المواطنين في بيئة نظيفة خالية من التلوث وهو موجود في عدد من الدساتير. ورغم التراث الثقافي المصري الغني والثري، والذي يضعها في مقدمة دول العالم امتلاكا للتراث الإنساني، لا يوجد نص في دستور 1971م يحمي الآثار، بينما ورد في دساتير بلاد أخرى مثل الهند، والتي نصت علي المواقع الأثرية والمتاحف وغيرها في دستورها منذ عام 1950.

كذلك لا يوجد في دستور 1971 نص على حق المصريين المغتربين في الخارج في التصويت في الانتخابات والاستفتاءات العامة. وهناك دساتير تحمي حق المواطن الموجود خارج البلاد في المشاركة في التصويت (كما سيرد فيما بعد) وأصبحت الآن هناك مجتمعات من المهاجرين المتجنسين بجنسيات أخرى من المفيد تحديد وحماية حقوقهم في المشاركة.

من المهم أيضًا النظر إلى مسألة تأمين الحريات وهي قضية أساسية وجوهرية. ثمة حريات سلبية يجب النص عليها دون قيد أو شرط مثل مبدأ المساواة أمام القانون، وحرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الإبداع الأدبي والثقافي، وثمة حزمة كبيرة من الحقوق تتبناها كثير من دساتير الدول والتي نجدها موجودة في دستور 1971م، نصوص تكفل الحريات تجعل القوانين مرجعية ممارستها، مما يؤدي عمليا إلي تفريغ النص الدستوري من محتواه.

الخلاصة أن منظومة حقوق الإنسان وحمايتها الدستورية قد تطورت في الآونة الأخيرة، وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على هذه الحقوق في العديد من الدساتير الصادرة بعد سنة 1990 نجد أن العديد من الدساتير تتضمن نصوصا لا تجعل قيودا علي الحقوق السلبية مثل حرية الرأي والعقيدة، وإن وجد قيد فلابد أن يكون منصوص عليه دستوريا مثل دستور كرواتيا والذي يحظر الدعاية للحرب أو الكراهية. ويلاحظ أن الحقوق الايجابية تحتاج إلي تنظيم قانوني تفصيلي يتبع إطار دستوري يحدد أهدافها ومراميها مثل حق الملكية وقوانين البيئة، والملكية الفكرية وحق اللجوء السياسي وتكوين الجمعيات والاطلاع على الوثائق العامة والمشاركة السياسية وحقوق العمال كتكوين النقابات والمساومة الجماعية والإضراب.. الخ. وهو ما يجب أن يشمله الدستور الجديد في مصر.

ومن ناحية أخرى هناك لحظات تحول جذري في كل مجتمع، وعلى ذلك فإن مصر تعيش حاليا لحظة تاريخية حيث أنه على مصر أن تقرر نوع المجتمع الذي ترغب في بنائه والدستور الذي ترغب في صياغته بحيث يعكس خبرات السابقين لكنه يظل مفتوحا على اللحظة التاريخية الفريدة التي نعيشها، والتي نتخيلها بنفس القدر من الشجاعة والخيال والبرجماتية والتشكك الذي مر به الآباء المؤسسين للدستور الأمريكي عندما كانوا بصدد صياغة ذلك الدستور عام 1787م، ولم تكن أمامهم تجارب أخرى.

وإن كنا اليوم نستأنس بتجارب الآخرين، إلا أنه بالطبع لا يمكن أن ننسخ دساتير غيرنا من الشعوب فهي وثائق أنتجتها مجتمعات معينة وقوى وأفكار سياسية معينة في ظل ظروف معينة، خاصة أن هذه الدساتير تختلف في عظمتها وفى فعاليتها، لكنها تعطينا خبرات علينا أن نعيها جيدا خاصة أن اللحظة التاريخية التي تعيشها مصر تحمل إمكانية نادرة لصياغة دستور قادر على مواكبة متطلبات القرن الحادي والعشرين، دستور يناسب عصر الانترنت، دستور يكون نتاجا لثورة الفيس بوك وجيل يعيش عصر العولمة ولديه دراية واسعة بمبدأ المساواة في حقوق الإنسان والشعور بالمسئولية تجاه التفاعل بين الإنسان والبيئة، وهى أبعاد تجعلنا نفكر بشكل مختلف عما كانت عليه الأوضاع في الماضي.


(2)
خبرات في الدستور

من المسلم به أنه يجب علينا، من دواعي الانفتاح علي الثقافات والخبرات العالمية، أن ندرس تجارب الدول الأخرى في كتابة الدستور وممارستها للحياة السياسية في ظل هذه الوثيقة الأساسية، ونحن علي وعي تام بأن كل دستور كتب هو محصلة أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية في بلد معين، في وقت معين، ويعبر عن تطلعات شعب معين في تلك الفترة، كما يعبر عن التيارات الفكرية السائدة في ذلك الوقت.

في معرض الحديث عن الخبرات نبدأ بأقدم هذه الوثائق، وهي دستور الولايات المتحدة الأمريكية حيث أن التجربة الدستورية البريطانية لم تقنن في وثيقة واحدة مثلما فعل مؤسسو الدولة الأمريكية الوليدة.

وتحمل الخبرة الدستورية الأمريكية ثلاثة أبعاد. أولها: تغليب المصلحة العامة علي التمسك بالرأي الأيديولوجي، بما يتضمن بالضرورة الوصول إلي مناطق إلتقاء علي أرضية مشتركة، بما في ذلك الوصول إلي قرارات صعبة. فمثلا اقتنع واضعو الدستور الأمريكي أن التمسك بقضية “الغاء الرق” سوف يؤدي بالضرورة إلي انقسام الولايات الأمريكية ما بين ولايات شمالية ترفض الرق وأخرى جنوبية بني اقتصادها علي الرق. إذا حدث ذلك فكانت بريطانيا في وضع يسمح لها بالأنفراد بكلا منهما علي حدة، وتعيد احتلال الولايات الشمالية والجنوبية. وبالتالي للحفاظ علي استقلال الولايات المتحدة قرر واضعو الدستور إرجاء قضية الرق إلي مرحلة مستقبلية، وأبقوا علي الوضع القائم في الدستور الجديد. وبالفعل أندلعت حرب أخرى بين بريطانيا والولايات المتحدة (1812-1815)، وخلالها استطاعت القوات البريطانية اقتحام واشنطن، واحراق البيت الأبيض ومكتبة الكونجرس. وعند حسم قضية الرق عام 1860 انقسمت فعلا الولايات المتحدة، واحتاج الأمر إلي الحرب الأهلية (1861-1865) لإلغاء الرق، والحفاظ الوحدة الأمريكية، وقنن ذلك في التعديل رقم (13) للدستور الأمريكي. صفوة القول أن المصلحة القومية تقتضي وجود الحلول التي يرتضيها الجميع حتي لو كانت صعبة بالنسبة لطرف أو آخر.

