الرئيسية » مقالات » قراءة في استقالة الطالباني

قراءة في استقالة الطالباني

لو اردت ان اضرب أمثلة على ما يسببه التمسك بكرسي السلطة من ذل للحكام، خاصة العرب منهم، سوف احتاج الى كتابة كتاب وليس عمودا. فكم من حاكم تصور انه ملك الدنيا وما فيها، لكن حب الكرسي انتهى به الى حفرة حقيرة او أنبوب مجار او “سدية” خصصت للمرضى والمعوقين يجرونه بها جرا. وبالمقابل لو بحثت في تاريخنا القديم وحتى اليوم، عن حاكم زهد بالسلطة لوجدت العدد شحيحا قد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

والزهد بالسلطة لا يمنح الحاكم قوة بوجه خصومه، حسب، بل ويسهم في حماية الوطن والشعب من الكوارث، لذا لا يقدم عليه الا من كان شجاعا ونزيها ومتجردا عن المصالح الشخصية. وخير ما يميز هذا النوع من الزهد هو استعداد الحاكم للاستقالة وكأن السلطة عنده لا تساوي “عفطة عنز” حسب قول إمام الزاهدين علي بن أبي طالب.

هذه المقدمة جرتني لها التصريحات التي صدرت عن بعض الكتل السياسية، خاصة جماعة دولة القانون، حول وضع الرئيس جلال الطالباني استقالته تحت تصرف التحالف الكردستاني. تأملت تلك التصريحات فلم أجد فيها تصريحا واحدا صدر عن مسؤول قرأها بعين موضوعية وفهم الرسالة الحقيقية التي أراد الطالباني إيصالها للمستقتلين من اجل البقاء على كراسيهم.

تحدث المقربون من رئيس مجلس الوزراء وكأنهم ناطقون باسم رئيس الجمهورية أو مدراء مكتبه او مقربون منه جدا، فصاروا يفسرون أسباب الاستقالة على هواهم. بعض اعتبرها احتجاجا على سعي “البعض” لسحب الثقة عن قائدهم. وبعض قال ان قرار الاستقالة راجع لتأكيد الرئيس على “ان يكون تصدير النفط بيد الحكومة الاتحادية” و انها “جاءت على خلفية مواقفه الوطنية”. أقول: ان كانت الاستقالة تعني موقفا وطنيا، فلماذا يتطير هؤلاء ويفقدون أعصابهم لو سمعوا بأحد يطالب زعيمهم بالاستقالة؟

لست هنا بصدد امتداح الرئيس الطالباني، ويكفي ان دولة القانون أشبعوه مدحا أكثر من غيرهم، لكن الذي أريد قوله هو انهم لو كانوا حقا يجيدون القراءة، كما يدعون، لعرفوا ان الاستقالة كانت ردا على تهديداتهم، وكانت رسالة موجهة لهم قبل غيرهم. لا يمكن ان ننسى ان “المقربين” حين سمعوا بعزم أطراف فاعلة بالعملية السياسية على سحب الثقة من رئيس ائتلافهم او إقالته من منصبه التنفيذي، هددوا بان سحب الثقة سيشمل الرئاسات الثلاث على قاعدة ” إذا متُ ظمآناً فلا نزلَ القَطْر”. قطعا عرف رئيس الجمهورية، باعتباره من الرئاسات الثلاث، انه من بين المقصودين بالتهديد. تصور المهددون انه سيفعل كما فعل رئيس مجلس الوزراء فيشن حملة كي يحتفظ بكرسيه مهما كان الثمن. لكن هذا هو خطأ من “يرى الناس بعين طبعه”، اذ جاءهم رد رئيس الجمهورية وكأنه يقول ان كان حل الأزمة وتخليص العراق والعراقيين من الخراب والبؤس متوقف على منصبي، فهاكم إياه بكل طيبة خاطر. وبهذا رد السحر على الساحر كما يقولون.

للأمانة القول ان “المقربين” وان لم يدركوا معنى رسالة استقالة الرئيس بشعورهم، فانهم في “اللا شعور” قد أدركوها. والدليل هو إننا لم نسمع أيا منهم، بعد تسليم رئيس الجمهورية لاستقالته، قد كرر التهديد بشق “سلة” الرئاسات الثلاث وإسقاط من فيها.

أخيرا، نصيحة مني لهؤلاء اقدمها لوجه الله، ان يتذكروا قبل ان يدلوا باي تصريح، ان لا احد ينجح في إخافة أو إذلال الحاكم، اي حاكم، الا حين يكون مستقتلا على كرسي السلطة وشغوفا به.

المدى 30/5/2012