الرئيسية » مقالات » حتى لا نظلم عليّ بن أبي طالب ونُحرم من عطائه

حتى لا نظلم عليّ بن أبي طالب ونُحرم من عطائه

يظهر من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) وخطبه أنه عاش غربة بين قومه، لجهلهم بمقامه الشريف ونزوعهم الى حب الدنيا التي تزيّنت وتزخرفت بسبب اتساع رقعة الدولة الاسلامية وكثرة وارداتها فانساقوا وراء الشهوات فكان (ع) يوبخ أصحابه ويستعمل كل الوسائل لإيقاظهم واستنهاض هممهم ووعي مسؤولياتهم في طاعته (ع) واتباع أوامره، قال (ع) (ايها الناس إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم، وأديتُ اليكم ما أدّتِ الأوصياء الى من بعدهم، وأدَّبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا، لله أنتم! أتتوقّعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم الى السبيل؟

الا انه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً، وأقبل منها ما كان مدبرا، وأزمعَ الرجالَ عبادُ الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى، بكثيرٍ من الآخرة لا يفنى)([2])

وازدادت غربته حينما فَقَد خُلّص اصحابه العارفين بفضله وسابقته الى كل كمال حيث استشهد كثير منهم في صفين فكان (ع) يرتقي منبر مسجد الكوفة ويندبهم اشجى ندبة ويصفهم أجمل وصف فيقول (ع): (ما ضرّ اخواننا الذي سُفكت دماؤهم –وهم بصفين- ألاّ يكونوا اليوم أحياءاً؟ يسيغون الغصص ويشربون الرنق! قد –والله- لقوا الله فوفّاهم أجورهم، وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم أين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ واين ذو الشهادتين؟ واين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وابرد برؤوسهم الى الفجرة (ثم ضرب بيده على لحيته الكريمة فأطال البكاء ثم قال) أوّهِ على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض فأقاموه، احيوا السنة وأماتوا البدعة، دُعُوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه)([3]).

وكان (ع) كثيراًَ ما يتمنى الموت للتخلص من مجاورة اللئام والذهاب الى صحبة الكرام الأحبة محمد وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) وأصحابه المنتجبين، ومن كلماته في ذلك (ولوَددتُ أن الله فرّق بيني وبينكم، وألحقني بمن هو أحقّ بي منكم)([4]) لأنه يرى نفسه يعيش وسط حثالة لا يذكرون الا بالذم قال (ع) (أين أخياركم وصلحاؤكم واين أحراركم وسمحاؤكم! واين المتورعون في مكاسبهم. والمتنزّهون في مذاهبهم؛ اليس قد ظعنوا جميعاً عن هذه الدنيا الدنية، والعاجلة المنغصّة، وهل خُلفتم الا في حثالة، لا تلتقي الا بذمِّهم الشفتان، استصغاراً لقدرهم، وذهابا عن ذكر هم؛ فإنّا لله وإنا اليه راجعون.)([5]).

وكان يأسف (ع) أن ينفضَّ الناس عن الهدى المتمثل به ولا تبقى تحت سيطرته من رقعة الدولة الاسلامية الكبيرة الا الكوفة فيقول (ع) (ما هي الا الكوفة، أقبضها وابسطها، إن لم تكوني الا أنتِ، تُهبُّ اعاصيرك فقبّحكِ الله)([6])

ويستغرب منهم حين يعصونه وهو الحق بينما يتفانى اصحاب معاوية في طاعته وهو إمامهم الى الضلال فيقول (ع) (صاحبكم يطيع الله وانتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه لَوَددتُ والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فاخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم.واني لعلى بينةٍ من ربي ومنهاج من نبيي، وإلي لعلى الطريق الواضح ألقُطُه لقطا) ([7]).

ويسبب ذلك فقد تنبأ بضياع دولتهم ونجاح دولة معاوية فقال (ع) (وإني والله لأظنُّ أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم امامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم.)([8])

وقال (ع) (اما والذي نفسي بيده، ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم اولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم،وإبطائكم عن حقي، ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحتُ أخاف ظلم رعيّتي)([9])

وكان كل أسفه (ع) لانه يعلم بحقائق الامور وعواقبها ومصير كل فريقٍ وهو القائل (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً) ولكن أنى لتلك القلوب القاسية والعقول المغلوبة بالهوى أن تبصر بعين الحقيقة قال (ع) (ولو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه، إذاً لخرجتم إلى الصُعُدات تبكون على أعمالكم، وتلتدمون –ضرب الصدر للنياحة- على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها، ولا خالف عليها- ولهمّت كلَّ امرئٍ نفسُه، لا يلتفت الى غيرها، ولكنكم نسيتم ما ذكِّرتم، وأمِنتم ما حُذِّرتُم، فتاه عنكم رأيُكم، وتشتّت عليكم امركم.)([10]) فأسفه وحسرته كانت امتداداً لقول الله تبارك وتعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)[11].

