الرئيسية » مقالات » صبري هاشم يطير بأجنحة القصيدة

صبري هاشم يطير بأجنحة القصيدة

صبري هاشم … طائر حُر هجرَ البصرة وحلّق في السماء باحثاً عن الحرية حاملاً معه روحه المعذبة وأشلاء من مدينته الجميلة وبقايا ذكريات مفعمة بالحب والوفاء تفيض بالحنين والشوق ومن خلال قصائد تنبض بالحياة يصبُّ روحه لتضئ ـ مثل قناديل في ظلامِ المهاجر ـ طريق الوجد والعودة إلى ملاعب الطفولة والصبا التي لا تفارق صبري وتشده إليها رافضاً وجوده الجسدي في المدن التي قدمت له كل شيء إلا الحرية .. الحرية بجوهرها الذي يبحث عنه .. كما عبر عنها في قصيدة موحشات الشارتيه ( والشارتيه هو المشفى الذي ينزل فيه في العادة ) .

هذا زمنٌ موغلٌ في الخديعةِ
تحاشاهُ إنْ شئتَ

في هذه الصورة المختصرة وبهذا التكوين الشعري الناطق يوجز صبري هاشم موقفه الفكري والفلسفي عبر هذا المقطع الصغير يعلن رفضه للزيف والخديعة ويتحاشى الوقوع في الانبهار الشكلي الذي لا يدهشه لأنه يدرك أنّ هذا البريق مزيف وأنّ المنفى لن يصبح وطناً ..

برلينُ ليست عدنَ

برلينُ لم تكن بصرةَ

فصبري المسكون بالوطن .. بالبصرة .. بسنجار .. نينوى..آشور.. تلك الأماكن التي عاش فيها أو مجرد مرّ منها ذات مرة شكلت جزءاً من وجدانه وفيها شاهد ما شكل عبر صوره المتداخلة تكوينه الواعي لطبيعة العلاقة بين الوطن والإنسان هذه العلاقة التي جعلته يبحث ويتقصى جذوة هذا الترابط السرمدي بين الروح والوطن ويتبع لذة هذا العشق المدهش والمصيري .. بهذا التعلّق والهيام حد الهذيان والجنون ارتبط صبري هاشم بالوطن وشعره بالبصرة ..

كنتُ أتصيّدُ في قواميسِ البلدانِ
عن معنى عبادةِ الأوطانِ
عن معنىً ضائعٍ
كيف يُحبُّ المرءُ حدّ الجنونِ بلاداً
رميتُ شباكي فعادتْ فاترةً بلهاء
رميتُ ثانيةً
عادتْ مُتْرعةً بالخواء
رميتُ ثالثةً
لم تَعُدْ

وحينما طالت ليالي المهجر وأخذت من العمر ما أخذت بقي مصراً على موقفه لا يتزحزح عن قناعته ورددَ عبر مزيد من القصائد ليؤكد انه ما زال يعاني وينزف روحه ودمه كلما حل في مدينة كـ (غريب ما بين عدن وبرلين ) وغيرها من المدن التي لا يشعر فيها إلا بالجفاء والتعاسة.

برلينُ محّارةٌ لعوبٌ في إثري لما تزل تصيحُ :

اُخرجْ أيُّها الغريب

وأنا الغريبُ

غريبٌ في عدنَ

غريبٌ في برلين

لا بل أنها تسخر من وجوده وضعفه وتلطمُ وجهه بالرغم من مكوثه الطويل فيها بعد أن انتقل من مدينة إلى أخرى ابتداءً من عدن وانتهاء في برلين التي لا تشبه البصرة وتتشابه فيما بينها برفض الغريب والقسوة على المهاجرين القادمين إليها.

تسخرُ مِن ضعفيَ المنافي
وعلى وجهي تهبُّ الرّياحُ

ويصر على مواصلة التحليق بحثاً عن وطنه المفقود كـ ( قمر دامع العينين .. أبحثُ عن امرأةٍ تجمعُ أدمعي في إناءِ الحنين) .. يهيم على وجهه ويجتاز الصحاري بلا جدوى ، آملاً في العبور والوصول إلى فضاء الحلم الذي يرجو أنْ يعيده للبيئة التي انسلخ منها وظلّ يتوق إليها ..

