الرئيسية » مقالات » الديمقراطية العراقية وأنتاج البدائل الصدامية

الديمقراطية العراقية وأنتاج البدائل الصدامية




عندما تحتضر التجربة الديمقراطية في العراق وهي في طريقها إلى غرفة العناية المركزة تبرز في الأذهان من شدة الأسى بعض المفارقات المؤلمة. فمن المفارقات الكبيرة التي أفرزها الوعي الجمعي العراقي هي الحديث عن البديل لطاغية العراق. فقد كان الحديث يدور دوماً ،في الأوساط السياسية والثقافية والجماهيرية بصورة عامة وبالذات حال أشتداد الأزمات السياسية والحروب والمآسي والجرائم التي كان يتسبب بها نظام صدام على الصعيد الداخلي والخارجي، عن أمكانية وأحتمالات ومحاولات الخلاص من هذا الكابوس الذي خيم على صدور العراقيين لعقود طويلة وقاسية و على أمن وأستقرارشعوب المنطقة بأسرها. وكان الحديث، رغم جديته وتشعباته وشجونه وأنفعالاته وولوجه في أدق التفاصيل التي يتطلبها البحث الجاد في سُبل الخلاص من هذا النظام القمعي المقيت، يصطدم دائماً بقناعة تكاد تكون عامة وشاملة وهي صعوبة أيجاد بديل لصدام.

لقد أعتمد البعثيون في العراق ومنذ بداية أستلامهم للسلطة على أفتعال الأزمات الداخلية ومحاربة القوى اليسارية والوطنية وتصفية مناضليها بالقتل والأعتقال والمطاردة وشن الحرب على كوردستان العراق وقتل وتهجير الكورد الفيليين في سبعينيات القرن المنصرم وكذلك أفتعال الخلافات مع سوريا وقطع العلاقات معها وخلق الأزمات السياسية مع الأردن والمحيط العربي. ومع تواصل عمليات القتل والأبادة المستمرة ضد مختلف التوجهات والشرائح العراقية قاموا بالتمهيد لشن الحرب على أيران بأثارة المشاكل الحدودية والأعتداءات المسلحة وتمزيق أتفاقية الجزائر وقتل ومطاردة الشخصيات السياسية المعتدلة في العراق وقتل ومطاردة رجال الدين ومصادرة أموال وأعتقال التجار من الكورد الفيليين وتجديد حملات القتل والأعتقال والتهجير ضد الكورد الفيليين بأبشع صورها ومهاجمة كافة التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والشروع في حرب طويلة مع أيران والقتل والأبادة الجماعية لمعظم الشرائح العراقية ثم الحرب مع الكويت ثم مع المجتمع الدولي بأسره. وخلال كل هذا وذاك وفي فترات الفتور والهدوء السياسي والعسكري والأمني أعتمد النظام البعثي في العراق على أثارة الأزمات الأقتصادية بأفتعال غياب المواد الغذائية والحاجات الأساسية للمواطن ناهيك عن القيام بالحملات الأجرامية عن طريق تشكيل العصابات والشخصيات الأجرامية منذ توليهم السلطة في العراق وبث الرعب والخوف في صفوف المواطنين كقضية أبو طبر والغزالية وغيرها. وهكذا أستطاع النظام البعثي المتخلف من الأستمرار وأكتساب ديمومته من أثارة وأفتعال كل هذه الأحداث لمدة تقارب أربعة عقود من عمر العراق والعراقيين. وللتاريخ نقول لولا التدخل العسكري الخارجي في العراق رغم مرارته لأستمر نظام البعث في العراق لعقود قادمة أخرى.

واليوم وبعد مايقارب العقد من الزمن على سقوط النظام البعثي في العراق ورحيل صدام إلى مزبلة التأريخ نرى أن المآسي العراقية مستمرة وبلا حلول آنية أو منظورة على المدى القريب.

لقد شهد العراق بعد سقوط الطاغية وبفعل عوامل داخلية وأقليمية ودولية مذابح وجرائم قتل وتشريد لم يشهد التأريخ لها مثيلاً وبعد تحقيق بعض الهدوء النسبي في الأوضاع في السنوات الأخيرة وبدلاً من أن تقدم الأحزاب السياسية والقادة السياسيون الجدد في العراق مشاريع وبرامج تساهم في ألتئام الجرح العراقي النازف منذ عقود وسنين عديدة، أي بمعنى أيجاد نظام حكيم وعادل ولديه رؤيا سياسية واعية وبرامج صحيحة ودقيقة ومتقدمة يستطيع بها معالجة مخلفات النظام الصدامي والنهوض بالعراق الى واقع يُمنح فيه المواطن والوطن القدرة على البناء والعيش بسلام كباقي دول وشعوب الأرض، نرى أن المشاكل التي لا أول لها ولا آخر، كأفتعال الأزمات السياسية بين الكتل والقوى المتنفذة في العراق وأنتشار الفساد والأزمات الأقتصادية وغياب الخدمات والأوضاع الأمنية المتردية وشيوع القتل والخوف بين الناس تمهيداً للأبقاء على مظاهر التخلف والذل والخنوع والأنصياع للأمر الواقع و والعمل على سياسة تمجيد الأصنام وتكريسها من جديد، أصبحت منهجاً لأدارة الحكم في العراق.

لذا يبدو للمراقب وبجلاء أن القادة الجدد في العراق يتجهون بأتجاه تطبيق السياسات البعثية والصدامية لأفتقارهم لأية برامج حقيقية لمعالجة الأوضاع في العراق ولأدامة وصيانة مواقعهم في السلطة الجديدة ولأيمانهم بالمنهج البعثي كطريقة ناجعة في أدارة الحكم رغم أن معظمهم كان في الصف المعادي للبعث ولصدام في حينه. والغريب في الأمر أنهم أستطاعوا من أيجاد أوساط شعبية ذات صبغة معينة داعمة لهم.

والمفارقة الكبيرة أن الوعي الجمعي الذي أخطأ في يوم ما وأتفق على صعوبة أيجاد بديل لصدام هو الآن في طريقة أو ربما قام فعلاً بأنتاج بدائل مشوهة عديدة لصدام وبنسخ معدلة نسبياً زادها التعديل والتزويق تشويهاً.

الحقيقة أن مقتل الديمقراطية في مجتمعاتنا هي في ذاتها وفي أيمانها بمبدأ الرضوخ والقبول بما ينتجه الوعي الجمعي وإن كان متخلفاً ومخالفاً لكل التجارب الحقيقية الأنسانية المتقدمة في العالم.