ثانيها: تغليب المصلحة العامة علي التوجهات الفردية، فنجد أن ألكسندر هاملتون كان له مشروع دستور أكثر تركيزا علي السلطة الفيدرالية علي حساب الولايات من مشروع جيمس ماديسون الذي قبلته في النهاية الأغلبية. والمفارقة أن هاملتون، رغم أن مشروعه لم يؤخذ به في نهاية المطاف، لكنه من باب تغليب المصلحة العامة علي التوجه الشخصي عمل بجد واهتمام في سبيل تحقيق المشروع المنافس الذي قدمه ماديسون.

وثالثهما: العمق في النقاش في مضمون الدستور. ويستدعي ذلك أمرين: الأول أن يكون مضمون الدستور محل نقاش معمق بين المفكرين والمتخصصين، يسوده حوار العلم والمنطق، العقلانية والرغبة في المصلحة العامة، ثم يأتي ثانيا الحوار علي المستوي المجتمعي العام، بحيث يكون الدستور محل رضاء وتوافق غالبية المجتمع. وهنا يجب أن نتوقف قليلا أمام مفهوم “غالبية المجتمع”. البعض يعتقد، وقد يكون ذلك صحيح نظريا أن موافقة ثلثي أو ثلاثة أرباع السكان علي دستور ما يجعله نافذا، ولكن يجب أن لا يكون ربع السكان أو ثلثه الرافض متمركز في فئة سكانية أو منطقة جغرافية معينة، لأن هذا يخل بمبدأ أن الدستور هو ما يقنن الوضع الاجتماعي الذي يشمل المجتمع بأسره.

في هذا الصدد أود أن أتوقف أمام المراسلات بين “جيفرسون” و”ماديسون” والتي تكشف كيف يكون النقاش المتعمق بين وطنيين يشغلهما الهم العام. يمكن أن نجد أعظم انجازات العلوم السياسية عند “ماديسون” الذي قال ان المعنى الحقيقي للديمقراطية ليس في أن يسود رأى الأغلبية، نظرا لأن الأغلبية يمكن أن تفرض رأيها على الأقلية بالقوة، ولكن دور الديمقراطية الحقيقي هو حماية الأقلية من طغيان الأغلبية. ما نقصده بالأغلبية أو الأقلية هو أغلبية الرأي وأقلية الرأي، حيث ينبغي أن يُسمع رأي كل الأطراف، الأغلبية والأقلية علي السواء دون تهميش لأحد.

ومن الملاحظات الفريدة أيضا في الرسائل المتبادلة بين جيفرسون وماديسون أن إحدى الرسائل تناولت مسألة الحدود الأقصى لتولي الرئاسة، وفي ذلك قال جيفرسون “إذا لم توضع حدود أقصي لمرات رئاسة الدولة فأنه سوف يعاد انتخاب الرئيس، ويصبح رئيسا مدى الحياة” وقد كان “جيفرسون” يمتلك في ذلك نظرة ثاقبة في وقت لم يكن أحد يتحدث فيه عن تلك الأمور. والسؤال لماذا لم يظل رئيس في الحكم مدي الحياة في الولايات المتحدة؟ السبب يرجع إلى عبقرية “جورج واشنطن” وانضباطه الشديد، حيث كان بإمكانه أن يصبح ديكتاتورا او ملكا أو قيصرا ولكنه اختار أن يكون مزارعا، ويعود إلي منزله مكتفيا فقط بفترتين رئاسيتين.

استمر هذا النمط لمدة 150 عاما حتى قرر “فرانكلين روزفيلت” في الثلاثينيات من القرن العشرين بأن يترشح لفترة رئاسية ثالثة ووقف أمامه الكثيرون وقالوا له: “كيف تجرؤ على فعل ذلك” فقال هو: “أروني نصا في الدستور يمنعني من ذلك”! بالطبع فان “روزفيلت” أنتخب لفترة رئاسية ثالثة ثم رابعة لكنه توفى بعد شهر ونصف الشهر من ولايته الرابعة لكن مع ذلك فقد انتخب أربع مرات وربما كان سٌينتخب أكثر إذا عاش عمرا أطول، لكن الولايات المتحدة بعد ذلك أدخلت التعديل رقم (22) علي الدستور والذي جعل تولى الرئاسة لفترتين فقط.

من القضايا أيضا التي شملتها الحوارات بين “جيفرسون” و”ماديسون” مسألة الديون الحكومية، والنظرة العميقة للمستقبل. ذهب جيفرسون إلي وجوب الحد من الديون بعيدة المدى حتي لا يضطر مواطنون في المستقبل أن يدفعوا ضرائب لسد ديون لم يكن لهم صوت أو رأي في اتخاذ قرار الاقتراض ذاته، ولكن بفضل عبقرية “ماديسون” المعهودة فقد رد قائلا: “هناك أشياء كثيرة ستصل فوائدها إلى أجيال قادمة من المواطنين وستستغرق وقتا لكن يجب أن يتم سدادها الآن” وأعطى مثالين على ذلك الأول هو التعليم وقال في ذلك بأنه “إذا اقترضنا أموالا لبناء مدارس يتعلم فيها- تلاميذ اليوم- دافعو الضرائب في المستقبل أليس من العدل أن يسددوا قيمة التعليم الذي حصلوا عليه؟ بل أكثر من ذلك قال: “ألا يجب على دافعي الضرائب في المستقبل والذين يتمتعون بحقوق المواطنة في هذه الجمهورية العظمى أن يدفعوا تكلفة حرب الاستقلال التي منحتهم حق المواطنة؟”.

ما أريد قوله أن مصر تعيش اليوم تجربة فريدة، علينا أن نرى أنفسنا فيها بنفس الطريقة التي رأى فيها “ماديسون” و”جيفرسون” وزملاؤهم في الولايات المتحدة في عام 1787، وما رافق هذه التجربة من نقاش منفتح ومعمق علي مستوي الفكر، ثم النقاش المجتمعي الموسع، والمشاركة السياسية.

بالتأكيد فإن لدي مصر تجربتها الدستورية الخاصة، حيث يعود أساس القانون الدستوري إلى عام 1866 وهو أول برلمان منتخب في هذا الجزء من العالم، وتطورت الخبرة الدستورية المصرية بوضع دستور يقوم علي النظام البرلماني الليبرالي عام 1923 والذي صاغه ثلاثون من صفوة المجتمع. في أعقاب ثورة 1952، وضع مشروع دستور عام 1954، لم ير النور، ثم صدر دستور 1956م، عقب ذلك بعامين انتقالنا إلى الوحدة مع سوريا، والتي أدت إلى ظهور الجمهورية العربية المتحدة. علي إثر ذلك وضع دستور 1958م. فى عام 1961 أخذ الرئيس جمال عبد الناصر منعطفا ناحية المعسكر الاشتراكي، وصدر ما أطلق عليه الميثاق الوطني، وبعدها وضع عام 1964م دستور مركزي بدرجة كبيرة تعرف فيه الدولة بأنها تمتلك كل أدوات الإنتاج، وأنتهي الأمر بوضع دستور 1971م، ذي الطابع الشمولي، والذي تعرض للتعديل عدة مرات إلي أن سقط مع ثورة 25 يناير 2011م، وبالتالي فإن وضع دستور جديد مسألة حتمية وأساسية لبناء أركان نظام ديمقراطي جديد.

يمكن بالطبع التعلم من الخبرات السابقة، لكن في الوقت نفسه يجب أن نتخيل لحظتنا الفريدة في مصر ونحن الآن في عصر تغير فيه العالم في الثلاثين سنه الأخيرة أكثر مما يتخيل أي شخص، عوالم جديدة ظهرت. عالم الانترنت عالم الفيس بوك عالم العولمة عالم التجارة العالمية والاتصالات وعالم الانهيارات المالية التي رأيناها تحدث عامي 2007 و2009. عالم معقد من التكوينات والعلاقات الدولية من الكيانات والمنظمات الحكومية المتعددة. عالم يشارك بعضه البعض رؤى لقيم مشتركة كحقوق الإنسان والاهتمام بالبيئة وتحولات أخرى كثيرة.

والسؤال الذي يلح علينا الآن: في عالم كهذا هل علينا فقط أن نقلق بخصوص ما إذا كنا نريد أن نتبنى نظاما برلمانيا مثل انجلترا أم نظاما رئاسيا مثل الولايات المتحدة أم رئاسيا معدلا مثل الجمهورية الخامسة الحالية لفرنسا أو نظام فيدرالي مثل ألمانيا والولايات المتحدة والهند أم نظام غير فيدرالي؟

يجب أن نعترف أننا نعيش في عالم مختلف، وهذه هي فرصتنا في أن نقوم بشيء لم يقم به الآخرون، وأن نعيد التفكير في الأسس وفى المعطيات الأساسية التي تناولها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة عند صياغتهم للدستور حيث قالوا منذ أكثر من مائتي عام: “نحن شعب الولايات المتحدة”. لم يقولوا: “الولايات المتحدة” لكنهم قالوا: “شعب الولايات المتحدة”، ذلك لأنهم أرادوا أن ينشئوا نظاما يستمد شرعيته من المواطنين وليس من حكومات الولايات المختلفة، يشعر المواطنون بأنهم صناعه، وان “يقيموا العدالة، وان يحققوا الأمن القومي والدفاع المشترك، وان يطوروا نظامهم الاجتماعي العام، وان يضمنوا الحرية لأنفسهم ولأحفادهم”. إذا عدنا إلى تلك العبارات فما نوع الدستور الذي يجب أن نفكر فيه نحن المصريون- الشعب مصدر السلطات- في هذه اللحظة من القرن الحادي والعشرين؟

في الصفحات التالية أطرح عددا من القضايا “المسكوت عنها”، التي يحتاج المصريون إلي تضمينها في الدستور الجديد بصرف النظر عن شكل نظام الحكم الذي سوف تستند إليه، رئاسي أو برلماني أو مختلط. واللافت للنظر أنه في خضم الحديث الممتد، والساخن، والملتهب حول الدستور الجديد، واللجنة المنوط بها وضع الدستور، لم نر نقاشا معمقا حول قضايا مهمة ينبغي تناولها في الدستور الجديد، بل كل ما لاحظنا هو نقاشات استقطابية معتادة، ورغبة في الركون إلي التصورات والأفكار المتراكمة علي مدار عقود، دون التطلع إلي ما يجري حولنا في العالم، والذي يظن البعض أنه بعيد عنا، في حين أنه قريب للغاية.


(3)
التفكير خارج “الصندوق”

نحن نضع دستوراً في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كيف نفكر في الدستور؟ هل نستلهم دساتير سابقة جاءت في عصر غير العصر، وتصدت لمشكلات غير المشكلات الآنية، وانشغلت بتطلعات إلى مستقبل غير ذلك الذى نتطلع إليه؟

إنني أفضل أن أطرح على القراء، والقوى والحركات السياسية، والفقهاء الدستوريين بعضا من الأفكار والقضايا، المسكوت عنها في الحوار حول الدستور المقبل، توضح كيف أن الفكر الدستوري بحاجة إلى التفكير خارج «الصندوق»، والنظر بشكل أكثر رحابة إلى مستقبل لم تتضح معالمه، ولم تظهر قسماته بعد. وسوف تلاحظون، أن ما أطرحه من أفكار يمكن أن يطبق في ظل أي نظام حكم، برلماني أو رئاسي أو مختلط، مركزي أو مفرط في صلاحيات المحليات، لا يهم، لأن هذه الأفكار تمثل علامات للتوجه المستقبلي، لا يصح أن يتغافلها واضعو الدستور في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

■ القضية الأولى: المواطنة. لأول مرة على مستوى العالم، الذى يبلغ عدد سكانه ٧ مليارات نسمة، هناك ما يقرب من ٣٪ من المغتربين، أي الذين يحملون جنسية دولة، ويعيشون لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية في دولة أخرى. في السابق، كما شاهدنا في الهجرات الأوروبية للولايات المتحدة تنقطع صلة المهاجر بوطنه الأصلي، وهو ما لا يحدث الآن في أحيان كثيرة، حيث يظل حضور «المجتمعات المهاجرة» في السياسات الخاصة بالأوطان التي هاجروا منها ملحوظا ومتنامياً. هنا يصبح من الضروري إعادة التفكير في مفهوم «المواطنة»، وعلاقتها بالزمان والمكان والميلاد، والجنسية والتجنس وازدواج الجنسية، وغير ذلك من الأسئلة، وما قد يترتب عليها من أسئلة فرعية: هل يكتسب الشخص جنسية الدولة لميلاده على أراضيها؟ أم لميلاده من أب وأم أو أي منهما يحمل جنسية الدولة؟ ما الموقف من التصويت في الانتخابات؟ إذا كان هذا الأمر مقرراً لحملة الجنسية المصرية في المهجر حتى إذا كانوا مزدوجي الجنسية، فماذا عن أبنائهم في المهجر، الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين.. إلخ؟