أيُّها الطّائرُ الذي خذلتْهُ الأسفارُ

مِن فمِ العاصفةِ خُذْ زادَ المُسافرِ

ومِن نارِ خلوةٍ إقتبسْ شيئاً للطريقِ

ثم بنجمٍ يأتلقُ وراءَ الغيمِ تشبّثْ

صبري المسكون بالصورة .. صورة الوطن .. المكان .. المدن .. البصرة .. يجيد التعبير المكثف من خلال الصورة الشعرية في تكوين صور جمالية معبرة تكاد تكون لوحات فنية معبرة تنطق كما تنطق اللوحات الراقية لأشهر الرسامين في العالم..

برلينُ دمعةٌ أُريقتْ ذاتَ اشتهاء
برلينُ شهقةُ المحزونِ
لوعةُ ضالٍّ
وقد ظلَّ باحثاً عن طوقِ نجاةٍ
قشّةٌ لغريقٍ

إنها قصائد تغلّف في أعماقها لوحات في سياق لغة تحمل في طياتها الألوان لتشكل إبداعاً شعرياً يعكس فناً راقياً و تعبيراً ساحراً ينعكس في خيال القارئ بين مقطع وآخر على شكل مرئيات تعيد التكوين الروحي المبهر للأشياء المُخربة والمُدمرة من جراء الحروب وبشاعة مخلفاتها كما في المقطعين التاليين من قصيدة خذوا أشياءكم ..

مِن حزنيَ

ابتلَّ المطرُ

ولم يتوقّفْ عنِ النشيجِ

**

حين جالستُها
ظلَّ القمرُ في كأسيَ ساهراً

**

أو في مقطع من قصيدة أخرى :

أيُّها الطائرُ الذي أضاعَ سربَهُ

خُذْ قمراً

لبلادٍ مرَّ عليها الغزاةُ

وحكمها البغاةُ

وعصفَ بها الطغاةُ

وباتت سوحاً لحروبٍ لا تنتهي

أو التي تعرضت للكوارث والسيول التي جرفتها ومحقتها فحوّلتها إلى تاريخ مفقود ، وها هو يستعيده ويفتح صفحاته ليواصل التدفق مع لوحاته الجميلة ولا يستثني منها شيئاً حتى إذا كانت ريشة طائر تلفتها العاصفة ليؤسس ( بيوتاً مِن وجعِ التأريخِ) ..

أيُّها الطائرُ الآبقُ

خُذْ عشبةً وبها ابتنِ بلاداً

غمرتْها السّيولُ

بها تأنقْ

ومشّط مِنِ الرِّيشِ ما أتلفتْهُ العاصفةُ

ليجمعُ فيها أجزاء جسده الموزعة في المنافي والمدن أو التي استقطعتها الغربة منه ثمناً لإيوائه فيها كغريب في الزمن الضائع المرافق لعذاب المنفى وخواء العيش في بلاد لا تجيد التعامل معك وتشعرك أنك فيها غريب الروح والجسد ..

يا بلادي التي فرّقتْ على البلدانِ جسدي
هذا نخبُ اللقاءِ الأخير
يا بلادَ الفتنةِ
أنا عاشقُكِ الأبديُّ

أنا الباحثُ في المحطّاتِ عن زمنٍ ضاعَ

بوح المسافر للمسافر

لقد أورثتْنا المنافي عذاباً
وعذوبةً سلبتْنا الأوطانُ

هذا العذاب الذي يتجسد في قصيدة (على مشارف الستين) التي لخص فيها صبري هاشم الكثير مما مر به مقارناً وضعه بما يمر به الوطن فتلتقي الأشجان والأحزان لتتحول إلى سيل جارف من العواطف التي تتلاطم في القصيدة فتشعر أنّ حروفها قطع من شريان دم مسفوح يمتد من البصرة وبقية مدن العراق إلى ساحات وحدائق هامبولدت هاين في برلين و مشافيها التي تستقبل صبري الذي يتحدى ( مرضُ القلبِ ، سرطانُ الدّمِ المُزمن ، والخائنون) ويحلم بالبصرة ، يطير إليها بقصائد مجنحة (أعارتني الحماماتُ أجنحةً) تحمله إلى حيث حلم اللقاء .

أقفُ على مَشَارف الستين وحيداً
أمامي حديقةُ هامبولدت هاين


وعلى مسافةِ سنةٍ ضوئيةٍ يقفُ العراقُ وحيداً
مثلي تماماً
على عتباتِ الشيخوخةِ
يقفُ وحيداً
يفصلُني عنهُ الفقرُ ، مرضُ القلبِ ، وسرطانُ الدّمِ المُزمن .
تقولُ المُذيعةُ في قناةِ الجزيرةِ :
إنَّ العالمَ أصبحَ قريةً صغيرةً بعد ثورةِ الأنترنيت
وأنا أقولُ أمسى قارةً موحشةً يسيطرُ عليها جشعُ الرأسمال .