هذه بعض كلمات أمير المؤمنين نقلناها لنحسَّ بمشاعره (عليه السلام) في غربته حتى كان يقول وهو يشير الى صدره المبارك (إن هاهنا علماً جماً لو أصبت له حملة) لكن اصحابه ضيّعوه ولم يعرفوا قدره ولم يستفيدوا منه فظلموا أنفسهم وظلموه إذ حرموه من أن يقدّم عنده قال (ع) (ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيّتي)([12])

وعلينا –نحن شيعة علي (ع)- اليوم ان لا نظلمه كما ظلمه أصحابه وان لا نحرم أنفسنا من عطائه كما فعل أصحابه، فانه وان غاب بشخصه الشريف عنا، الا انه حاضر بيننا بكلماته ومواعظه وخطبه وسلوكه وسيرته وعلمه وجهاده وإخلاصه وإيثاره وفنائه في الله تبارك وتعالى وغيرها من الكمالات.

ولنستفد من كل ذلك وكأنه (ع) يتحدث إلينا مباشرة ويجسّد تلك الفضائل والكمالات التي نقلتها الروايات وكأنه يعيش بيننا. وهذا يحتاج الى صحوة وانتفاضة على واقعنا المر بابتعادنا عن (نهج البلاغة) وكل الآثار الشريفة التي سجلت مآثر وآثار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ويكون ذلك من خلال عدة خطوات عملية حتى لو حصلت تدريجياً بحسب الاستطاعة.

1- اهتمام الخطباء والمبلغين والوعّاظ بنصوص نهج البلاغة فيفتتحون بها مجالسهم ويعتنون بشرحها واستخلاص الدروس منها وبيان ما تضمنته من حقائق ومعارف وعلوم، وهذا ما كنّا نعهده من السلف الصالح وقد ذكر جدّي لأبي الشيخ محمد علي اليعقوبي (رحمه الله تعالى) في ترجمة أخيه الشيخ مهدي (رحمه الله تعالى) وهو جدي لأمي في كتاب البابليات أنه (لا أبالغ اذا قلت أنه كان يحفظ ثلاثة أرباع نهج البلاغة عن ظهر قلب)

2- ان يلتزم كلٌ منا بإمعان النظر في نهج البلاغة وغيره من الآثار التي سجلّت كلمات أمير المؤمنين كـ (غرر الحكم) للآمدي و (تحف العقول) وغيرها كلما سنحت له الفرصة من دون إهمال أو تضييع ويستذكر تلك المعاني الجليلة ليحيي بها قلبه وينوّر بصيرته ويصحّح طريقة حياته وهو القائل (ع) (إنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد وعفّةٍ وسداد)[13]

3- تشجيع الكتاب والمثقفين على استلهام جوانب العظمة التي أودعها أمير المؤمنين في كلماته وسيرته وتصنيف المواضيع التي تعرّض لها أمير المؤمنين (ع) فقد تضمن نهج البلاغة معالجة قضايا عقائدية واجتماعية وأخلاقية وفلسفية وإنسانية واقتصادية وله (ع) السبق في السياسة والحكم وولاية أمر الناس والقضاء والفتوى وغيرها من المواضيع التي لو عكف عليها الباحثون والمتخصصون لا تحفوا البشرية بانجازات رائعة ونذكر منها كتاب (الامام علي (ع) وحقوق الإنسان) الذي نال به الباحث درجة الدكتوراه بامتياز في كلية العلوم السياسية وطبعناه تكريماً له، وهذا غيضٌ من فيض ما ترشح عن أمير المؤمنين (ع) وكذا كتاب (الراعي والرعية) في شرح عهده (ع) لمالك الاشتر لما ولاّه مصر و (علي بن أبي طالب: صوت العدالة الإنسانية) وغيرها.

4- انشاء مكتبة متخصصة بآثار أمير المؤمنين (ع) وما كُتب عنه والدراسات والبحوث التي تناولته وتجهّز بأحدث الوسائل في تقنية تبادل المعلومات والاتصالات.