■ القضية الثانية: المجتمع المدني، حيث لا يزال لدينا التعريف الكلاسيكي للسلطات الذى قدمه مونتسيكو في القرن الثامن عشر، وهو التفرقة ما بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. الآن يتشكل المجتمع الحديث في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من سلطات أخرى إلى جوار السلطات الثلاث، ومنها مثلاً المجتمع المدني، الذى تنامى كما وكيفا، وأصبح طرفاً رئيساً في صنع السياسات العامة محلياً وإقليمياً ودولياً. خذ مثلاً الأمم المتحدة، رغم أنها تقوم على مفهوم السيادة للدولة بمعناه الكلاسيكي، إلا أنها لم تعد تستطيع أن تعقد قمة دولية لممثلي الدول دون عقد قمة موازية لمنظمات المجتمع المدني. وهناك منظمات غير حكومية دولية- مثل المنظمات البيئية العالمية ومنظمات حقوق الإنسان والشفافية الدولية- أصبحت لها قوة تأثير عبر الحدود وعلى الحكومات، وتتخطى مفهوم السيادة بمعناه التقليدي من حيث السيطرة على بقعة جغرافية وسكانها من خلال تداخلها مع المنظمات غير الحكومية المحلية.
وإذا كنا من ناحية أخرى نرجو تعزيز الديمقراطية في المجتمع المصري، وغيره من المجتمعات العربية، فلا مفر من تدعيم منظمات المجتمع المدني، خاصة في ضوء الدراسات الكثيرة المتعاقبة التي أثبتت كيف أن انتشار الديمقراطية يرتبط بتمدد هذه المنظمات كما وكيفاً. فلا يجوز أن يركز الدستور على السلطات الثلاث وتوصيفها وتحديد العلاقات بينها، بينما يترك المجتمع المدني لينظمه قانون تحت سيطرة وزارة واحدة من السلطة التنفيذية.

■ القضية الثالثة: الإعلام. هناك مقولتان سادتا الإعلام. مقولة اشتراكية ترى ملكية الدولة لوسائل الإعلام، ومقولة أخرى نقيضة لها ترى ترك الإعلام لملكية القطاع الخاص، يخضع لتقلبات السوق، ويقدم ما يرتئيه ملاك الوسيلة الإعلامية. قد نجد أنفسنا في موقف الرفض للاثنتين معاً. لابد من تفكير مختلف، والبحث عن صيغة جديدة للتعامل مع الإعلام الذى بات تأثيره يتخطى المفهوم التقليدي لسيادة الدولة، ونحن الآن في عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة، وإذا كنا سوف نضع دستوراً لمصر لعقود تالية، فلابد أن نفكر جدياً في صيغة جديدة للتعامل مع الإعلام، جديده وقديمه، الإعلام الجديد والإعلام التقليدي، فمن كان يمكن أن يتصور منذ عشر سنوات الدور الذى تلعبه الآن مواقع التواصل الاجتماعي «الفيس بوك» و«التويتر»؟ وماذا سيأتي من وسائل جديدة في هذا الإعلام الجديد في السنوات المقبلة لتلعب مثل هذا الدور التأثيري الهائل، الذى أدى إلى إشعال ثورات؟ كل ذلك يهز المفاهيم التقليدية في الدستور. هناك مثلاً اليوم من يطالب بأن يصبح «الحصول على الإنترنت» حقاً من حقوق الإنسان يضاف إلى طائفة الحقوق المدنية. السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الواردة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كيف يمكن أن نضع دستوراً في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين دون أن نستشرف قضايا وإشكاليات على هذا النحو، ولن يفيد العودة إلى الدساتير السابقة في استلهام حلول لهذه الإشكاليات.

■ القضية الرابعة: الفكر البيئى، الذى أصبح مؤثراً على المستوى الكوني، منذ مؤتمر «ريو دي جانيرو» عام ١٩٩٢، ومن الطبيعي أن يعرف طريقه إلى دساتير الدول المختلفة. نجد إشارات على ذلك في دستور جنوب أفريقيا الذى وضع فى عهد الرئيس نيلسون مانديلا في الحديث عن المياه والغابات، لكنه لم يقدم تصوراً متكاملاً للتعامل مع البيئة. يطرح الفكر البيئى قضية مهمة هي مسؤولية الأجيال الحالية تجاه الأجيال المستقبلية، والمسؤولية تجاه كوكب الأرض، وكل الكائنات الحية به. هذه التصورات لم تكن موجودة من قبل. في الدساتير السابقة كانت الأجيال الحالية تنظم الأمور من وجهة نظرها، وفى يقينها أن الأجيال المستقبلية سوف تمضى على نفس المسار.

■ القضية الخامسة: الإدارة المشتركة للموارد. حتى الآن لا يزال هناك التصور التقليدي السائد بأن الدستور ينطلق من، ويؤكد على، السيادة المطلقة للدولة على منطقة جغرافية معينة، ولكن هذا التصور، فضلاً عن أنه يتعرض لتحد حقيقى من جانب المجتمع المدني والإعلام، وكلاهما أصبح يتداخل مع قوى عالمية وغير قابل لهذا التحديد الجغرافي التقليدي، كما سبق الحديث، فإن هذا التصور الجغرافي يقف حائلاً أمام الإدارة المشتركة للموارد، وهو أمر لا غنى عنه في العصر الحديث، وسوف يزداد مستقبلاً لمواجهة التحديات، مثال على ذلك قضية مياه النيل، لن يمكن حلها دون تعاون مع دول حوض النيل.

■ القضية السادسة: إشكاليات في التعامل الواقعي مع تطبيقات المفاهيم المطلقة المجردة مثل الحرية والمساواة والعدالة. أظن أنه من المفيد حين نضع دستوراً في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أن نرصد الإشكاليات التي مرت بها الدول الديمقراطية خلال الخمسين أو الستين عاما الأخيرة من عمرها، في محاولتها لتطبيق أنظمة تضمن تحقيق هذه القيم النبيلة، ومنها مثلاً التعامل مع الحرية والمساواة والعدالة. الأصل الذى تأخذ به الدساتير أن المواطنين سواء أمام القانون بصرف النظر عن الاختلاف في اللون أو الدين أو الجنس أو العرق أو ما شابه. هذا هو المبدأ الأساسي، ولكن هناك من يرى أن الناس لا يتمتعون- واقعياً- بالمساواة لأسباب عديدة منها فسيولوجية، واجتماعية، وتتصل بالمواهب والمهارات والذكاء الخاص بكل شخص.

وبالتالي المجتمع لم يعد مجتمعاً عادلاً، بمعنى من المعاني. حل هذه الإشكالية استغرق نقاشات وطرح أفكار منها- على سبيل المثال- مفهوم «الحصة في المقاعد البرلمانية» أو ما يطلق عليه «الكوتة»، وهو اختراع لتعزيز تواجد وتمثيل الفئات المهمشة. قد يقول البعض إن ذلك يخل بمبدأ المساواة أو الحرية (فيقيد حريتي كرجل أن أترشح على مقعد في كوتة المرأة)، ولكن من ناحية أخرى يعزز هذا الإجراء مبدأ العدالة، بشرط أن يكون اللجوء إليه مؤقتاً حتى تتعادل مرة أخرى دفتا الميزان في المجتمع، أي يجب إعادة النظر في الموضوع في مدي زمني محدد أقترح أن يكون من خمس إلي عشرة سنوات.

من هنا في الحالة المصرية يجب أن نجرى بحثاً دقيقاً لمعرفة الفئات المهمشة، ونضع من الحلول ما يساعدها على التمكين السياسي والاجتماعي، والتمثيل الأفضل في المجالس المنتخبة. هذه ليست قضية أيديولوجية، لكنها تتعلق بالخريطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات، وقد يكون الآن ملائماً إعادة النظر في تخصيص نصف مقاعد البرلمان على الأقل للعمال والفلاحين، والبحث في فئات أخرى أقل حضوراً، وتمثيلاً، وأن يكون في الدستور فكر في المعايير التي يحسن أن يراعيها المشروعون عند البحث عن توافق بين القيم النبيلة التي لا يختلف عليها اثنان في صورتها المجردة المطلقة.

(4)
الاقتصاد بين آليات السوق ودور الدولة

في إطار الجدل حول الدستور الجديد يثور حديث، أحسبه غير متعمق علي صعيد الفكر الدستوري، وهو أن هناك ما يشبه التوافق علي الأبواب الأولي من دستور 1971 المٌلغي، وأن النقاش سوف ينصب فقط علي الباب الخامس الذي يتناول سلطات الحكم التنفيذية والتشريعية والقضائية. ونسي كثيرون أن في الأبواب الأولى ما يستحق النقاش المعمق مثل الباب الثاني، الذي يصف المجتمع الذي يهدف الدستور إلي تحقيقه وحمايته ويتعرض في فصله الأول إلى الأبعاد الاجتماعية وفي فصله الثاني إلي المقومات الاقتصادية، وهي في رأيي تحتاج إلي نقاش جاد في نقاط عديدة مثل النظام الاقتصادي ودور الدولة فيه، والعلاقة بين المال والسياسة، التي تعد من القضايا الملتهبة التي شكلت أحد ملامح أزمة النظام السابق، وكنت ولا زلت أتصور أنه ينبغي أن تنال من النقاش ما تستحق.
سوف أبدأ بتبديد “وهم” يسود بعض الكتابات أن النظام الرأسمالي والديمقراطية وجهان لعملة واحدة، وهو غير صحيح علي الأطلاق. النظام الرأسمالي هو نظام اقتصادي يتماشى مع أنظمة سياسية مختلفة. الأمثلة علي ذلك كثيرة. هناك نظام رأسمالي في كل من السويد (دولة ديمقراطية اجتماعية)، والولايات المتحدة (دولة ديمقراطية تنحاز للأغنياء)، وشيلي في عهد أوجستو بينوشية (أوتوقراطية يمينية)، والصين (أوتوقراطية يسارية). وإذا كانت الرأسمالية يمكن أن توجد في ظل أنظمة سياسية مختلفة التوجهات من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار، فإنه من الخطأ الظن بأن هناك اقتصادا رأسماليا واحداً أو أن الرأسمالية لا توجد بها مشكلات أساسية خاصة في ظل غياب النقد الذي كان يوجه لها من خلفية اشتراكية. ولم يترتب علي تداعي الأنظمة الشيوعية إعلان شفاء الدول الرأسمالية من الكثير من المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها. وإنني من بين من يعتقدون، وكتبت في هذا منذ وقت مبكر، أن هذه المشكلات ليست ثمنا طبيعيا ينبغي أن ندفعه من أجل إقامة اقتصاد قوي. إذ برغم أن النظام الرأسمالي من الأنظمة التي أطلقت انتاجية وإبداعا عبر مسيرته، إلا أنه ليس محصنا من النقد، وهناك انتقادات تبلورت في إطار المجتمع الحديث الذي يقوم علي المعلومات، وبعض الانتقادات الجادة تصدت إلي الحاجة الماسة إلي تحقيق التوازن في النظام الرأسمالي للحد من زيادة عدم المساواة والتهميش والفقر، التي لا مفر منها إذا تُرك النظام الرأسمالي ليتوحش دون ضوابط.
صفوة القول أن الآخذ بالنهج الديمقراطي سياسيا، يجب أن يشمله تحديدا لقضايا اقتصادية أساسية في الدستور، حتي لو كان الاختيار – كما يبدو من ظاهر البرامج السياسية والاقتصادية للأحزاب القائمة، بما في ذلك الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، رأسمالي التوجه. فالدعوة إلي الاقتصاد الحر دون ضوابط هي دعوة مستترة “للتوحش الاقتصادي”. ولذلك عند وضع دستور جديد ينبغي أن نستقر علي فلسفة تتعلق ببنية الدولة ذاتها، وطبيعة المحددات التي تحكم العلاقة بين الحكومة والمجتمع وآليات السوق، وما يتمخض عنها من قضايا تفصيليه يحتاج حسمها إلي رؤية واضحة نابعة من فلسفة دستورية.
هذه بعض من القضايا التي يمكن النظر فيها في هذا السياق.
■ القضية الأولى: دور الدولة وآليات السوق: نريد أن يصف الدستور المجتمع والدولة في مصر، وليست الرأسمالية توصيفا مقبولا، لأنه يجب وضع ضوابط تشغيل آليات السوق. نادى آدم سميث- مؤسس علم الاقتصاد الحديث- منذ أكثر من مائتين وثلاثين عاما بأهمية تنظيم ورقابة السوق والمعاملات المالية والبنوك. الاقتصاد الحر التنافسي ينبغي أن يقوم علي دولة قوية، وقوانين صارمة ضد الاحتكار ولحماية الملكية المادية والفكرية، ولضمان الشفافية في إدارة البورصة، والحد من المضاربات التي تستخدم من أجل المضاربة فحسب، وحماية حقوق المواطنين والمستثمرين الصغار، وتمكين مؤسسات العدالة. يتطلب الأمر أن تنظم البورصة العرض، في حين يراقب جهاز حكومي متخصص المعاملات، كل ذلك يحتاج إلي قوانين صارمة نابعة من إطار دستوري يعززها بتأكيده على أهمية التوازن بين مؤسسات الدولة وآليات السوق، بحيث لا تطغى الدولة علي السوق، ولكن تنظمه بما يضمن التنافسية.
■ القضية الثانية : السياسة النقدية: أحد القضايا الأساسية في الاقتصاد الحر هي تحقيق استقلالية البنك المركزي بعيدا عن التدخل الحكومي، لما له من دور في رقابة البنوك، وضبط الاحتياطي النقدي بها حتي لا نجد أنفسنا في وضع يتحول فيه الإفراط في الإقراض إلي فشل نظامي مثلما حدث في الدول الغربية عامي 2007 و2008م، مما أستدعي تدخل الحكومات، نظرا لأن غياب دورها الرقابي علي البنوك أدى إلي هذه الأزمة التي لم تشف منها بعد كثير من الاقتصادات الغربية.


■ القضية الثالثة:سياسة الموازنة العامة وأولوياتها: هناك مسئولية تقع علي عاتق البرلمان والحكومة في تمويل المشروعات ذات النفع العام. وقد قال -آدم سميث- أن الرأسمالية تقوم علي ما سماه “باليد الخفية”، التي تحرك معاملات الرأسماليين العاملين بالسوق التنافسية نحو ما فيه الكفاءة والمنفعة العامة، ولكن لا يتوقع أن يقوم القطاع الخاص بإنتاج ما يطلق عليه “السلع العامة”، Public Goodsأو “المنافع العامة”. الدولة هي المسئولة عن إقامة وصيانة المؤسسات العامة، أو التي تقدم المنافع العامة، لأنه القطاع الخاص الهادف إلي الربح لن يُقدم على تأسيس المنافع ذات الطبيعة العامة. مثال علي ذلك التعليم. قد يكون هناك تعليم خاص جيد، ولكن يجب أن تنفق الدولة علي التعليم العام، وترقي به، وبجودته، وتجعله علي قدم المساواة مع التعليم الخاص. والمقصود هنا هو أهمية ربط الآليات الاقتصادية مع تحقيق الأهداف الاجتماعية وكلاهما موصوف في الباب الثاني من دستور 1971 ولكن بصورة غير مناسبة. وكذلك يمكننا هنا أن نلفت الانتباه إلي قضية مهمة، ثار حولها نقاش ممتد في الخبرات الدستورية المتقدمة، وهي مسألة الاقتراض هل نترك العنان للحكومة في الاقتراض حسب تقديراتها أم نضع قيودا علي ذلك باعتبار أن الاقتراض الحالي يؤثر علي الأجيال القادمة؟ حيث تظهر تداعيات ذلك واضحة حاليًا في بعض بلاد أوروبا مثل اليونان.

■ القضية الرابعة: السياسة الضريبية: والتي تم وصفها في الفصل الأول من الباب الثاني في دستور 1971، يقتضي الأمر توضيح ارتباط السياسة الضريبية المتبعة بالأهداف الاجتماعية والاقتصادية، بحيث تتحول الضرائب إلي أداة من أدوات تحقيق السياسة الاجتماعية التي تتبناها الدولة. هذه القضية تدخل في قلب العلاقة بين المال والسياسة. فمثلا في الولايات المتحدة ينزع الكونجرس، الذي يعبر عن هيمنة المال، إلي صيانة مصالح الأغنياء مثلما حدث في عهد جورج بوش الابن من تخفيض الحزب الجمهوري للضرائب. قضية “العدالة الضريبية” تحتاج إلي أن نفرد لها مقالا خاصا، نظرا لأن الضرائب ينبغي أن تتفق مع نص وروح الدستور، وتعبر عن المساواة والعدالة بين المواطنين وفكرة التكافل الاجتماعي وكلها كلمات وردت في مواد الدستور ولكن في سياق منفصل عن الحديث عن الاقتصاد، ولإيضاح أهمية هذه القضية يمكن أن نورد مثالا واحدا هو ضريبة المبيعات Sales Tax، وضريبة أرباح رأس المال Capital Gains Tax. ضريبة المبيعات يتحملها المستهلك النهائي من السلع، ويصبح الفقراء ومتوسطي الحال من أكثر الفئات تحملا للعبء- مقارنة بالأغنياء- نظرا لأنهم ينفقون كل أو معظم دخولهم علي شراء سلع استهلاكية في حين أن مدخراتهم أو ما يمتلكونه من أصول رأسمالية محدود للغاية. أما ضريبة أرباح رأس المال، وهي ليست مطبقة في دول كثيرة تستهدف الأغنياء الذين يمتلكون أصولا يقومون ببيعها من وقت لآخر فيتحقق لهم هامش من الأرباح الرأسمالية هو الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع مما يقتضي فرض ضريبة أرباح رأس المال عليه. في أحيان كثيرة تتحقق فوائض كبيرة من الأرباح الرأسمالية سواء من بيع أسهم في البورصة أو ممتلكات أو ما شابه مما يجعل عدم فرض هذه الضريبة حماية للأغنياء، وإتاحة المجال أمامهم لتحقيق فوائض مالية كبيرة لا تحصل عليها ضرائب. وليس الغرض هنا أن ينص الدستور على النظام الضريبي، فهذا أمر ينظمه القانون في حزمة الضرائب من الكسب الى الجمارك الى العقارات الى المبيعات الى الضريبة الرأسمالية، ولكن من المفيد أن يذكر الدستور المبادئ العامة التي يجب أن تحكم صياغة هذه الحزمة من القوانين فيما بعد.

■ القضية الخامسة: الملكية التعاونية: عند الحديث عن أنماط الملكية حدد دستور 1971م ثلاثة أنماط هي الملكية العامة، الملكية الخاصة، الملكية التعاونية. وينبغي علي أي نص دستوري مستقبلي أن يحدد دور الدولة تجاه الأنماط الثلاثة، وبخاصة الملكية التعاونية، نظرا لارتباطها بقضايا التنمية والتمكين، وتطوير علاقات المال والسلطة علي المستوي الريفي كما يجري في دعم التعاونيات الزراعية.

■ القضية السادسة: الاستثمارات وأنواعها: هناك مسئولية علي الدولة في كيفية التعامل مع الأنواع المختلفة مع الاستثمارات بما يتناسب مع خاصية كل منها، بصفة خاصة بما لا يهمش الاستثمار المحلي لصالح الاستثمار الأجنبي، الأمر الذي له تداعيات عديدة أبرزها تهميش القدرات الوطنية في بناء الاقتصاد. وفي مجال الاستثمار الأجنبي ينبغي علي الدولة أن تعزز الاستثمار الذي يقوم علي بناء مشروعات اقتصادية أكثر من الاستثمار الذي ينحصر في المضاربات في الأوراق المالية.

