الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة : براثن الموت

قصة قصيرة : براثن الموت

لم افكر او لم اكن احلم ابداً بانني ساضيع “ياقدر” في البيت، في القرية، في جزيرة الياس حيث ولدت، وكانت النباتات والطيور هي التي ترشد المتجولين. كنت اظن ان هذا الشي موجوداً في كل مكان … وهكذا “يانصيب” انا من غير بوصلة.

فكرت باخذ اشياء بسيطة نحتاجها: حقيبة ظهر، لباس ابيض وطعام يكفي مدة اسبوع او نحوه وابر لاصلاح الملابس وثقاب فراش النوم، وفرش ارضية رثة لتنام فوقه وسكينان وقدر قذر لم يغسل منذ شهر …

لقد كانت في طريقها لتشاهد التلفاز والسجاد والاريكة التي تؤمن الراحة في مدرسة “الانتظار” والنباتات الزجاجية واضوية المرور والمحلات المليئة بالثمار في طريقها الى الميناء الذي لايتجمد؛ وجسر البوابة الذهبية. غير انها كانت اساساً ذاهبة لتتخلص من “مصير” زوجها المرعب.

حدق “مصير” في كفه، وادار راسه ببط، بعيداً، من غير ان يرفع عينيه، لعق كتفه ثم انطلق نظره صوب … عالم الهدوء والراحة الابدية اذا كنت قد انجزت المهمة بنجاح؛ لكن ان الاغلب يهرب من جور والالام الياس الذي لامفر منه!

ارتخت اذناه واستدار بياس الى جانبه. تنهدت “احلام” وحدقت في القبعة الزرقاء، وادراكت بالم مازقها.

ثم اخذ النسيم يموج شعرها … الذي راح يتالق في الضوء، ارتجفت يداها قليلاً وابتلعت ريقها بصعوبة لتحافظ على هدوئها وتبدو عظامها صغيرة وعضلاتها قوية ووجهها مدور مثل لؤلؤة، وكان انفها مصطحاً وعيناها السوداوان المائلتان برشاقة، كانتا رطبتين وتلتمعان؛ ولكن الحظ لم يطرق بابها ولو لمرة …

كان عليها ان تخبره بطريقة انها كانت تتضور جوعاً، وتطلب منه طعاماً ولكن يبسط الطير جناحيه ويحط بين الحشائش، املة ان يقع نظره عليها … كان متالقاً دافئاً.

فكرت ثم قالت لابد ان الططعام يكون افضل مذاقاً لو طبخ. فذهبت الى الغدير لجلب الماء. عندما غمست قدرها فيه، فكرت في “القدر” لماذا اظهر اسنانه لها؟ الا انها كانت صبية وهو يعرف انها لاتستطيع ان تؤذيه. رمت القدر وزحفت فوق البيت وامتدت على معدتها.

قالت برقة: “لقد فهمت ما قاله “مصير”. اتفهمني؟ انا جائعة، جائعة جداً جداً. اجلب لي ارجوك بعض اللحم.”

لم يكن بيتها محكماً لانها لم تبن واحداً قط من قبل غير انه كان دافئاً من الداخل لان جدرانه من الطين. لقد جعلته يصد الريح بعد ان استعملت الطين لملئ فراغات الاحجار، والذي حصلت عليه من البركة قرب بابها، ولقد جعلته جميلاً بعد ان فرشت ارضيته بجلد الكاربيو وعلى هذا، وضعت فراش نومها، وحقيبة مصنوعة من جلد حيوان الموظ المبطنة بجلد ارنب ابيض. ويلي سريرها منضدة تضع عليها ملابسها عندما تنام. ولتزين داخل البيت صنعت ثلاث زهور من ريش الطيور والصقتها في اعلى المنضدة. ثم بنت خارج الباب موقداً ووضعت قدرها بجانبه. كانت القدر فارغةً اذ انها لم تجد حتى “اللمنج” لتاكله.

وفي الشتاء الماضي عندما ذهبت مشياً الى المدرسة في “الناحية” كانت هذه القوارض الشبيهة بالفئران وفيرة لدرجة انها كانت تجري تحت قدميها، اينما خطت!!

انا اعرف ماذا تقول. تقول “استلقي!” فجثمت على عقبيها.

صفقت بيدها وجلست لتراقب لغة الفقر، وابتهجت متباهية لانها استطاعت ان تحل رموز لغة النصيب. وبعد وقت طويل، قررت انها لم تكن تتحدث بل تلعب وتتشاجر بصخب؛ لذلك قفلت راجعة الى البيت.

ثم نزعت سترتها ومعطفها الخارجي، نزعت ايضاً الحمالتين الحمراويتين اللتين اشترتهما لها زوجة ابيها من “المدينة” وسارت الى البركة وغسلتها برفق، ثم نشرتها بالشمس. لفح الهواء البارد جسمها العاري. ارتجفت وفرحت لانها لم تصنع شيئاً صحيحاً.

وبعدها شرت حمالتها، رقصت لحظة. ثم ارتدت فرائها. وعندما انحنت فوق البركة. شاهدت في الماء الصافي، وجنتيها الغائرتين. كانت مسرورةً وكان شعرها غير مصفف، فصففته بيدها. وتمنت لو انها اخذت مشط “احمر” لتمشط به وادركت انها تخلصت من براثين الموت باعجوبة ولا يوجد شي جديد في حياتها.