العراقُ في الطرفِ البعيدِ
يقفُ مثلي وحيداً ، مريضاً ، على أبوابِ الستين
يفصلُني عنهُ الفقرُ ، مرضُ القلبِ ، سرطانُ الدّمِ المُزمن ، والخائنون .

لا يستسلم صبري للأحزان ويتجاوز آلام الجراح والمرض ليصل في ذروة الحلم إلى لذة اللقاء ..

لا تستطيعُ جيوشُ الأرض
أنْ توقفَ الريحَ
ولن تمنعَها مِن نقلِ رائحةِ الوردِ

في (نصوص للسيد الدكتاتور) وهي من أجمل وأروع القصائد .. يطرح رؤيا واضحة ومجموعةَ أفكارٍ تجسد رفضه البدائل الشكلية التي تستبدل دكتاتوراً بآخر لا تخلو من السخرية وظف فيها اللغة في مقاطع جميلة عبر 12 محوراً مكثفاً لطرح جملة تصورات فكرية فلسفية عميقة المحتوى لا تخلو من البلاغة والجمال الذي يرقي إلى مصاف القصائد التي خلدت العشرات من الشعراء وتستحق أن يتباهى ويتفاخر بها مبدعها الشاعر صبري هاشم .. الذي ما زال يحلّق في الفضاء نحو البصرة ليظلل أجواء المربد .


1 ـ
حينما قُلنا للدكتاتور
نحن مَللناك فارحلْ
كُنّا نَعَدُّ العُدّةَ
لتنصيبِ دكتاتور آخر
سنمَلُّهُ بعد حين

2 ـ

حتى لو رحلتَ
أيُّها الدكتاتورُ
سينمو تحت مقعدِك دكتاتورٌ آخر

3 ـ

لو أسقطتم كلَّ الدكتاتوريين
في هذا العالم
فسوف لن تكفَّ
مصانعُ الدهماءِ عن إنتاجِ سواهم

4 ـ

في صدرِ كلِّ طموحٍ نحو السلطةِ
دكتاتورٌ صغيرٌ
يخرجُ عند الضرورة

5 ـ
لا ترحلْ أيُّها الدكتاتور
فلسنا في حاجةٍ
إلى ألفِ دكتاتورٍ آخر

6 ـ
أيّها الدكتاتورُ
يا صديقي القديم
منّي لا تطلب المُستحيلَ
فأنا في مهرجانِكم هذا
لن أُشاركَ
لن أردَ ماءَكم
ومِن خبزِكم لن آكلَ شيئاً


7 ـ

أيُّها الدكتاتورُ المُحاطُ برجالٍ أشدّاء
المُسوّرُ بالدينِ والدُّنيا
سأُنازلُكَ
يا هذا فلا تعجب
وأنا رجلٌ أعزل
لا سلاحَ لي غير كرامةٍ
وكنزِ عفافٍ
بهما أُقارعُ كوناً
وأتحدّى وجوداً


8 ـ
إنْ أردتَ مقابلةَ الديكتاتور
فاحذرْ ضئيلاً
ومَنْ في نفسِهِ ضعة

9 ـ

صنّاعُ الدكتاتور
يكرهوننا يا يحيى
لأننا نسكنُ بيتَ العفّةِ
ونغتسلُ بماءِ الضمير
صنّاعُ الدكتاتور كالخائنين
يكرهوننا يا صاح
لنظافةٍ في أيدينا والسرائرِ


10 ـ

أيّها الدكتاتورُ الصغير
العنصرية أنْ ترميَ
بها الآخر
فاحذرْ مِن رميةٍ قاتلةٍ

11 ـ

أيُّها الدكتاتور لا تحزنْ
فالأوغادُ الذين مارسوا
القنصَ الآن
رضعوا مِن ضرعِ خيالِكَ
لبنَ الخيانةِ

12 ـ

أيُّها الدكتاتورُ
نَمْ هانئاً
فنحن ساهرون
على نهايتِك


صباح كنجي

ــــــــــــــــــــ

ـ صبري هاشم .. شاعر و أديب عراقي ولد في البصرة ويقيم في برلين

ـ المقتبس من القصائد من موقع الشاعر والروائي في الحوار المتمدن