الرئيسية » مقالات » السلطة السياسية في العراق و ضرورة تجديد الفكر السياسي

السلطة السياسية في العراق و ضرورة تجديد الفكر السياسي

من الواضح بأن المجتمع الإنساني المعاصر و حتی البدائي منه عرف السلطة. والوظيفة الاساسية للسلطة هي الدفاع عن المجتمع ضد ضعفه الخاص والحث علی إحترام القواعد التي يقوم علیها المجتمع والحفاظ علی حالة من الأمن والرخاء الجماعيين. وطالما تتجاوز العلاقات الاجتماعية في الكثير من الأحيان صلات القرابة، تبرز تنافس بين الأفراد والجماعات، بحيث يسعی كل واحد الی توجيه قرارات الجماعة صوب مصالحه الخاصة، لذا تظهر السلطة السياسية كنتاج للمنافسة و كوسيلة لإحتوائها.
و في كل مجتمع تخضع السلطة لحتميات داخلية. و للمجتمع حسب التفسير السوسيولوجي السياسي علاقة مع الخارج، مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالمجتمعات الأخری، التي يعتبرها غريبة أو معادية أو خطرة علی أمنه و سيادته، لذا يتجه المجتمع الی تنظيم دفاعه و تحالفاته و تمجيد وحدته و تماسكه و سماته الخاصة.
الفكر الخلّاق والخارق يخترق حواجز الثقافة والخصوصية، لأنه لا يخص مجتمعاً دون آخر أو قوماً دون آخرين. فهو يخرق موطنه الأصلي لكي يخلق مجاله التداولي في مناطق أخری بعد تصنيعه و تحويله في مختبر البيئات والتجارب الجديدة.
العراق السياسي عاش إنهيارات و إخفاقات و حروب و كوارث و أزمات عظيمة، مجتمعه لا يمكن أن يُبنی مرة أخری بعقليات و نماذج و مفردات سائدة قديمة أو حديثة أو يصنع بسرديات كبری و أساطير مؤسسة و زعامات تاريخية، التي دفع المجتمع العراقي لقاءها أثماناً باهضة، دماءاً و دماراً.
في ضوء الإخفاق الذي لاقته المشاريع السياسية في العراق علی يد أصحاب الفكر الأحادي والعقل النخبوي، الذين لا ينتجون سوی العوائق والموانع بقدر ما يقومون علی تبسيط المشكلات و طمس الحقائق، نراه من الضروري العمل علی تجديد الفكر السياسي بتبني الهدف البنيوي المتجسم في شراكة الإعتراف، لأنه لا أحد أولی من سواه في الشؤون العامة والمشكلات الخطيرة والقضايا الداخلية أو الخارجية. إن مفهوم الشراكة يستبعد مفهوم المطابقة والإنفراد و يستدعي الإعتراف بكون الآخر مختلف و لكنه مساو من حيث الحقوق أو الفرص. و هذا الإعتراف يجب أن يشمل الحقوق السياسية والاجتماعية والمعرفية.
والإعتراف المتبادل يزيل القلق المزمن والمخاوف المستورة لدی الآخر المختلف. وللمساهمة في إدارة التحولات و قيادة المصائر و فهم المستجدات ينبغي التفكير بطريقة حية و راهنة في عصر الحاسوب والإنتاج الناعم و الطوائف السبرانية الإفتراضية. أما التغيير الإيجابي والبناء ضمن إصلاح حقيقي فهو عمل مركب يجري علی المستوی الوطني والإقليمي والعالمي و هذا ما يتطلبه لغة العصر، كما تشهد الوقائع والتحولات المتعلقة بأعمال التنمية أو بمعالجة القضايا الشائكة والأزمات المزمنة.
علی الفكر السياسي إزالة شوائب اللغة المتقنة في الندب والشكوی و العمل علی رفض التفكير بعقلية التهمة والإدانة والمزايدة علی الآخر معرفةً و حضارةً و خلقاً بممارسة التشبيح المعرفي والنفاق الخلقي والتهويل الديني و منع الوقوع تحت تأثير وساوس الهوية و الإشتغال بتجنيس العلوم والأفكار والعقل وفقا للثنائيات الضدية الخانقة، التي تضع العقل بين فكي كماشة: الأنا والآخر، الأسلمة والعلمنة، الوحي والعقلنة…الخ. فلنمارس رياضة نقد الذات و حرية الفكر، من أجل إجتراح الإمكانات و تفتيق القدرات و توسيع المجالات و إحترام الحريات والحق في تقرير المصائر.
فلنستلهم و نستثمر مقولات الفلاسفة في السلم والحرية والديمقراطية علی نحو جديد، لكي نبتكر عدة جديدة للتفكير والعمل، للفهم والتشخيص أو للتفكير والتدبير، وذلك بكسر منطق الفكر الأحادي والشمولي أو الاصطفائي والاقصائي أو النخبوي والمركزي.
وختاماً يقول فيلسوف الفلاسفة جورج فيلهلم فريدريش هيجل (1770-1831) في كتابه “المدخل الی علم الجمال وفكرة الجمال”: “إن الفن ما عاد يوفر لحاجاتنا الروحية تلك التلبية التي بحثت عنها فيه شعوب أخری ووجدتها، لقد إنتقلت حاجاتنا و إهتماماتنا الی دائرة التصور، و لكي نلبيها لا بد لنا من الإستعانة بالتفكير.”