■ القضية السابعة: الصناديق الخاصة بالتأمينات الاجتماعية والمعاشات: وهي القنوات التي يتوفر فيها كميات من الأموال التي يطالب الكثيرون بأن تكون مستقلة عن ميزانية الحكومة. يجب أن يحدد القانون طريق إدارة هذه الأموال في ضوء فلسفة دستورية واضحة. فمثلا هناك دول يميل هيكل السكان فيها إلي هيمنة “المسنين” أو كبار السن، والذين بسبب برامج الرفاهة الاجتماعية وتقدم الخدمات الصحية، باتوا يتمتعون بمعدل عمر أطول مما يجعل الحكومة مطالبة بتسديد معاشات لقطاع عريض من المواطنين لفترات طويلة كما يحدث في المجتمعات الأوروبية. وهناك دول أخري فتية شابة، الهرم السكاني واضح. القاعدة العريضة من الشباب تسدد التأمينات الاجتماعية في حين أن المتقاعدين من كبار السن شريحة أقل عددا مما يؤدي إلي توافر فوائض مالية في صناديق التأمينات الاجتماعية يتعين معها الاتفاق علي آلية لاستثمارها. والمهم أن الدولة إذا التزمت بنظام معاشات للمسنين ونظام تأمينات اجتماعية للمواطنين يجدر الإشارة الى هذا الالتزام في الدستور وإن ترك كيفية إدارته لقوانين تسن لهذا الغرض.


(5)
ضوابط المال السياسي

لا يختلف اثنان على أن للدولة دورًا كبيرًا في توجيه مسيرة الاقتصاد وفي توزيع الموارد والدعم والأعباء، وفي إباحة استعمال الموارد الطبيعية أو منعه. ومن خلال القوانين لحماية المواطنين والبيئة والمصلحة العامة؛ بما في ذلك منع ممارسات معينة، مثل: الصناعات الملوثة مهما كانت مربحة، وغير ذلك من السلطات.
ويتم إعداد هذه القوانين، في إطار فلسفة خاصة للدولة والمجتمع؛ بحيث تكون الأبعاد المالية والاقتصادية لإدارة شئون البلاد جزءا من إطار متكامل تحكمه مبادئ ينص عليها الدستور. ولكن هذا التصور لن يتحقق إلا إذا رفعنا الستار عن واقع الممارسة السياسية في أغلب الدول الديمقراطية في العالم، وهو أن تدافع الأفراد والمؤسسات عن مصالحها، وتؤثر على العملية السياسية من تعبئة الرأي العام، إلى تكوين الأحزاب ودعمها، إلى الحملات الانتخابية، إلى محاولات التأثير على نواب الشعب عند التشريع وسن القوانين، إلى التأثير على السلطة التنفيذية في قراراتها.
ومما لا شكل فيه أن أساس أي ديمقراطية حقيقية أساس الديمقراطية هي مشاركة كل مواطن في إدارة شئون البلاد دون تفرقة، مع سيادة القانون ومساواة المواطنين أمام القانون. وافتراض أن لكل مواطن صوتًا مماثلًا للآخر، فلذلك بُنيت المؤسسات السياسية، مثل الأحزاب لتجميع أصوات المواطنين المشتركين في الرأي، حتى يتمكنوا من ترجيح كفتهم في الانتخابات والقرارات التشريعية، والوصول إلى تنفيذ هذا الرأي بمساندة أغلبية المواطنين على ألا يكون في هذا الرأي تعدٍّ على حقوق الأقلية المختلفة في الرأي، وهذا هو ما يضمنه الدستور، إلا أن الواقع غير ذلك. فنجد أن من يتحكم في كم كبير من المال يحظى بنفوذ كبير، وصدق قول الشاعر:
إن الدنانير في الأماكن كلها تضفى على الرجال مهابة وجمالاً
فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالاً
فلا يعجب أحد أن نجد أن من بين أصحاب الصناعات وكبار التجار من يسعى إلى الاحتكار، ومن الأغنياء من يريدون الحصول على الأراضي بصفقات خاصة، في حين نجد آخرين يريدون تخفيض العبء الضريبي وغير ذلك. ولا يخفى على أحد أن الوسيلة الأولى لذلك التأثير هي التمويل، وأن الأغنياء قادرون بذلك على أن يضاعفوا نفوذهم وتأثيرهم على كل أوجه العملية السياسية. ومن ثم، بات ضروريٍّا أن نطرح هنا بعض النقاط التي تشكل مساحة من التداخل بين المال والسياسة، والتي تحتاج إلى ضوابط من الشفافية والتنظيم والمراقبة حتى لا تتحول العلاقة بين المال والسلطة إلى وسيلة لتحويل الأداة الحكومية إلى مؤسسات تخدم مصالح الأغنياء وحدهم دون غيرهم (كما نرى في الكثير مما يفعله الحزب الجمهوري في أمريكا)، وقد شغلت قضية التمويل الرأي العام طيلة الشهور الماضية، مثلما شغلته في مناسبات كثيرة في ظل النظام السابق، بعضها بحق، وبعضها الآخر بباطل كما يقال. وحتي لا تستغل هذه القضايا في معارك الرأي العام إليكم ثلاثة أمثلة من موضوعات يجب حصرها قانونا في إطار مبادئ دستورية واضحة:

