الرئيسية » مقالات » العراق الفدرالي بعد المالكي نحو المبني للمجهول أم المبني للمعلوم؟

العراق الفدرالي بعد المالكي نحو المبني للمجهول أم المبني للمعلوم؟

من المعلوم بأن الشعوب اليوم قادرة علی إحداث تغييرات جوهرية، فهي نهضت في غير مكان و غيرت الحكام و تمكنت من تغيير أنظمة و إسقاط مؤسسات حكم مستبدة بالكامل، لكنها لم تستطع الی الآن أن تغيّر حسب تغيير الزمان والمكان والمصلحة نفوس و سلوكيات و ثقافة و مواقف الكثير من الذين تسنموا زمام الحكم، كي يلتزموا بمبادیء المراجعة والمحاسبة والتصويب.
في غضون الأزمة السياسية الخانقة ومن خلال قراءة مشاهد هذه الأزمة نری هذه الأيام حراك سياسي نحو سحب الثقة من حكومة السيد نوري المالكي في سبيل إصلاح العملية السياسية و إنهاء ظاهرة التفرد في إتخاذ القرارات و تفعيل المشاركة الحقيقية للکتل السياسية الشريكة. موضوع سحب الثقة هو ممارسة ديمقراطية برلمانية تمارس في الكثير من الدول الدستورية لغرض الإبتعاد من الإنزلاق في صراعات خطيرة.
إنها خطوة نحو الأمام في بلد أديرت شؤونه لعقود من الزمن عن طريق أنظمة طائفية شوفينية ملكت معجماً سياسياً وثقافياً لا يحمل في طياته سوی مصطلحات العنف والوحشية والحروب والدمار، و بذلك أضعفت روح المواطنة لدی أبناء هذا البلد. اليوم وبغياب المواطنة و المؤسسات المبنية علی أسس الديمقراطية يكون تحقيق التداولية و تخويل الفرد وأعضاء الجماعة من المشاركة المناصفة، من دون ترك أحد على قارعة الطريق کهدف مطلوب صعب المنال.
نحن نعلم بأن الدستور العراقي يمنح رئيس الجمهورية، السيد جلال طالباني، حق الطلب من البرلمان سحب الثقة من رئيس الحکومة، إذا ما خرق هذا الاخير بنود الدستور، فبعد الاستجواب في مجلس النواب يمكن التصويت على الطلب بتأييده أو بسحب الثقة منه، إذا ما تعدی عدد النواب الذين وقعوا لصالح طلب سحب الثقة النصاب القانوني، أي جمع إمضاء 164 نائباً، وهذا متعارف عليه في القانون الدولي والمواثيق والأعراف الدولية.
وإذا تم تفيذ هذا الأمر، فأن السيد المالكي سوف يكون أول رئيس وزراء عراقي تتم إقالته بطريقة سلمية و ديمقراطية. وتعتبر هذه‌ الخطوة فرصة جديدة أمام ممثلي الشعب لإتخاذ قرار ديمقراطي حول من يحكم البلاد، أو سلاح لتقليص الازمة السياسية “البنيوية” لنظام ما بعد الدكتاتورية.
البعض ينادي بأن السيد نوري المالكي لم يقم بتنفيذ النقاط المهمة من بنود اتفاقية أربيل الموقعة نهاية العام 2010، بل إستمر في تصعيد الأزمة بوقوفه ضد إقامة أقاليم و كيانات فدرالية أخری في العراق و استقطاب شخصيات دينية و عشائرية و إجتماعية بعد أن أغرقهم بالمال و الإمتيازات لدعم مشروع بقاءه‌ علی هرم السلطة. و آخرون يقولون بأن الإبقاء على المالكي سيجلب النكوص، لأنه جرّب لأكثر من مرة ولا حاجة لتجريبه مرة أخرى ويقال أيضاً بأنه هناك أعضاء من قائمته سوف يصوتون ضده. مع كل هذا هناك حركات طفيلية تجهل بسبب سياساتها الجهوية الضيقة لحد الآن مصدر الخلاف القائم بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية.
يبدوا أن ظاهرة التفرد عند السيد المالكي حولت الإختلاف بين القائمة العراقية ودولة القانون إلى اختلاف الأخير مع التحالف الكوردستاني والتيار الصدري وغيرها من التيارات والأحزاب.
و من المؤكد بأن التسميات العمومية و الإنشائية لا تكفي لكشف العـُقد والملفات الخطيرة و العلل والثغرات والأخطاء التي مارستها حكومة السيد المالكي و سعيه المستمر لبناء نظام الحزب الواحد أو الكتلة السياسية الواحدة والمنفردة.
إن العمل من أجل بناء النمط الفدرالي الديمقراطي السليم يكون الضمان الوحيد للإستقرار الأمني والاقتصادي. والقلق المتواجد لدی الكيانات الشريكة في الحكم سوف يزول إذا ما قامت الحكومة الاتحادية بكسر منطق الضد وعقلية الإقصاء و لغة التخوين وكل ما من شأنه أن يعمق الشقة و يقود الی النزاع والصدام.
العراق الاتحادي الفدرالي ليس ملكاً للمالكي فقط بل لجميع مكوناته. فأحادية التفكير من طرف أصحاب العقائد الإصطفائية تلغّم المشاريع والسياسات. لتنتهي أساليب الإنتقاص من شأن الآخر المختلف و إنسانيته والإعتداء الرمزي عليه. فلا جدوی من إلغاء الآخر المختلف الذي بات شطرنا الآخر في عصر الإعتماد المتبادل ولا معنی من التشبث والإحتماء بالهويات المسيجة والسيادات المصطنعة، إذا كانت تقضي الی تقويض معاني الآصرة والرابطة بين النظراء والشركاء.
وختاماً نقول: أن المصالح العمومية والقضايا الوطنية في عراق ما بعد المالكي يجب أن تدار بثقافة سياسية جديدة من مفرداتها الإعتراف الكامل بالآخر المختلف والحوار البناء و الشراكة الحقيقية والتوسط والتداول والتبادل و الإبتعاد عن فكرة التسلح والتجييش و الميل الی السلم، بهدف بناء علاقات التعايش والتواصل.