5- انشاء فضائية خاصة بعلي بن أبي طالب (ع) تبيّن فضائله ونشر علومه ومعارفه وتصوِّر مراحل حياته الشريفة وما أُثِرَ عنه وتعقد الندوات والحوارات عنه (ع) وإجابة الأسئلة وغيرها.

6- السعي الجدي لدى إحدى الجامعات العالمية الرصينة لتخصيص كرسي للدراسات عن علي بن أبي طالب تحتضن الباحثين والدارسين وتمنح الشهادات الجامعية العليا وتستقبل البعثات الدراسية من الطلبة المتميزين من انحاء العالم للتخصص في هذا المجال.

انني لا ابتغي بوضع هذه الخطوات العملية مجرد تسطير الكلمات وحشو الصفحات وإنما لنسعى جميعاً وبكل جدّية ومصداقية وهمّة عالية لانجازها حتى نشهد نهضة عالمية تخرجنا من حد التقصير في حق أمير المؤمنين(ع) ولا نكون كالذين ظلموه وحرموا أنفسهم من عطائه المبارك. كما وعى المسلمون غربة القرآن وهجرانه وشكواه وحرمانهم بتضييعه فعادوا إليه وانشئوا الجامعات والمحافل لتلاوته ودراسته والاستفادة منه والتخصص في علومه وغيرها.

إن إقامة المواليد وفعاليات الفرح في مثل هذه الذكريات العطرة اعني ذكرى ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) غير كافٍ للتعبير عن الاحتفال الواعي الرسالي بهذه المناسبات، نعم هي تمثل تعبيراً عن مستوى من المجتمع فالاكتفاء بها غير صحيح مالم يقترن ببعض الخطوات التي ذكرناها، واقل ما يجزي فيها أن نتصفح كتاب نهج البلاغة ونستلهم منه ما يقدّر الله تبارك وتعالى لنا من رزق؛ كما انني تصفحته في ذكرى الميلاد الميمون وخرجت بالنصوص التي افتتحت بها كلمتي هذه.

وتأتي بعد ذلك الخطوة التي مرت بالرقم (2) لأن من يسمع بأنك من شيعة علي (ع) فانه يتوقع أن يرى فيك أخلاقه وسيرته وسموّه، وبهذا الصدد نقل لي صديق مهندس كان مقيماً في ألمانيا انه وعائلته زار صديقاً عراقياً اسمه (علي) كان متزوجاً من ألمانية لغرض الحصول على الجنسية الألمانية بحسب قوانينهم، وكان يتوقع ان لا يجد المرأة الألمانية بالصفات المرغوبة لأن هذا الرجل لم يتزوجها الا للغرض المذكور ولكنه رآها فوق ما يتصور وسألها عن سر قبولها بهذا الفتى مع عدم وجود المرغّبات الكافية فأجابت أنها تزوجته لأنها تريد أن تعرف الإسلام من خلاله.

هكذا ينظر الآخرون الى المسلمين والى شيعة علي (ع) خاصة وهذا يلزم كل واحدٍ منا بمسؤولية مضاعفة ان نكون عند حسن ظن نبينا وإمامنا (صلوات الله عليهما) وعند حسن ظن من أحسن بنا الظن.

إن إحداث مثل هذه الصحوة العالمية لنشر فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وآثاره وعلومه ومعارفه كفيلة باصلاح البشرية وإعادة مسيرتها إلى الطريق الصحيح وستساعدها على حلّ عقدها المستعصية ومشاكلها التي قادتها إلى اليأس والانتحار وستفتح أمامها آفاق حياة سعيدة بإذن الله تعالى.

——————————————————————————–

2] و 3 ) نهج البلاغة من الخطبة (182).

[4]) نهج البلاغة، الخطبة (116).

[5]) نهج البلاغة ، الخطبة (129).

[6]) نهج البلاغة، الخطبة (25).

[7]) نهج البلاغة، من الخطبة (97).

[8]) نهج البلغة من الخطبة (25).

[9]) نهج البلاغة، من الخطبة (97).

[10]) نهج البلاغة، من الخطبة (116).

[11]) يس/30.

[12]) نهج البلاغة، من الخطبة (97).

[13]) نهج البلاغة، رسائل الامام، من كتاب له (ع) الى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دُعي الى ولية قومٍ من أهلها فمضى اليه.”

من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي