الرئيسية » مقالات » العراق في مفرق طرق فأما المالكي وأما التقسيم!

العراق في مفرق طرق فأما المالكي وأما التقسيم!

“نحن جئنا لنبقى واذا تركنا العراق سنتركه ارضا بلا شعب ولا موارد” مقولة كان يرددها البعثيون عن لسان رجل مرحلتهم حينها المجرم “صدام حسين”، والتي اثبتوا علو كعبهم في تحقيقها حينما ادخلوا بلدنا في حروب مدمرة لا ناقة لشعبنا فيها ولا جمل ولتتوقف نتيجتها عجلة التنمية التي بدأت بارتفاع اسعار النفط اواسط سبعينيات القرن الماضي، بعد ان دُمّرت الكثير من البنى التحتية من خلال تلك الحروب الدونكيشوتية او نتائجها. واهمها الحصار الاقتصادي الذي ساهم بشكل كبير في تخلف ليس البلد فحسب بل وحتى الانسان العراقي، الذي حوله ذلك الحصار الى انسان عاجز وغيبي الى حدود بعيدة مقارنة بالانسان العراقي قبل بدء الحرب الصدامية الخمينية التي التهمت مئات الالاف من خيرة شباب العراق. وترسيخا لشعارهم ذاك ملأ البعثيون العراق بمئات المقابر الجماعية ليدفنوا فيها مئات الالاف من الابرياء من مختلف القوميات والاديان والمذاهب ومن اعضاء الاحزاب السياسية المناوئة لحكمهم الفاشي، ولتساهم سياسة رجل مرحلتهم بهجرة الملايين الى خارج البلد وليفرغ العراق من عقول الالاف من المبدعين في مختلف الاختصاصات.

واذا عدنا الى تلك الفترة السوداء من تاريخ العراق اي منذ العام 1979 والذي وصل فيه المجرم صدام حسين الى السلطة وطريقة بداية سطوته للمسنا ليس التبعية المطلقة لمقربيه له وتأليهه، بل انتقال هذه العدوى عن طريقهم وعن طريق الاعلام في تسويقهم له الى الجماهير، باعتباره القائد والملهم والمفكر والوحيد ليس من بين البعثيين فقط بل ومن بين جميع العراقيين لقيادة البلد باعتباره القائد الضرورة “ورجل المرحلة بل المراحل حينها”، حتى وصل الامر بالبعثيين ان يختزلوا العراق باكمله بصدام حسين. فاذا قال صدام قال العراق وهذا ما تقيأ به عبيد صدام الكثر ليختصروا بلدا كالعراق بتاريخه وحضارته الموغلة بالقدم بنكرة كسيدهم، جاعلين العراق في كفة ومجرم كصدام في الكفة الثانية، وحتى عند طلب ابعاد سيدهم عن السلطة ولو تكتيكيا من اجل انقاذ البلد من آثار حرب ضروس كما الحرب الصدامية الخمينية، عندما اشترط الخميني حينها كما تناقلته العديد من المصادر تخلي صدام حسين عن السلطة كشرط اساسي لوقف الحرب بينهما. وهذا ما رفضه صدام حسين وادى حينها كما يقال الى مقتل وزير الصحة العراقي وقتها “رياض ابراهيم حسين العاني”، ونستطيع ان نفسر هذا الفعل لغويا اليوم ب” ان بديل صدام حسين هو صدام حسين نفسه”.

ولو كانت هذه الواقعة صحيحة فاننا امام شكل من اشكال النرجسية التي يرى فيها الحاكم او القائد او رجل المرحلة نفسه عملاقا مقارنة بالاخرين الاقزام الذين لم يخلقوا الا لعبادته والترتيل بحمده، ومن يضيف هالة الى هذه النرجسية ويكرسها في نفسية القائد المريض هذا هم جوقة المطبلين الذين حوله من الذين ينفخون فيه هذه الروح اما خوفا او تملقا للحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم حتى وان ادت الى تدمير البلد، كما وان “القائد او رجل المرحلة” النرجسي لا يهمه في سبيل بقاءه متربعا على سرير الحكم انهار الدماء التي قد تسيل او الثروات التي قد تهدر او الارض التي قد تضيع.

ومثلما ربط البعثيون العراق بمجرم كصدام حسين الذي كان بنظرهم صمام الامان في بقاء العراق موحدا، نرى حزب الدعوة الحاكم وائتلاف دولة “القانون” اليوم يكرسّون نفس النهج مع رجل المرحلة نوري المالكي الذي لم تنجب العملية السياسية بل العراق بأكمله وعلى خطى صدام حسين قائدا فذا مثله! فمثلما اختزل البعثيون العراق بصدامهم فان حزب الدعوة الحاكم ودولة قانونه يعملون على اختزال العملية السياسية برمتها بمالكيهم، حين يقول عبد السلام المالكي النائب عن دولة “القانون” ان (البديل عن المالكي هو المالكي نفسه ولا يمكن تغييره سيّما في هذا الوقت لما قدّمه من خدمات كبيرة ومتنوعة للبلاد “كذا” وهذا هو قرار لا رجوع عنه من قبل دولة القانون والتحالف الوطني، مشيرا أن من حق أئتلاف دولة “القانون” أن يعرف ما هي الاسباب الحقيقية وراء هذا الطلب). وليستمر المالكي النائب في دفاعه عن المالكي رئيس الوزراء قائلا (أن سحب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي هو اعلان عن آخر رئيس حكومة لعراق واحد موحد…)، والسبب كما يقول هو وجود اصوات عديدة داعمة للانفصال او لاقامة اقاليم بدون وجود ارضيات مناسبة لاقامتها. دون ان يفسر لنا السبب الذي دعا رجل المرحلة والقائد الفذ نوري المالكي وحزبه القائد وائتلاف دولة “قانونه” بالتصويت على قانون الاقاليم سوية مع العديد من القوى السياسية التي في السلطة اليوم او التي خارجها من الذين صوتوا لقانون يعتبر برميل بارود متى ما انفجر فانه سيحرق الجميع.

وفي عملية بلطجة واضحة وعلى الضد مما قاله المالكي النائب وهدد به متهما الاخرين باعلان اقاليم دون وجود ارضيات مناسبة، وللضغط على الفرقاء السياسيين بالانحناء للمالكي ولو بالقوة صرح عضو حزب الدعوة الحاكم رئيس مجلس محافظة البصرة صباح حسن البزوني في مؤتمر صحفي (ان المجلس يعتزم تفعيل الاجراءات الخاصة بجعل المحافظة اقليما في حال سحب الثقة عن رئيس الوزراء نوري المالكي). وهذا التهديد يعتبر شكلا من اشكال الترويج للدكتاتورية التي يعمل حزب الدعوة القائد على ترسيخها في العراق الجديد ” الديموقراطي” مما يتطلب توحيد المواقف من جميع القوى السياسية للوقوف ضد هذه النزعة الدعوية التي لا تفرق بشيء عن بلطجة البعثيين ونزعاتهم التسلطية تلك التي قادت البلد الى ما هو عليه اليوم.


ان المالكي ليس صمام امان العراق “ولا يجب ان يكون كذلك” كما يقول المالكي النائب ولا رجل المرحلة كما يقول عبيده، لان صمام الامان هو الدستور الذي يجب مراجعته بشكل جدي ليحدد بصيغة دستورية جديدة تشكيل الاقاليم على اساس قومي فقط وليس طائفي او مناطقي. وليكن الكرد فقط هم من لهم الحق في تشكيل اقليم اذا ما اردنا ان نسلك طريق النظام الفدرالي، على ان تُحَدَد العلاقة بين المركز والاقليم عبر بنود دستورية بصياغات جديدة وواضحة وغير قابلة للتأويل لا في صياغاتها اللغوية ولا القانونية، اضافة الى تشريعات جديدة تمنح مجالس المحافظات الكثير من السلطات عبر لامركزية الحكم على ان لا تتعارض مع صلاحيات المركز.

والان وفي عودة لما بدأنا به المقالة واستنادا لتصريحات طبّالي المالكي وحزبه القائد ودولة قانونه نستطيع القول ان لسان حالهم يقول ” نحن جئنا لنبقى ولن نترك الحكم الا والعراق مقسما فاي الطريقين تختارون”

العراق اليوم ليس بحاجة الى رجال ذو أذرعة طوال بل الى رجال ذو عقول كبيرة.

زكي رضا
الدنمارك
28/5/2012