الرئيسية » مقالات » هوس أبلسة العلمانية..

هوس أبلسة العلمانية..




بعد أن أعلن المالكي أن أعداء العراق والإسلام تجسدهم العلمانية والحداثة والماركسية، نرى رجل دين إيرانيا من قم يفتي بعدم التصويت للعلمانيين في العراق.. نعم.. في العراق، وكأن بلادنا صارت ضيعة إيرانية.
أبلسة العلمانية صناعة عتيقة للإسلاميين، بمختلف تياراتهم وتجمعاتهم ومذاهبهم. وهؤلاء يعلمون بيقين أن العلمانية لا تعني معاداة الأديان بل فصلها عن مسائل وتيارات السياسة وشؤون الدولة، مع ضمان تام لحرية المعتقد، وأيا كان. وسبق لعدد من الكتاب العراقيين أن كتبوا في هذا قبيل سقوط النظام السابق المنهار، موضحين معنى العلمانية، ومؤكدين أنه لا ديمقراطية إن لم تكن علمانية. وكل نظام يقوم على أحكام الشريعة، وسواء كان الحكام معممين أو لا، ليس غير نظام شمولي معاد بطبيعته للديمقراطية والتقدم.
العلمانية تعني الأخذ بمبدأ المواطنة بلا تمييز، وضمان كافة الحريات العامة والشخصية واحترام حقوق الأقليات والمرأة، والالتزام بالإعلان الدولي لحقوق الإنسان.
إن فتوى الحائري، الذي عرفناه منذ سقوط صدام داعية للتطرف الطائفي والعنف في العراق، ومكفّرا لمن كان يسميهم المتعاونين مع الأميركيين، تقدم شهادة جديدة على التدخل الإيراني الوقح والمستمر في الشأن العراقي، فيما يمر البلد بأزمة سياسية واجتماعية وأمنية وثقافية طاحنة. وسواء كانت الفتوى هي لدعم المالكي، كما قيل، أو موجهة أساسا ضد القوى والتيارات الديمقراطية واللبرالية، من متدينة أو لا، فإنها تضاف لسلسلة عمليات التدمير الإيرانية للعراق.
لا أزال شخصيا أعتقد أن الأحزاب والشخصيات التي تحمل أيديولوجية الإسلام السياسي لا يمكن أن تبني نظاما ديمقراطيا. هذا ما كتبناه مرارا، وكتبه مثقفون آخرون يعود بعضهم للتراجع عن هذه الحقيقة التي برهنت عليها تجارب الثورات والانتفاضات التي هيمنت عليها الأحزاب والشخصيات الإسلامية، سواء في إيران أو السودان أو طالبان أو غزة، وتجربة مصر اليوم. ولا يمكن أن نكذب كل هذه التجارب لعيون الحائري أو المالكي.
وقد يقال إن هيمنة الإسلاميين تعكس عقليات الشارع وردود فعلهم بعد سقوط الأنظمة السابقة. ونعرف كيف انفلتت الغرائزية وميول العنف والأنانية في الشارع بعد سقوط صدام، وكانت مخزونة بسبب سياسات الظلم والتمييز. أجل، هذا صحيح. ولكن منذ متى يتنازل السياسي والمثقف الحصيف والشجاع عن واجبه في نقد الجماهير المضللة والهائجة نفسها وفي محاولة النصح والتوعية؟؟ إن أيام الثورات والانتفاضات وما بعدها تشهد ظواهر اندفاع الجماهير بشجاعة وتضحية من أجل تحسين أوضاعها، وقد تشهد في الوقت نفسه اختلاط الرعاع وانفلات الغرائزية وشهوات العنف والاجتثاث كما شهدنا بعيد ثورة 14 تموز، وكما نشهد اليوم في مصر حيث اختلاط الحابل بالنابل، وإذ يريد الشارع ـ إسلاميا وثورويا يساريا – أن يكون هو البديل عن القانون والقضاء وعن البرلمان وعن الدولة.
لقد رفضت دوما وصف العملية السياسية العراقية بالديمقراطية حيث أن الديمقراطية لا تعني مجرد حرية الصناديق. وإن تخندق الناس طائفيا أو عرقيا لا يجب أن يمنعنا من نقد هذا التخندق مهما كانت ظروفه وأسبابه. ولا يجب أن ننسب كل مساوئ اليوم للعهد السابق كما يعملون في مصر أيضا بالحديث المتكرر عن “الفلول”.
إن الجذور القريبة للأزمة العراقية هي قيام العملية السياسية على المحاصصات الطائفية والعراقية وليس على مبدأ المواطنة والخيمة العراقية المشتركة. وصحيح أن المالكي ليس المسؤول الأوحد عن هذه الأزمة بل الطبقة السياسية برمتها مع تفاوت في درجات الخطأ والمسؤوليات. ولكن مسئولية السيد المالكي مضاعفة مكثفة لاحتكاره لأهم مفاصل السلطة ومجالس المحافظات ولأنه بسياساته يخلق الأعداء بعد الأعداء، ولأنه فشل في تحقيق ما هو مطلوب منه من حفظ للأمن وضمان الخدمات وتجميع الفرقاء. وعجبي من الصمت عن سلسلة الإجراءات الظلامية التي يتخذها حزب الدعوة في المحافظات التي يسيطر عليها وخصوصا في البصرة وبغداد. وآخر ذلك حظر الغناء في البصرة بعد عمليات مطاردة أصحاب الخمور من المسيحيين وسنجنهم وتعذيبهم. وهو ما يضاف لما جرى في محافظة بغداد من منع الملاهي والهجوم على النوادي الليلية وملاحقة المتظاهرين السلميين ووصفهم بدعاة عودة النظام المقبور.
ما يجري اليوم في العراق معمعة مناورات وتحركات واجتماعات لا أول لها ولا آخر، ومحافظة البصرة تدعو لإعلان إقليم الجنوب والوسط لو لم يعد المالكي رئيسا لمجلس الوزراء!! وهي دعوة لا تعني غير الانفصال والالتحاق بإيران. و هذه شهادة جديدة لحزب الدعوة عن مدى ديمقراطيته العتيدة والمثالية!! وأقول إن كل هذه “الخبصة” و”الهيصة”، وسواء بقي المالكي أو لا، لن تحلا المشكلة الأساسية وستظل الأزمة قائمة. وليس بالمجهول أن معظم المفاتيح في يد الولي الفقيه!
……………………
haziz@noos.fr