الرئيسية » مقالات » عن مهرجانات الشعر

عن مهرجانات الشعر

لو سألني أحد عن أحب شيء الى نفسي تركته خلفي بالعراق الذي غادرته، ولم يغادرني، منذ ثلاثين عاما، لأجبته: مهرجانات الشعر وأمسياته. ولو سألني عن اكره شيء لأجبته: مهرجانات الشعر وأمسياته. واضح للقارئ اني متناقض هنا، لذا من حقه علي ومن واجبي تجاهه ان أوضح له سر التناقض.

حبي لمهرجانات الشعر، في اغلبه، يخص مهرجانات الشعر الشعبي التي بدأت في العام 1969 بالناصرية لتنتهي بها، أيضا، في العام 1973. لم يكن للسلطة اي تدخل بتلك المهرجانات بل تقيمها لجنة من الشعراء حيث لا تسمع بها كلمة للحكومة او الحزب ولا ترفع فيها لافتة تمجد رئيسا او حاكما او فكرا معينا. لا قصائد تخضع للفحص اذ ليست هناك لجنة لفحص النصوص. القصيدة الجيدة كانت هي التي تفرض نفسها والشاعر حر بقول ما يريد. ليس هذا، وحسب، بل كان أجمل ما فيها أنها فرصة لتجديد الأواصر الحميمة بين الشعراء. لذا تجدنا عندما نكون في أي من المحافظات التي يقام بها المهرجان نتنقل في بيوت شعراء تلك المحافظة ونعقد جلسات مطولة في نواديها. جلسات على هامش ليالي المهرجان تتحول الى أماس نقدية وغنائية كلها تلقائية. وفيها من الحكايات والطرائف ما يصلح لكتاب. أتذكرها الآن وأحس بحسرة من الحنين تفور في صدري ودمعة تسقط من عيني رغما عني. انها حقا أحب شيء تركته خلفي بالعراق.

شهد المهرجان الأخير (1973) اول تدخل سلطوي وحزبي فحذفت قصائد ومنع شعراء وتوترت الاجواء وفقدت المهرجانات طعم استقلاليتها وخصوصيتها الإبداعية. الخلاصة هي ان المهرجانات قد الغيت بتهمة انها شيوعية. ثم تبع التهمة قرار من القيادة القومية لحزب البعث بمنع الشعر الشعبي وإلغاء مهرجاناته بحجة ان هذا الشعر يعيق إقامة الوحدة العربية!

وبعد مرور سبع سنوات على اجتثاث تلك المهرجانات أقدم النظام على إعادتها، لكن بلون وطعم مختلفين، وصار يُقيمها ويُقيّمها بنفسه. مضامين القصائد تحمل دعوات صريحة للحرب والقتل والدمار. وجوه الشعراء مكفهرة وأصواتهم عند الإلقاء تجتاز حاجز الصوت وهي تمجد صدام وتحث الناس على الاستعداد للموت الزؤام، وتمهد الطريق لأيام سود تقتل أحلام العراقيين وآمالهم بالعيش بسلام. وان كانت الناس في تلك الأيام لا تستطيع البوح بما في دواخلها، لكنها كرهت تلك المهرجانات سرا في أعماقها بعدما كانت تحبها. اعرف نفسي جيدا باني أكثر ميلا للحب وليس للكره، لكني كرهتها مثلما كرهتها الناس.

لا أخفي اني سألت نفسي يوما، او ربما لمتها، على هذا الكره العجيب لمهرجانات الشعر الرسمية، الذي يبدو انه لم يفارقني حد اللحظة. حقيقة اني أتجنب، قدر ما استطيع، متابعة او حضور أي مهرجان تقف وراءه سلطة أو حزب. صرت لا احضر إلا الأماسي الشعرية او الفنية التي يقيمها افراد او تجمعات مدنية.

لا اقول اني وجدت نفسي على حق، بل تذكرت ان هذا النوع من المهرجانات قد مر عليه مكيافيللي في كتابه “الامير” والذي قرأته من زمن بعيد. اعدت قراءة الكتاب فوجدته ينصح الطاغية او من يريد ان يكون كذلك: ” يجب عليه أن يلهي شعبه بالمهرجانات، والمعارض في المواسم السنوية المختلفة”. أما ترون معي ان مثل هذا النوع من “التلهية” يحدث اليوم بالعراق؟

لي عودة للحديث.

عن المدى