■ القضية الأولى: وضع الضوابط على تمويل النشاط السياسي. يتطلب ذلك وضع ضوابط شفافة على تمويل الحركات السياسية والأحزاب من حيث الاعلان عن مصادر تمويلها، ومراجعة حساباتها، ولاسيما في تمويل الحملات الانتخابية. يطرح ذلك قضية أساسية تحتاج إلى نقاش وحسم. هل تقدم الدولة دعمًا ماليًّا للأحزاب؟ وإذا لم تقدم دعمًا للأحزاب، خاصة أحزاب الشباب، هل تصبح أغلب الأحزاب مؤسسات سياسية يمتلكها الأغنياء للتعبير عن مصالحهم؟ وهل يُسمح للأحزاب والحركات السياسية أن تتلقى تمويلًا أجنبيًّا؟ وماذا عن تمويل يتم جمعه خارجيًّا من الجاليات المصرية بالخارج؟
وهناك محاولات لمعالجة هذه القضية في كل الدول الغربية، وبصفة خاصة بالولايات المتحدة حيث تكبر المبالغ وتكثر الفضائح؛ مما أدى إلى تشريع صدر في السبعينيات من القرن الماضي وما تبعه للحد من قدرة الأغنياء على التبرع بلا حدود لدعم حملات انتخابية محددة، لما سيعطيه ذلك من نفوذ لدى الساسة المرشحين بعد فوزهم. ولا يخفى على أحد أن المحاولات الأمريكية لمعالجة هذه القضية اصطدمت بالرؤية الدستورية الأمريكية، خصوصًا بعد أن قضت المحكمة العليا برئاسة روبرتس عام 2010 أن تمويل الانتخابات والحملات نوع من التعبير عن الرأي، وهو حق أصيل يحميه الدستور، ومن ثم للشركات والاتحادات المهنية والنقابات العمالية حق التمويل بلا حدود؛ وهو رأي غريب مؤداه زيادة تأثير الشركات الغنية والأغنياء. و قد رأى قضاة بالمحكمة العليا معارضين لروبرتس وزملائه وكذلك فقهاء دستوريون آخرون أن هذا خلطٌ بين حقوق الشخص الطبيعي وحقوق الشخص الاعتباري، فللشخص الاعتباري حقوق مثل الملكية وأهلية التعاقد، ولكن لا يجوز لشخص اعتباري أن يصوِّت أو يترشح لمنصب.. ثم ماذا عن رأي أقلية المواطنين التابعين لهذا الشخص الاعتباري الذين لا يوافقون على الاتجاه الذي يريده أغلبية أعضائه؟ هل من حق الشركة أو الاتحاد أو النقابة أن تتجاهلهم؟

■ القضية الثانية : وضع ضوابط على مؤسسات المجتمع المدني، وهي إشكالية مثارة بقوة في المجتمع المصري. من ناحية أولى فإن منظمات المجتمع المدني تمثل مساحة مهمة للانفتاح على الفكر العالمي، لكنها في الوقت نفسه ينبغي أن تكون لها جذور محلية، وترتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتخضع للشفافية في مصادر تمويلها، خصوصًا إذا كانت تتبنى أجندة سياسية، بمعنى أن تقوم بالتعبئة والحشد لموضوعات بعينها. وإننا نرى أنه من الأساسي أن يتم معالجة المجتمع المدني في الدستور، وألا يقتصر الدستور على الحديث عن السلطات الثلاثة وعلاقاتها، تاركًا المجتمع المدني لتنظمه وزارة من السلطة التنفيذية. وهنا نرى أنه من المفيد أن يكون هذا الإطار الدستوري لقيام المجتمع المدني ونشاطه، شاملاً تعريفات لنوعية المؤسسات التي لها أن تعتبر جزءًا منه، ومصادر تمويلها وكيفية الإشراف عليها.

■ القضية الثالثة: وضع ضوابط على تمويل وسائل الإعلام، المقروءة والمسموعة والمرئية والالكترونية، وقد سبق أن أشرنا إلي التغيرات الجذرية التي تطرأ علي الإعلام، القديم والجديد، وتكنولوجيا التواصل الجديدة. أما قضايا تمويل الإعلام، فما زلنا نسمع آراء نمطية، وهنا يبدو اختلاف في وجهتي نظر على طرفي النقيض؛ الأولي ترى ترك وسائل الإعلام للملكية الخاصة، تعبر عما تشاء من آراء، ويرتبط بما تشاء من مصالح سياسية مباشرة وغير مباشرة، وبين رأي آخر يري ملكية الدولة لوسائل الإعلام، وما ينطوي على ذلك من إرشاد وتوجيه تمارسه الدولة في علاقتها بالرأي العام، وكلاهما غير مناسبين، فلا الإعلام مجرد “فاترينات عرض”، ولا هو مجرد أداة للتعبئة، وما ينطوي على ذلك من تزييف للوعي. فنحن نحتاج إلى نموذج مختلف، لا يجعل الإعلام أسيرا للملكية الخاصة وحدها، ولا يجعله في الوقت نفسه أداة في يد الحكومة القائمة. بالتالي، قد يكون من المفيد أن نفكر في تعدد النماذج والملكيات، مع وجود قنوات ومواقع خاصة للخدمة العامة. وهنا تجدر الإشارة مثلًا إلى “هيئة الإعلام البريطانية” BBC والتي تتلقى التمويل من الحكومة عبر ضرائب تفرض على المواطنين عند استخدام جهاز التليفزيون، ولكنها تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية.

* * *
هذه القضايا معقدة، ومتشابكة، تحتاج إلى نقاش جاد، والتعرض لخبرات دول أخري؛ مما يجعل القول بأنها “محسومة” في مقابل الحديث عن العلاقة بين السلطات الثلاثة للدولة، هو تسرع في صناعة الدستور في غير محله، وتفتح الباب أمام مشكلات تؤثر على العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع.

خاتمة

وقد رأينا في الصفحات السابقة أن هناك دروسا مستفادة من الخبرة الإنسانية الكونية، لا ينبغي تجاهلها، وهي أن وضع دستور جديد يعبر عن خبرة مجتمع في ظرف زمني محدد، لكنه يحتاج إلي بحث ودأب، جسارة البحث في الحاضر ومغامرة استشراف المستقبل، العمق في المعالجة، وتغليب الصالح العام علي الرؤي الخاصة، والمصالح الذاتية، والاتجاهات الضيقة. بناء التوافق ضرورة عند وضع دستور جديد، فإذا كان رأي “الأغلبية” هو الحكم في نهاية المطاف، فإن رأي “الأقلية” ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار، فالدستور هو خيار مجتمع بكل فصائله، وتعبير عن عقد اجتماعه يربط كل مواطنيه بعضهم بعضا، وبالكيان السيادي الأكبر، أي الدولة بكافة سلطاتها ومؤسساتها.
إنطلاقا من ذلك سعيت في هذه المقالة المطولة أن أسلط الضوء علي قضايا يطمسها النقاش العام الاستقطابي الصاخب أحيانا، ويهمش من وجودها نمط من التفكير لا ينظر خارج الصندوق المتوارث المعد سلفا، وشعور دائم بالرغبة في الاكتفاء بما هو “محلي”، في حين أن التقدم يحدث حين نتعرف ونستلهم خبرات الآخرين، ولكن في إطار من الحفاظ علي المقومات الأساسية للذات، وإدراك احتياجات اللحظة، وتطلعات المستقبل. وهو ما يجعلني دائما، رغم كل الصعوبات والتحديات التي تفرضها التحولات الجذرية في المجتمعات أن استبشر بالمستقبل في ظل وجود شباب يريدون وطنهم متقدما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، لم أفقد يوما إيماني بهؤلاء الشباب الواعد، فعلي اكتافهم وبسواعدهم بنيت مكتبة الإسكندرية، وأعرف أن لهم وعدا مع المستقبل في تحقيق الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، نتمنى أن يكون عالمهم أفضل من عالمنا.
*****